اختبار “بلدي” للعهد… اسرائيل تنتشر جنوب سوريا

بينما ينشغل لبنان، اليوم، بانطلاق المرحلة الأولى من الانتخابات البلدية والاختيارية من محافظة جبل لبنان، تتوسّع إسرائيل على المقلب الآخر من الحدود في واحدة من أعنف عملياتها العسكرية داخل سوريا منذ سنوات. مشهدٌ مزدوج يعكس الفارق الفادح بين بلد غارق في همومه الادارية والمحلية، وآخر يرسم خرائط النفوذ بالنار والرسائل الميدانية.
في جبل لبنان، يفتتح العهد الجديد أول استحقاق انتخابي محلي في ظل رئاسة جوزاف عون وحكومة نواف سلام، في سباق يمتد على أربعة أسابيع، ويُعدّ اختباراً مبكراً لمصداقية السلطة في احترام المواعيد الدستورية بعد سنوات من التأجيل والتعطيل. أكثر من 9300 مرشح يتنافسون، والوزارة المعنية تُعلن الجاهزية اللوجيستية والأمنية، على الرغم من تحذير وزير الداخلية أحمد الحجار من غياب “الضمانات من العدو الاسرائيلي”، ما يعكس هشاشة البيئة الاقليمية المحيطة بالاستحقاق.
ولكن في حين ينهمك لبنان بصناديق الاقتراع وضبط الإشكالات الانتخابية، شنّ الجيش الاسرائيلي سلسلة غارات هي الأوسع نطاقاً منذ فترة طويلة على مواقع داخل الأراضي السورية، استهدفت منظومات دفاع جوي وبنية تحتية عسكرية، مع عمليات خاصة شملت إنزال مروحيات، توزيع مساعدات على الدروز في السويداء، وإجلاء جرحى إلى الداخل الاسرائيلي.
وأعلن الجيش الاسرائيلي أنه “انتشر في جنوب سوريا”، قائلاً إنه على استعداد لمنع دخول “قوات معادية” إلى المناطق الدرزية. العمليات التي وُصفت بـ”النوعية” لم تكن أمنية وحسب، بل سياسية الطابع، وجاءت على وقع تحركات درزية داخل إسرائيل تطالب بحماية إخوتهم في سوريا.
تقول تل أبيب إنّها ترسل رسالة واضحة الى الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، مفادها أن المساس بالطائفة الدرزية لن يُمرّ من دون رد، فيما يحذّر خبراء إسرائيليون من أن الغارات تهدف أيضاً إلى منع إعادة استخدام منظومات سلاح قديمة من عهد الأسد في أي سيناريو مستقبلي ضد إسرائيل. وبين هذه الرسائل، تلوح مخاطر الانزلاق إلى صراع أوسع، خصوصاً أن بعض المحللين يحذّر من تحوّل الدروز إلى ورقة صدام بين النظام الجديد وتل أبيب.
جنبلاط يدين
أكد الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، أن الاستهداف الاسرائيلي لسوريا “لا يساعد في الحل السياسي” الذي يعمل عليه مع الرئيس الشرع، في إشارة إلى المساعي التي يقوم بها لخفض التوتر الطائفي في سوريا عقب المواجهات التي حصلت في مناطق ذات غالبية درزية.
ودان جنبلاط في بيان السبت، “الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، وكانت آخرها الغارات التي استهدفت محيط العاصمة دمشق ومناطق أخرى ليل الجمعة – السبت”.
وإذ استنكر “هذا الانتهاك الفاضح لسيادة الدولة السورية، الذي لا يساعد في استكمال الحل السياسي الذي نعمل عليه مع الرئيس أحمد الشرع”، جدد دعوة الدول العربية والمجتمع الدولي الى “توفير كل الدعم لسوريا والوقوف إلى جانبها، لتتمكن من بناء دولتها الجديدة ومستقبلها وحماية أمن الوطن والمواطنين، والضغط على العدو الإسرائيلي لوقف تدخّله السافر وخرقه المتمادي جواً وبرّاً واحتلاله أجزاء من الأرض السورية”.
غارات وتحذير في جنوب لبنان
ميدانياً، واصلت الطائرات الاسرائيلية المسيرة عملياتها في جنوب لبنان، حيث نفذت سلسلة غارات واستهدافات في مناطق متفرقة، وسط تحليق مكثف في الأجواء.
