انتخابات قد تنتهي قبل أن تبدأ…البيارتة غاضبون: هل يكون الردّ السنّي بالمقاطعة؟

تسير الجلسة التشريعية اليوم في مجلس النواب على المحك، بين ألغام “غضب البيارتة” على اللوائح المقفلة ومحاصرة الصوت السنّي. تلويح بالمقاطعة، والطعن جاهز بانتخابات قد تنتهي قبل أن تبدأ. فـ”المشكل الطائفي” لبيروت اللاطائفية، التي اعتادت المناصفة بين المسلمين والمسيحين منذ انتخابات الـ1998، قد يشكل مدماكاً أساسياً في رافعة تأجيل انتخابات بيروت، تحت ذرائع تقنية.
الخلاف الثاني، سنّي – سنّي ويبدو أشد حساسية. أدركه النائب فؤاد مخزومي مسبقاً، قبل ساعات من انعقاد الجلسة التشريعية، فبرر سبب توقعيه على اقتراح القانون “قواتي الطابع” الرامي إلى اعتماد اللوائح المقفلة، خلافاً للرغبة السنية، كما وضع شروطاً تحذيرية وإلاّ “يسحب التوقيع”، تجنباً لمواجهة اليوم في البرلمان أمام بقية النواب المعترضين على “لوائح سجن الناخب البيروتي” كما وصفها البعض. مخزومي بطريقته ردّ على الانتقاد وكتب عبر حسابه على “إكس”: “القرار بسحب توقيعي على اقتراح تعديل قانون البلديات متخذ، في حال حصول أي تلاعب بالتعديلات المقترحة، بما يتيح للمجلس البلدي مجتمعاً ممارسة صلاحياته بموجب القانون وتنفيذ مهامه من دون قيود. إنه شرط لازم والتحايل عليه مرفوض، كما أن أي محاولة تجزئة لاقتراح التعديل بهدف تمرير المناصفة من دون تعديل صلاحية المحافظ، تعني سحب توقيعي فوراً”.
خطوة مخزومي هذه سبقه إليها عضو “اللقاء الديمقراطي” فيصل الصايغ، من دون شروط، الذي أعلن سحب توقعيه من اقتراح القانون المعجل المكرر المتعلق بتعديل قانون الانتخاب لبلدية بيروت. الصايغ أشار إلى أن اقتراح القانون المعجّل أتى متوازنًا وبمادة وحيدة، لكنه أبدى اعتراضه على رغبة بعض النواب في تمرير مادة المناصفة فقط وتأجيل البتّ في مادة الصلاحيات إلى اللجان.
وأكد عبر “إكس” أنّه “تجنّبًا لأي مفاجآت، قررت سحب توقيعي من الاقتراح، مع انفتاحي على النقاش البنّاء خلال جلسة الغد، بهدف التوصل إلى تعديلات عادلة تضمن حقوق جميع مكوّنات العاصمة”.
تأجيل الانتخابات؟
على جدول أعمال الجلسة التشريعية، خمسة اقتراحات قوانين متعلقة بالانتخابات البلدية. السيناريوهات عدّة، إمّا الموافقة أو الرفض أو إجراء تعديلات معينة على عدد من المواد ضمن المقترحات. هذا في الشكل أمّا في المضمون، فإقرار اللوائح المقفلة يستلزم وقتاً لتنفيذه، وهو محور نقاش في وزارة الداخلية والبلديات، بحسب مصادر “المدن” التي تفيد بصعوبة تنفيذ الاجراءات التقنية قبيل الموعد المقرر لانتخابات بلدية بيروت، من ناحية تسجيل المرشحين بشكل منفرد أو تسجيل اللوائح، ووفق أي نموذج سيتم اعتماد اللوائح، وتمرين رؤساء الأقسام، وغيرها من الأمور اللوجستية، التي قد تقف عائقاً أمام اتمام الاستحقاق في موعده.
