البلديات في البترون… أشرس المعارك وأكثرها دلالة: مجلسَ الاتّحادِ هو الجائزةُ الكبرى

بين البحر والجَرْد، في قلب الشمال الذي ظلّ لعقودٍ معيارًا لنبض الشارع المسيحيّ، خاض قضاء البترون واحدةً من أشرسِ المعارك البلديّة. هنا يختلط العَصَب العائليّ بوهج الحزبيّة، ويُصاغ مستقبلُ المجالس المحليّة بالإشارة الخفيّة لحسابات الأحزاب. إذ يدرك المرشَّحون، قبل الناخبين، أنّ مجلسَ اتّحادِ بلديّات البترون هو الجائزةُ الكبرى؛ فالرئاسة هناك تُمسك بمفاتيح المشاريع والتنمية لمئةٍ وثمانٍ وستّين قريةً وبلدةً، وتتحكّم بتدفّق الأموال الدوليّة والاغترابيّة.
لذلك انزلقت القوى إلى خطوطِ تماسٍّ شديدةِ الحَرَج: “المردة” التي تلقّت صفعةً رئاسيّةً قبل عامين تسعى إلى “ردِّ اعتبارٍ” يذكّر الخصوم بأنّ زعامة سليمان فرنجية لم تتبخّر، فيما “التيّار الوطنيّ الحرّ” يرمّم ما تهدّم من قواعده بعد تراجع الوزير جبران باسيل في استطلاعات الرأي، ويحاول—من بوّابة البلديّات—تحسين أوراقه في أيّ حوارٍ رئاسيّ مقبل. أمّا القوّات فتعتمد معادلةً صفريّةً: إمّا فوزٌ كاملٌ وإمّا فشلٌ مدوٍّ، لأنّ “أيَّ خرقٍ هو هزيمة”. وعلى نحوٍ لافتٍ، تركت الأحزابُ شعاراتها جانبًا لتلبسَ عباءةَ العائلات؛ تموِّل، وتدعم، وتفاوض من دون ضجيجِ الراياتِ والصُّوَر.
وعلى الرغم من حرارة الخطاب، بدت صناديقُ البترون باردةً؛ فقد تركزت المشاركة في الفئات فوق الخمسين، وانخفضت نسبةُ الشباب من المقترعين. ويُعزى ذلك إلى عاملين: أوّلًا، هجرةٌ كثيفةٌ بعد الأزمة الاقتصاديّة جعلت رهطًا لا يُستهان به من الناخبين يعيشون خارج لبنان، وثانيًا انعدامُ الثقة بفعاليّة العمل البلديّ في ظلّ شُحّ الموارد. وهنا يراهن المرشَّحون على شبكةِ الاغتراب لتغطية عجزِ البلديّات، إذ يقيم أكثرُ من 120 ألفًا من أبناء القضاء في الولايات المتّحدة وكندا وأستراليا والبرازيل.
فتورٌ في الإقبال.. اشتعالٌ في الرمزيّة
منذ الصباح، بدت مراكزُ الاقتراع في البترون كأنّها تؤدّي واجبًا روتينيًّا: طوابير قصيرة، حضورٌ شبابيٌّ نادر، حضورٌ أمنيٌّ لافت، ولافتاتٌ انتخابيّةٌ خاليةٌ من الشعاراتِ الحزبيّة الصاخبة. وحدها أعلامُ البلديّات رفرفت على مبانٍ حجريّةٍ تُخفي وراءها لعبةَ تحالفاتٍ معقّدة: عائلاتٌ تعقد اتفاقًا صامتًا مع زعماء الأحزاب، وأحزابٌ تلوذ ببيوت الناخبين هربًا من صورةٍ شعبيّةٍ مثقوبة.
بلغت نسبةُ الاقتراع قبيل الإقفال نحو 49.7 % في قضاء البترون، مع التفاوت بين القرى والبلدات نفسها، وهي نسبةٌ تُعَدّ متدنّيةً تاريخيًّا؛ لكنّ القراءةَ السياسيّة تفترض أنّ العِبرة ليست في الكمّ بل في هويّةِ المقترعين وولائهم. فالأصواتُ الشبابيّة التي كانت تُراهن عليها اللوائحُ المستقلّة بدت شبهَ غائبة، ما صبَّ تلقائيًّا في مصلحة القوى الحزبيّةِ التقليديّة التي تُمسك بمفاتيح البلدات.