فقد شنت مسيّرة إسرائيلية غارة استهدفت سيارة في بلدة قبريخا – قضاء مرجعيون، فيما نفذت غارة أخرى بين بلدتي مركبا وطلوسة، أعقبها إلقاء قنبلة صوتية على الموقع المستهدف نفسه، في محاولة واضحة لبث الرعب وإرباك المنطقة. كما أفيد عن استهداف سيارة في بلدة خرطوم – قضاء صيدا، من دون ورود معلومات فورية عن الإصابات.
وحلقت طائرة مسيّرة إسرائيلية معادية مزودة بمذياع فوق منطقة المجيدية وسهلها، ووجهت تهديدات مباشرة الى المزارعين، مطالبةً إياهم بعدم استخدام الدراجات النارية.
قاسم: الحزب يجري تقويماً
وسط هذه الأجواء، أعلن الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، أن الحزب يُجري تقويماً واسعاً يشمل المجالات الأمنية والعسكرية والسياسية والثقافية، بهدف مراجعة الأداء واستخلاص العِبر من التطورات الأخيرة.
وجدّد التأكيد أن المقاومة ستبقى مشروعاً تحررياً في مواجهة الاحتلال والتوطين والتطبيع، مشيراً إلى “الاستهداف المتواصل للمنطقة من طاغوت الاستكبار الأميركي وأداته الإجرامية، الكيان الاسرائيلي، الذي يسعى إلى توسيع الاحتلال، وتهجير السكان، وشراء الولاءات وتكريس التبعية”.
وعما إذا كانت المراجعة الجارية تشمل سياسات الحزب قبل معركتي “أولي البأس” و”إسناد غزة” وبعدهما، أوضح قاسم أن “التقويم واجب أخلاقي ووطني تجاه الشهداء والجرحى والمقاومين والجمهور، ويهدف إلى كشف مواضع الخلل وتحديد المسؤوليات، ومراجعة الخطط والسياسات والبرامج”، معتبراً أنه “لا يمكن الاستمرار بالوتيرة السابقة نفسها. التقويم يجب أن يكون شاملًا لبناء مرحلة جديدة، مع الحفاظ على ثوابت الحزب وفي مقدمتها المقاومة، فيما تبقى الوسائل قابلة للنقاش والتعديل وفق ما تقتضيه النتائج”.
الحجار يشرف على تسليم صناديق الاقتراع
بلدياً، أشرف وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار من غرفة العمليات المركزية الخاصة بالانتخابات البلدية والاختيارية في مبنى الوزارة على عملية تسليم صناديق الاقتراع استعداداً لإنطلاق العملية الانتخابية صباح اليوم، ثم انتقل الى سرايا بعبدا حيث تفقد عملية تسليم صناديق الاقتراع إلى رؤساء الأقلام والكتبة بحضور محافظ جبل لبنان القاضي محمد مكاوي. كما توجه الوزير الحجار إلى سرايا بيت الدين بعد ورود اتصالات هاتفية بوجود ازدحام خلال عملية تسليم صناديق الاقتراع إلى رؤساء الأقلام والكتبة وأعطى توجيهاته لتسريع وتيرة العمل بصورة فورية.
وفي حديث إذاعي، قال الحجار: “مع بداية العهد الجديد كان لا بد من توجيه الرسالة الأولى وهي احترام المواعيد الدستورية. لهذا انكببنا على التحضيرات لانجاز الاستحقاق البلدي والاختياري وأستطيع القول وأنا على ثقة الآن اننا جاهزون من خلال معاينتي من داخل الوزارة وميدانياً وسنكون على موعد مع عرس وطني غداً (اليوم)”.
وأوضح أن عدد الشكاوى الذي ورد قليل ومحدود “وسنلاحق أي شكوى ترد الى الغرفة”، مؤكداً أن “شفافية الانتخابات ونزاهتها تضمنهما القوانين وأنا مسؤول عن تنفيذها”. وجزم بأن “التوجيهات والتعليمات واضحة: الحياد ونزاهة الانتخابات وشفافية النتائج نشرف على تطبيقها ونعمل بالصور الظاهرة والمستترة لكشف أي عمليات رشاوى”.
لبنان الكبير



