تفكك غير مسبوق: الانتخابات تكشف صراع الأجنحة داخل “الحزب”!

لم يعد الحديث عن صراع الأجنحة داخل “حزب الله” مجرّد همسات خلف الأبواب المغلقة أو تحليلات خصومه السياسيين، بل بات واقعاً مكشوفاً تهزه رياح الانتخابات البلدية التي اجتاحت لبنان. فبعد حرب مدمّرة خسر فيها الحزب عدداً كبيراً من قيادييه – بمن فيهم أمينه العام حسن نصر الله بحسب بعض التقارير – اهتزت البنية التنظيمية للحزب، على الرغم من محاولاته الظهور بمظهر المتماسك والمستمر في الأداء والانضباط. لكن الاستحقاق البلدي هذا العام جاء كمرآة كاشفة للانقسامات العميقة التي تضرب “بيت الحزب” من الداخل، بل ومن القاعدة الشعبية نفسها.

جبل لبنان تفكك غير مسبوق
في بلدة لاسا الجبلية، سُجّلت واحدة من أكثر النكسات التنظيمية وضوحاً. إذ فشل الحزب في توحيد صفوفه وتفككت لوائحه، ما أدّى إلى خوض مناصريه الانتخابات ضد بعضهم البعض، في مشهد غير مسبوق في منطقة لطالما عُدّت معقلاً حزبياً منيعاً.

تحالف مع “العدو العقائدي” في بيروت
أما المفاجأة الكبرى فكانت في بيروت، حيث قرّر “حزب الله” دعم لائحة انتخابية متحالفة مع “القوات اللبنانية” – الخصم العقائدي الأبزر – في خطوة وُصفت بـ “الزلزال” داخل البيئة الشيعية، وأربكت القواعد الحزبية التي اعتادت خطاباً يتّهم “القوات” بالعمالة والارتباط بالخارج. هذه الخطوة فتحت باب التساؤل عن أولويات الحزب السياسية اليوم، ومدى انسجام قراراته مع قناعات قاعدته.

الضاحية والبقاع: فتور الحماسة وتنامي النقمة
الضاحية الجنوبية، القلب النابض للحزب، سجّلت نسبة اقتراع لم تتجاوز 31%، ما يعكس فتوراً شعبياً وتراجعاً في الحماسة التنظيمية. وفي البقاع، المشهد أكثر قتامة، حيث أدّت سياسة “فرض المحازبين” على العائلات إلى موجة غضب ونفور، ما ينذر بتحولات بنيوية تهدّد بتفكيك التماسك الشعبي حول الحزب.

الجنوب.. اختراقات خارجية وصراع داخلي
في الجنوب اللبناني، المعركة تبدو أكثر تعقيداً. انقسامات داخلية تعصف بعدد من البلديات، بعضها شهد تدخلات مباشرة بدعم خارجي.

ووفق معلومات جنوبية فإن أشخاصاً محسوبين على “حزب الله” وكانوا يترشحون على لوائحه في السابق، فتحوا خط تواصل مع دولة عربية وأصبحت أوساط الحزب تتحدث عن جناح عربي وجناح ايراني فيه.

وأشارت مصادر مطلعة إلى مرشح جنوبي بارز تربطه علاقات مع دولة عربية، يخوض معركة ضد الحزب.

من سجد إلى بني حيان.. الفوضى تضرب القاعدة
في بلدة سجد الجنوبية، شلّ الصراع الداخلي قدرة الحزب على تشكيل لائحة موحّدة، وفشلت قيادته في اتخاذ قرار حاسم بشأن الترشيحات، ما أدى إلى غياب كامل للحليف التقليدي حركة “أمل”، التي لم يُعرف ما إذا كانت حاضرة سياسياً في البلدة أو محجوبة بقرار من قيادة الحزب. النتيجة: شلل سياسي وتنظيمي غير مألوف في بيئة توصف عادة بالانضباط الشديد، والمفاجئ أن لائحتين للحزب تتنافسان في ما بينهما، احداها مدعومة من الجهات الحزبية الرسمية والثانية مموّلة من رأسمالي لبناني يعيش في الخليج.

وفي بلدة بني حيان، تصاعدت التوترات على خلفية التنافس على مقعد اختياري، ما أدّى إلى تهديدات متبادلة بين مناصري الحزب، في مشهد يعكس هشاشة التماسك الداخلي. فيما سُجّل في بلدة شقرا اعتداء من مناصري الحزب على مرشّح مستقل، خلال حملته الانتخابية.

إلى أين يتجه الحزب؟
كل هذه المؤشرات تعيد طرح السؤال الجوهري: هل بدأت الحرب على “حزب الله” تأخذ شكلاً جديداً، من الحرب العسكرية والسياسية إلى صراع انتخابي داخل البيئة، وربما داخل المنزل التنظيمي؟ أم أن ما يجري هو ببساطة ترجمة لحروب إقليمية تترجم نفسها على الأرض اللبنانية، في محاولة لإعادة رسم النفوذ داخل الجنوب والبقاع وبيروت؟

الانتخابات البلدية في لبنان هذا العام لم تكن مجرد استحقاق محلي، بل اختبار حقيقي لـ”حزب الله”، كُشف فيه الكثير من المستور. أما المستقبل، فيبدو مفتوحاً على مزيد من الانقسامات… وربما مفاجآت كبرى.

لبنان الكبير

مقالات ذات صلة