كما أن الحديث عن التأجيل في بيروت يفتح باب الجدال واسعاً أمام غيرها من المحافظات، وهو ما لا يحمله أي من الفرقاء السياسيين، الذين أكدوا حتمية اجراء الانتخابات في موعدها.
غضب في بيروت
في كواليس اللقاءات البيروتية، يمكن اختصار المشهد بسرديات عدة. في احد الاجتماعات رُميت فرضية “النزلة على الشارع” كتعبير رمزي ديمقراطي لرفض اللوائح المقفلة، تزامناً مع جلسة مجلس النواب. لم تلق القبول الكافي، في حين كان التوجه الأكبر لمقاطعة الانتخابات في حال إقرار القانون في المجلس، إضافة إلى الطعن به. وتعبيراً عن الرفض، علت أصوات سنية بيروتية اعتراضاً على أي محاولة لتهميش الناخب البيروتي، وهو ما تُرجم ببيانات صادرة عن جمعيات عدة واتحاد جمعيات العائلات البيروتية، اضافة إلى بيان صادر عن رئيس جمعيتي “بيروت للتنمية” و”إمكان” أحمد هاشمية، المحسوب على “تيار المستقبل” الغائب عن اللعبة السياسية، والذي دعا فيه أهل بيروت “إلى وقفة عزّ دفاعاً عن كرامة بيروت، منعاً لكل محاولات العبث بها”، وخصوصاً بما يتعلق بصلاحيات المجلس البلدي وسلطته.
تقول مصادر بيروتية لـ”المدن” إنّه “مش من عاداتنا الأرض”. الخيار مستبعد، ولا يحاول أحد أن يجر المدينة وأهلها إلى دهاليز الطائفية، “فهذا إرث الشهيد الرئيس رفيق الحريري، الذي طالما نادى بالمناصفة”. تعتبر المصادر أن الأزمة الأساسية في قانون البلديات الذي يفرّق بين بلدية بيروت وغيرها من المحافظات، مما يؤدي إلى عدم التوازن وكسر المجلس البلدي، “فلماذا يراد التصويب على مسألة الحضور المسيحي فقط”. وإذ تتخوف المصادر من أن تنتهي الانتخابات قبل أن تبدأ حتى، فإنّها تؤكد أنّ الشارع السني “غاضب من النائب فؤاد مخزومي” الذي شارك في محاصرة الصوت السنّي ويجبره على الاختيار مانعاً عنه حرية التصويت بديمقراطية، على الرغم من أن الاخير برر مشاركته في التوقيع على مشروع القانون، معلناً احتمالية سحب التوقيع في حال حصول أي تعديلات أو التحايل على القانون.
بدر: ثمة من يريد تقسيم العاصمة
يتفق مع ذلك النائب نبيل بدر، الذي يشير إلى أن مخزومي لا يمثل السواد الأعظم من البيارتة، وتوقيعه على مشروع القانون “شخصي، وهو يصوت بعكس رغبة من انتخبه”. في حديثه لـ”المدن” يذهب بدر إلى أبعد من مجرد خلاف في الأفكار. يتخوف من مشروع يسعى إلى تقسيم العاصمة، لهذا فإنّ الطعن بقانون اللوائح المقفلة في حال إقراره اليوم في مجلس النواب جاهز ليتقدّم به أمام المجلس الدستوري إضافة إلى عدد من النواب الاخرين. يتحدث بدر عما يسميه “حالات” في المجلس النيابي: “حالة سيادية، وحالة تسمي نفسها محور مقاومة، وحالة وسطية”، واليوم زادت واحدة، إذ يشير بدر إلى ما يعتبره “حالة شيعية تتقارب مع الموارنة من باب المصلحة الخاصة”، وهو ما تسعى إليه في انتخابات العاصمة لتقويض الصوت السنّي.
