مشهد يصعب تصديقه وتحالفات على أنقاض الخطوط الحمر: “السلاح” و”السيادة” على لائحة واحدة

في لبنان، لا شيء يحدث بالمنطق، ولا شيء يستمر عليه. بلدٌ تُكسر فيه القواعد بانتظام، وتُبنى التحالفات على أنقاض الخطوط الحمر، ثم تُهدّ هذه التحالفات من جديد باسم “الثوابت”. في هذا البلد، ليس غريباً أن يتحول “العدو السياسي” إلى حليف انتخابي عند أول استحقاق محلي، ولا عجب أن نرى من اتُّهم بالخيانة والإرهاب والسلاح غير الشرعي والفشل، جالساً إلى جانب خصمه في لائحة انتخابية واحدة… بلدية.

الخصومة المطلقة والتوافق اللحظي
لطالما اعتاد اللبنانيون سماع مصطلحات ملتهبة تصدر عن قيادات الأحزاب السياسية: “عملاء”، “إرهابيون”، “فاسدون”، “ذميون”، “خارجون عن الدولة”، وغير ذلك من العبارات التي تُستخدم لتأجيج الشارع وشدّ العصب الطائفي والمذهبي. أحزاب تقاطع بعضها في الحوار، وترفض الجلوس تحت سقف واحد في السياسة الوطنية، لكنّها في الانتخابات البلدية تتوافق، تتحالف، وتشكّل لوائح موحدة، كما لو أن خطاب العداوة كان حلماً جماعياً انتهى عند حدود البلدية.

بلدتا الجية وجون في قضاء الشوف، تقدّمان نموذجاً فريداً من نوعه: لائحتان توافقيتان تضمان على نحو غير مسبوق “حزب الله” و”القوات اللبنانية”، إلى جانب “التيار الوطني الحر” وحركة “أمل”. خصوم الداخل، شركاء على الورق، في بلدية واحدة. مشهد يصعب تصديقه لمن يتابع الصراع الاعلامي والسياسي بين هذه القوى منذ سنوات.

التناقض البنيوي
هذه التركيبة الفريدة تعكس تناقضاً بنيوياً عميقاً في الحياة السياسية اللبنانية، حيث تسقط المبادئ عند مفترق المصالح. ففي حين أن البلد عاجز عن الاتفاق على استراتيجية دفاعية، أو خطة إصلاح اقتصادي، أو قانون انتخاب عادل، تراه قادراً على إنتاج لائحة بلدية تضم أطرافاً يتبادلون الاتهامات بالقتل والتخوين.

المفارقة ليست في قدرة هذه الأحزاب على الاتفاق – فهذا من صلب العمل السياسي – بل في ازدواجية معاييرها، حين تبرر التوافق على المستوى المحلي تحت عنوان “الإنماء والخدمات”، لكنها تستمر في تعميم الانقسام على المستوى الوطني. بمعنى آخر، ما لا يمكن تحقيقه على طاولة بعبدا، يمكن هندسته على طاولة مختار، فقط إذا توفرات الحاجة الانتخابية.

تبريرات متهاوية
عادةً ما يلجأ منظّرو الأحزاب إلى تفسير هذا النوع من التفاهمات تحت شعار أن “الإنماء لا يحتمل الصراع”، وأن “الحاجات البلدية تختلف عن القضايا الوطنية الكبرى”. ولكن أليس من المشروع أن نسأل: لماذا لا تُطبّق هذه الروح التوافقية على الدولة؟ لماذا لا تُعتمد المقاربة نفسها لإنتاج حكومة فاعلة، أو لتمرير إصلاحات تُنقذ الاقتصاد؟ وهل يُعقل أن يتفق الأعداء من أجل تعبيد طريق، بينما يرفضون الاتفاق على مستقبل وطن؟ (تجدر الاشارة إلى أن حكومة الرئيس نواف سلام لم تأتٍ بإرادة توافقية من القوى السياسية، بل تشكلت بإرادة خارجية كانت شبه مفروضة على هذه القوى).

ثمّة من يقول إن “الربح في البرلمان والوزارة أكبر”، حيث المال السياسي، الصفقات، والمحاصصة ذات الحجم الثقيل. أما في البلدية، فالمغانم محدودة، والمخاطر أقل. وهذه مقاربة واقعية، لكنها تكشف هشاشة أخلاقية أكثر مما تشرح واقعية سياسية.

الارتباطات الخارجية
جزء من الحقيقة أيضاً، أن القوى السياسية اللبنانية لا تمتلك وحدها قرارها الكامل. إذ تتقاطع مصالح الداخل مع إرادات الخارج، وتُبنى التحالفات الوطنية – أو تُمنع – بناءً على توازنات إقليمية ودولية. لذا، يبدو التوافق البلدي أكثر سهولة، لأنه لا يُهدد هذه التوازنات، ولا يثير غضب أي طرف خارجي.

ومع ذلك، فإن هذا التبرير لا يُسقط المسؤولية عن الأحزاب التي ما زالت تمارس خطاب التحريض وتغذي الاستقطاب في الاعلام، بينما تشارك خصومها في اقتسام السلطة المحلية. المواطن اللبناني، الذي يُطلب منه أن “يموت دفاعاً عن موقف سياسي”، يكتشف أن هذه المواقف ليست أكثر من أوراق قابلة للمقايضة عند صناديق الاقتراع.

فرصة أم فضيحة؟
أمام هذا الواقع، يمكن قراءة التحالفات البلدية بطريقتين:

– الأولى، أنها فرصة لاختبار جدية الأحزاب في تخفيف التوترات السياسية، وبداية لتقارب أوسع إذا ما تحولت إلى نهج دائم.

– الثانية، أنها فضيحة تُعرّي الطبقة السياسية وتُظهر كيف تُدار البلاد بمنطق المصلحة لا المبدأ، والتحالف لا القناعة.

الواقع ربما يجمع بين الاثنين. فهذه التوافقات، على ما فيها من مفارقات، تكشف أن الحوار ممكن، وأن تجاوز الخلافات ليس مستحيلاً. لكنها في الوقت نفسه تفضح نفاق الخطاب السياسي، وتدلّ على مدى استغلال الوجع الشعبي في خدمة أهداف محدودة الأفق.

بلدية اليوم.. بلد الغد؟
إذا كان بالإمكان الاتفاق على بلدية، فلماذا لا يمكن الاتفاق على بلد؟ هذا السؤال وحده كفيل بإحداث زلزال في العقل السياسي اللبناني، إذا ما تم التعامل معه بجدية. فالبلدية ليست مجرد دائرة خدمات، بل مرآة حقيقية لمدى نضوج العمل السياسي. وإذا ما نجحت الأحزاب في خلق تفاهمات محلية تحترم الناس، وتتجاوز الحسابات الطائفية، فإنها تكون قد خطت الخطوة الأولى نحو صناعة مشروع وطني جامع.

أما إذا بقيت هذه التحالفات مجرّد “تسويات انتخابية”، تُعقد تحت الطاولة وتُلغى فوقها، فإن لبنان سيبقى أسير ازدواجيته، يعيش في حالة تعايش هش، يتّسع فقط بين الانتخابات وينهار عند كل مفترق مصيري.

في النهاية، لا شيء يمنع قيام دولة قوية في لبنان سوى إرادة الطبقة الحاكمة. ومن يستطيع أن يتوافق على رئاسة بلدية، يستطيع أن يتوافق على إنقاذ بلد… إن شاء.

محمد شمس الدين- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة