“رمزي نهرا” أطاحته عبارة واحدة: “أنا يلي عم بحكي” تختصر لحظة سقوط الاستعلاء

بعدما بدا أن الشمال اللبناني سيبقى محكوماً بعقلية الحاكم بأمره، صدر القرار المنتظر: إقالة المحافظ رمزي نهرا. الرجل الذي مثّل لعقدٍ من الزمن صورة “المسؤول المحسوب”، خرج من السراي كما دخلها، مثقلاً بإرثٍ من التوترات والصدامات والإخفاقات. المقرّب من جبران باسيل، والذي لطالما اعتُبر ذراع “التيار الوطني الحرّ” في الشمال، أطاحته عبارة واحدة قالها وزير الداخلية أحمد الحجار في العلن: “أنا يلي عم بحكي”، لتُختصر بها لحظة سقوط الاستعلاء، وولادة مزاج إداري جديد يرفض منطق التسلّط في الحكم.

منذ تعيينه محافظاً في العام 2014، حمل نهرا انحيازه السياسي على كمه، وبدلاً من أن يكون مظلة للجميع، تصرّف كأنّه مندوب حزبي بدرجة محافظ. لم تُمحَ من ذاكرة الطرابلسيين مشاركته في تظاهرات “التيار الوطني الحر”، ولا صدامه الشهير مع رئيس بلدية المدينة رياض يمق، ولا ممارساته التي وُصفت بـ”التشبيحية” في أكثر من ملف. لكنّ القشة التي قصمت ظهر الولاية، كانت الإخفاق الفادح في إدارة الانتخابات البلدية، حيث الفوضى، والبطء، والاتهامات بالتزوير، فجّرت غضباً شعبياً تُرجم بمطالبة علنية برحيله.

قرار إقالته، وإن أتى في سياقٍ إداري، إلا أنه يحمل في طياته أبعاداً سياسية عميقة: فلبنان اليوم لا يعيش تحوّلاً داخلياً وحسب، بل يرتجف على وقع متغيرات إقليمية تتسارع وتيرتها. وأبرز ما يعكس هذا التحول، كان المشهد غير المسبوق في الرياض: دونالد ترامب يجلس إلى جانب الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، بحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، واتصال مباشر من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

مشهدٌ لم يكن ليتخيّله أحد قبل أسابيع، لكنه وقع، ليؤسس لانقلاب سياسي – إقليمي عنوانه “الشرق الأوسط الجديد”. لم يأتِ ترامب إلى الرياض بخطابات تقليدية، بل برسائل صريحة: رفع العقوبات عن سوريا، الدعوة لانضمامها إلى اتفاقيات أبراهام، وترحيل الفصائل الفلسطينية المصنّفة إرهابية، وتفكيك العلاقة مع إيران. كل ذلك تحت عنوان واحد: إعادة صياغة المنطقة، وإدماج دمشق مجدداً، ولكن وفق شروط اللعبة الأميركية – الخليجية.

في هذا السياق، برز لبنان كـ”نقطة ارتكاز”، لا كحاشية. إذ قالها ترامب صراحة: “فرصة تاريخية للتخلص من حزب الله”، مشيراً إلى أن الرئيس جوزاف عون أمام لحظة مفصلية لبناء دولة جديدة، لا رهينة للسلاح، بل شريكة في السيادة والاستقرار. موقفٌ دعمه بالكامل ولي العهد السعودي، الذي أكد بوضوح أن “لا استقرار في لبنان من دون حصر السلاح بيد الدولة، ولا نهوض من دون إصلاحات جذرية”.

قمة الرياض إذاً لم تكن حفلة علاقات عامة. كانت قمة رسم خرائط، وإعادة تموضع، وشطب رموز، وصعود آخرين. السعودية تُثبّت موقعها كلاعب محوري، وواشنطن تعيد تطبيع حضورها الإقليمي عبر لغة الصفقات، لا الجيوش. أما لبنان، فهو أمام فرصة نادرة: أن ينفض عنه غبار الوصايات، ويعود دولة تحكمها المؤسسات، لا الأحزاب المدججة بالسلاح.

لم تكن إقالة نهرا وحدها على طاولة مجلس الوزراء، فقد شملت إقرار التمديد لـ”اليونيفيل”، تعيين رئيس جديد لمجلس الانماء والاعمار محمد قباني، بالاضافة إلى قرارات عدة متعلقة بالشأن الاداري والوضع المعيشي..

لبنان الكبير

مقالات ذات صلة