بدر يعتبر أن ما يمثل العاصمة اليوم “الارادة الشعبية فقط”، ورداً على التخوف المسيحي من مجلس بلدي بلا الحضور المسيحي والمحافظة على المناصفة، يقول “هل يريدون أن نستيقظ كل يوم في الصباح الباكر ونكرر دعاء المناصفة ليتأكدوا أنّ أحداً لا يريد أن يلغي هذا الحق. ونقول لهم بالممارسة والتجربة عبر السنوات، كانت المناصفة محفوظة، فما الهدف اليوم من إثارة هذا التخوف، فهل يريدون تقسيم العاصمة؟”.
يؤكد بدر أنّ الطعن جاهز “المشاريع المقدمة أمام المجلس النيابي مخالفة للمواد الأساسية في الدستور”، وحتماً “المجلس الدستوري سيبت بالطعن، وتُقام الانتخابات على أساس القانون القديم”، لذا فـ”النزلة على الأرض مش محرزة”، بحسب بدر الذي يشير إلى أنّ هذا التوجه طُرح عليه ورفضه، “لا يوجد أحد بامكانه تحريك الشارع البيروتي اليوم باستثنائي، وأنا رافض لهذا الخيار وسنسير بالاقتراحات القانونية والدستورية”.
سنو: مقاطعة الانتخابات
من جهته، يبدو قرار مقاطعة الانتخابات الخيار الأوحد بالنسبة إلى رئيس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت الدكتور فيصل سنو، في حال تم اقرار قانون اللوائح المقفلة. يؤكد ذلك في حديث لـ”المدن”، مشيراً إلى أنّ “المناصفة تؤمن بالقانون وليس بالمزايدات السياسية”، وفي حال دُفن مشروع قانون اللوائح المقفلة “فنحن مع التوافق والعمل المشترك”.
اعتراض سنو يتخطى اللوائح لما يتعلق بصلاحيات المحافظ، بل أبعد من ذلك، يتحدث عن مصالح البعض للاستفادة مالياً من بلدية بيروت، ويقول “البلدية عدّلت الرسوم، لذا يريد البعض من خلال تقويض صلاحيات المجلس وحصره، الاستئثار بأموال البلدية”. يلمح سنو إلى أن التعديلات المثارة تتخطى الشعارات الرنانة للمناصفة والتمثيل المتوازن، فهي في الحقيقة، توافق على مصالح ضيقة واعتبارات سياسية وتحالفات “هذه بلدية أي مركز خدماتي وليس سياسي”، كما يقول، رافضاً الدخول في سجل الأسماء والمرشحين الذين تزكيهم المقاصد “نحن جمعية ونزكي حسب القانون”. ورداً على سؤال حول تدخل الرئيس فؤاد السنيورة بالأسماء والمرشحين يجيب “شو خص السنيورة، يروح يحكي بصيدا”.
بالعودة إلى المصادر البيروتية، تؤكدّ أن ما يدور في كواليس الاجتماعات يتطرق حتماً إلى أسماء ومرشحين، غير أنّ لا شيء واضح بعد ولا اتفاق بانتظار ما ستؤول إليه النقاشات في المجلس النيابي اليوم. وبحسب المصادر “نحن على مسافة واحدة من الجميع، سواء جاء زيد أم ذهب عمر. يهمنا الفكرة وليس الأشخاص، أي تهمنا المشاريع”. وتؤكد أن “الهدف غير طائفي بل إنمائي بحت، وتجسيد لرغبة أهل بيروت، وإلا فلتلغى الانتخابات، ولتتم بالتعيينات”.
على الرغم من كل ما سبق ووجهات النظر التي تحاول التأكيد على روح الوحدة ومصلحة بيروت أولاً وأخيراً، إلا أنّ النقاش يأخذ المنحى الطائفي، وهو ما سنشهده اليوم أيضاً في المجلس النيابي، قبل أسابيع قليلة على موعد الاستحقاق. منحى يذهب نحو التأجيج، ما يجعل فرضية التأجيل واردة، كي لا نكون أمام بيروت التي لا تشبه الواجهة التي يريدها الجميع.
المدن



