بعد الانهيار الكبير لـ “حلقة النار” التي بنتها ايران: قلق إسرائيلي من اتفاق نووي بين واشنطن وطهران

لم يكن صادماً بصورة كبيرة لتل أبيب تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمجلة “تايم” بأنه لن ينجر إلى حرب مع إيران، رغماً عنه، فقط بسبب أن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يقدم على عمل عسكري ضدها، معرباً عن انفتاحه على لقاء المرشد الايراني علي خامنئي أو الرئيس مسعود بزشكيان.

وباتت إسرائيل ترجح أن ترامب، على الرغم من تهديداته لإيران ومرشدها، وحشد قوة عسكرية أميركية في المنطقة، لن يتجه لاحقاً إلى عمل عسكري ضدها، فالتصعيد في منطقة الشرق الأوسط، يتعارض والمصلحة الأميركية. وترامب نفسه يرى في الحروب أمراً تبذيرياً، وسبق أن أعلن أنه يريد انهاء الحروب لا أن يبدأها .

وليس من نافل القول إن ترامب في ولايته السابقة، أقال الصقرين المتشددين اللذين جلسا على كتفيه، مستشار الأمن القومي جون بولتون، الذي حرّض على عملية عسكرية ضد إيران، ووزير الخارجية مايك بومبيو، الذي صاغ الشروط الـ12 التي يجب على إيران تنفيذها في أي اتفاق سيتم التوقيع عليه معها. كان الاثنان أيضاً الركيزة الثابتة لنتنياهو عندما بذل جهداً لا ينقطع لإقناع ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي.

وتسود قناعة في دوائر الأمن والسياسة في تل أبيب، بأن اسرائيل إذا لم تعمل خلال أشهر معدودة من أجل تدمير البرنامج النووي الايراني، وبمساعدة أميركية عملاتية كبيرة، فإنها ستهدر “فرصة تاريخية”، صنعتها التغيرات الهائلة في الاقليم بعد ارتدادات زلزال 7 أكتوبر، أو ما تسمّيه تل أبيب إنجازات “حرب السيوف الحديدية”، خصوصاً الهجوم الكاسح الذي شنته إسرائيل على مواقع “حزب الله”، وتصفية حسن نصر الله والقيادات العسكرية العليا للحزب، أو ما تسمّيه تل أبيب بالانهيار الكبير لـ “حلقة النار” التي بنتها طهران بجهد كبير، إلى جانب الضربة الكبيرة التي نفذتها إسرائيل على مواقع إيرانية .

وترجح تل أبيب احتمالين للمفاوضات النووية التي بدأت في مسقط : الاحتمال الأول وأحد الآمال الاسرائيلية، هو أن تصل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى طريق مسدود، ويكون هناك خيار عسكري ذو مصداقية على الطاولة، ويؤدي ذلك إلى عملية عسكرية أميركية – إسرائيلية ضد إيران، وبعدها ستكون الأخيرة “أكثر ليونة وانفتاحاً” على قبول المطالب الأميركية – الاسرائيلية بشأن نزع سلاحها النووي والصاروخي، واستئناف المفاوضات بشكل يسمح بالتوصل إلى نتائج تكون مقبولة لإسرائيل. ففي جهاز الأمن والسياسة يسود اجماع على أنه محظور الاكتفاء بأقل من التدمير التام للقدرات النووية الايرانية، بمعنى: تفكيك منشآت التخصيب وأجهزة الطرد المركزي، والتدمير التام لمفاعل المياه الثقيلة، وإخراج كل اليورانيوم المخصب الذي جمعته ايران الى دولة ثالثة. إضافة الى ذلك تطلب إسرائيل كشف وهدم منشآت تطوير السلاح النووي نفسه وانتاجه، بما في ذلك الرؤوس المتفجرة النووية للصواريخ، وأن يجري هذا على أيدي الأميركيين وباشرافهم، بشكل لا تتمكن فيه ايران من إعادة ترميم البرنامج النووي العسكري لديها ومنظومات انتاج الصواريخ الباليستية والصواريخ الجوالة وتطويرها.

والاحتمال الثاني الذي تتخوف إسرائيل منه جداً، هو أن يتجه ترامب إلى اتفاق مرحلي مع إيران، وأن يفضّل تسوية مؤقتة على المواجهة معها. والتقييم السائد في إسرائيل بعد جولات المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، هو أن واشنطن تخلت عن مطالب تفكيك البرنامج النووي أو صفر تخصيب.

كما أن هناك أيضاً تخوفاً مركزياً، من أن يحاول الايرانيون كسب الوقت في المحادثات مع الولايات المتحدة، وهو ما يمكن أن يدفع ترامب إلى فقدان الصبر في المفاوضات وتوقيع اتفاق.

المحلل الاسرائيلي يوسي يهوشع، يقول إنه لا يزال يصعب الاستنتاج إلى أين تسعى الولايات المتحدة للوصول في المفاوضات مع طهران. فالادارة الأميركية تحدثت حتى الآن بعدد من الأصوات، بحيث أوضح مبعوث ترامب للمفاوضات ستيف ويتكوف أن الرئيس يعمل على التوصل إلى آلية رقابة ناجعة للبرنامج النووي، وأن “هناك مكاناً للتنازلات” إزاء إيران، مضيفاً: “أعتقد أن الموقف الأولي هو تفكيك البرنامج النووي، لكن هذا لا يعني بالضرورة أننا غير جاهزين لتقديم تنازلات. الخط الأحمر الخاص بنا هو أنه لن نقبل بوجود برنامج نووي عسكري”.

في حين أن مايك والتز، مستشار الأمن القومي، قال إنه يجب تفكيك المشروع النووي بصورة كاملة ومنظومة الصواريخ الباليستية، أما ترامب نفسه فقد حافظ حتى الآن على الغموض، كما يبدو في انتظار أن يعرف ما هي حدود الاتفاق المحتملة مع طهران من أجل رسم الهدف الذي يمكن أن يحدد له ما هو النجاح.

وإذا حكمنا على الأمور حسب سلوك ترامب، الذي عيّن بالذات ويتكوف لإجراء المفاوضات وليس والتز، فيمكن التقدير بأن الشروط الأساسية في أي اتفاق ستكون مقلصة أكثر، وأن الرئيس ترامب يعطي المسار الديبلوماسي الأفضلية على المسار العسكري .

وفي هذا السياق، أفادت “نيويورك تايمز”، على لسان مسؤولين كبار في الادارة بأن إسرائيل “بمشاركة كاملة مع الولايات المتحدة خططت لهجوم على المنشآت النووية في ايران، لكن الرئيس ترامب استخدم الفيتو على العملية لصالح القناة الديبلوماسية”. وحسب التقرير، قام نتنياهو، الذي كان في هنغاريا، بالاتصال بترامب في محاولة لارجاعه عن قراره، لكن الرئيس الأميركي أبلغه، أنه غير معني بأن يبحث في ذلك هاتفياً ودعاه الى البيت الأبيض.

الا أن نتنياهو خرج من لقائه مع ترامب بيدين فارغتين. فليست الخطة العسكرية فقط بقيت حالياً على الورق، بل لم يحصل منه على قول صريح عن التزامه بتصفية البرنامج النووي الايراني.

لكن على كل حال، تراهن تل أبيب على حدوث انفجار في المحادثات خلال أسابيع قليلة، عندما يطرح الأميركيون مطالبهم كاملة.

لبنان الكبير

مقالات ذات صلة