في المدينة نفسها حُصر الصراع بلائحتين متقابلتين: لائحة “كلّنا للبترون” برئاسة رئيس البلديّة الأبديّ مرسيلينو الحرك، تحالفٌ فسيفسائيٌّ نادر يضمّ “القوّات” و”التيّار” و”الكتائب” و”المردة” خلف رجلٍ واحد؛ ولائحة “للبترون وأهلها” الناقصة التي يقودها المحامي ميشال الدَّغْل رافعًا شعارَ الشفافيّة وكَسرَ الهيمنةِ التاريخيّة للحرك. هنا يصبح السؤال أبعدَ من خدمات الإنارة والمياه: هل يجوز لمدينةٍ ساحليّةٍ تتباهى بسحرها السياحيّ أن تُدار بمنطق “الإقطاع البلديّ” المستمرّ منذ ربع قرن، أم أنّ مقعدًا واحدًا معارضًا يكفي ليرسم خريطةَ توازناتٍ جديدة داخل “عاصمة الاحتفالات المسيحيّة”؟
جبران باسيل، نائبُ القضاء وصاحبُ الطموح الذي كُبحَ في السباق الرئاسيّ، وصل إلى قلمِ الاقتراع بوجهٍ حاول أن يبدو مرتاحًا. قال إنّ التيّار “يدعم العائلات حيث تلتقي المصالح”، ثم ابتسم للكاميرات أكثرَ ممّا ابتسم للناس. غيابه الصاخب عن الشارع تُرجم هدوءًا مريبًا في الماكينة البرتقاليّة: كأنّه قرّر اختبار قوّته الحقيقيّة من دون “بروباغاندا”، فترك أنصاره يحصون الأصوات بدلًا من رفع الرايات.
القوّات، بالمقابل، تعاملت مع الاستحقاق بحساسيّةِ مَن يعتبر أيَّ خرقٍ هزيمةً وجوديّة. ماكينةٌ بيضاء—بلون شعاراتها—جالت على البيوت، استحضرت المغتربين بالهاتف، ووعدت العجائز بخدماتِ نقلٍ مجّانيّة. مسؤولٌ حزبيّ صرّح: “في بتروننا لا نتسامح مع مغامرٍ يحلم بقطف مقعد”. الماكينة نفسها امتدّت إلى القرى الجرديّة والبلدات البحريّة، تحرس التحالفاتِ الموضعيّة وتراقب الحلفاء قبل الخصوم.
شكا: عائلة كفوري تحت المجهر
إذا كانت البترونُ المدينةَ تختبر “تعايشَ المتخاصمين”، فإنّ بلدةَ شكا تقدّم نموذج “المعركة فوق وتحت”. لائحة “كلّنا شكا” بقيادة إسكندر كفوري، نجلِ الرئيس الذي حكم 27 عامًا، تُجسّد امتدادَ نفوذٍ عائليٍّ ممزوجٍ بدعم “التيّار” و”المردة”. في مواجهتها تصطفّ لائحة “شكا بتستاهل” مدعومةً من “القوّات” و”الكتائب” ومسنودةً اقتصاديًّا بعائلتَي بطرس وعبود، معلنةً برنامجًا يقوم على المداورة الرئاسيّة والحوكمة الماليّة. هذه اللائحة الّتي تمكّنت من الخرق والحصول على فوزٍ كاملٍ بحسب الماكينة الانتخابية للقوّات اللّبنانيّة.
الاحتقانُ بلغ ذروته مع توقيف ثلاثةِ شبّانٍ بشبهةِ الرشى في محيط أحدِ أقلام الاقتراع، واتّهاماتٍ متبادلةٍ بشراء الأصوات واستقدامِ ناخبين مغتربين قبل ساعاتٍ من الصمت الانتخابيّ. افتتاح الملعب البلديّ عشيّةَ الاقتراع بدا كأنّه “استثمارٌ انتخابيّ” فجّر غضبَ الخصوم ودفعهم إلى الطعن باللائحة الحاكمة أمام محافظة الشمال. مع تلميحاتٍ بصراعٍ طائفيّ ضمني بين العائلات واللوائح، لم يتجلى بصخبٍ على أرض الواقع.
تنورين وحامات
في تنورين، مسقطِ رأسِ النائب السابق بطرس حرب، لم يكن ثمّة مجالٌ للمفاجآت؛ لائحة “تنورين قبل الكلّ” المدعومةُ من القوّات وحرب تبدو ثابتةَ الخطى نحو فوزٍ مريح، في مواجهة لائحةٍ شبابيّةٍ مستقلّةٍ تحت عنوان “تجمّع تنمية تنورين”. الجديد هنا أنّ التحالف رفع نسبةَ مشاركةِ النساء (أربعَ مرشّحات) وتعهد بميزانيّةٍ تشاركيّةٍ ودفترِ شروطٍ رقابيّ، في محاولةٍ لتطعيم الخطابِ الحزبيّ التقليديّ بروحٍ إصلاحيّةٍ تستعير أدبيّاتِ التيّارات المدنيّة.
أمّا في حامات، أُطلق على التنافس صفة “أمّ المعارك” لفرط تشعُّبه. لائحةٌ شبابيّة عابرة للأحزاب تتحدّى الحرس القديم المدعوم من المردة والتيار. في عبرين، معركةٌ على هوية المنطقة الصناعيّة: هل تتوسّع على حساب السياحة أم تُلجم باسم البيئة؟
ماذا بعد فرز الصناديق؟
لم تُعلَن النتائجُ النهائيّة بعد، لكنّ تسريباتِ الأقلامِ تُظهر تقدّمًا مريحًا للقوّات في معظم القرى، مقابل تراجعٍ واضحٍ للتيّار الوطنيّ الحرّ، بينما يكتفي “المردة” بجيوبٍ موضعيّةٍ تُؤمّن له بطاقةَ حضور. أمّا المستقلّون فسينتزعون—على الأرجح—نسبة ضئيلة من المقاعد، لكنّهم سيرفعون السقف الأخلاقيّ للخطاب، وهو ربحٌ لا يُقاس بالأصوات.
إذا صدقت التوقّعاتُ بفوز حرب في المدينة وأغلب اللوائحِ الحزبيّة في القرى الكبرى، ستكون القوّات اللبنانيّة الرابحَ الأكبر، إذ تُثبت مجدّدًا أنّها القوّةُ الأولى في الشمال المسيحيّ وتُؤمّن رأسَ جسرٍ ماليًّا وانتخابيًّا قبل استحقاق 2026 النيابيّ. “المردة” ستستعيد بعضَ المياه إلى الطاحونة، لكنّ التحدّي يبقى في تحويل المقاعدِ البلديّة إلى كتلةٍ صلبةٍ داخل اتّحاد القضاء. أمّا “التيّار الوطنيّ الحرّ” فيحتاج، بعد ظهوره الخجول، إلى قراءةٍ صريحةٍ لأرقام باسيل في “عقر داره”، خصوصًا أنّ التحالف مع “المردة” في بعض القرى لم يُترجَم شعبيًّا. وقد تبدو المعاركُ البلديّة “صغيرةً” في جغرافيا بحجم البترون، لكنّها في الواقع تحمل دلالاتٍ وطنيّةً كبرى. من نتائج هذه الصناديق ستُقرأ قدرةُ “القوّات” على حصدِ أكثريّةٍ صلبة، وستُقاس مرونةُ “المردة” في العودة، وسيُختبر ذكاءُ “التيّار الوطنيّ الحرّ” في إعادة إنتاج ذاته بعيدًا عن الزعامة الفرديّة، فيما يُراهن المستقلّون على شرخٍ أوّل يفتح الباب أمام جيلٍ سياسيٍّ جديد. مع تغيب الدولةُ المركزيّة المنهكة عن المشهد، تبقى البلديّات آخرَ حصونِ الخدمات الأساسيّة: مَن يمسك بمفاتيح القمامة والمياه والإنارة يمسك بناصيةِ حياةِ الناس اليوميّة.
بتول يزبك- المدن

