مجزرة الصحافيين في غزة غير مسبوقة في أي من الحروب… اغتيالات متعمدة وشهادات في الصمود

مع تحوّل الهجوم الإسرائيلي على غزة إلى أكثر النزاعات دمويةً بحق الصحافيين في التاريخ الحديث، يواصل الجيش الإسرائيلي مزاعمه بأنه لا يستهدفهم عمداً آخر فصول هذا المسلسل الدموي كان الاستهداف المباشر لخيمة صحافيين في محيط مستشفى ناصر في خان يونس، مما أدى إلى استشهاد الصحافيين حلمي الفقعاوي ويوسف الخزندار، إضافةً إلى إصابة كلّ من حسن إصليح، أحمد الآغا، محمد فايق، عبد الله العطار، ‏إيهاب البرديني، ومحمود عوض.

يواصل عدّاد الموت صعوده، بينما يُلاحق القتل والتنكيل والإقامة الجبرية الصحافيين الفلسطينيين، الذين يواجهون الإجرام بالصوت والصورة بأجساد منهكة ودموع لا تجفتحاول إسرائيل التعتيم على جرائمها. وما نعرفه ونشاهده ليس سوى صورة مصغّرة عن الجرائم الإنسانية التي ترتكبها بحق الغزاويين منذ أكثر من سنة ونصف السنة. قد تبدو الصورة قاتمة وغير واضحة، مع تباين في المواقف وعدم الاعتراف بالحقيقة، في ظلّ الإفلات من العقاب واستمرار الإبادة.

لكن جامعة براون كسرت الصمت بترجمة الأفعال الوحشية إلى أرقام ملموسة، حيث كشف بحث جديد لها عن حجم المأساة التي أصابت القطاع الصحافي منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

وأظهر البحث أن الحرب الإسرائيلية أدّت مقتل عدد من الصحافيين يفوق عدد الذين سقطوا في الحرب الأهلية الأميركية، والحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الكورية، وحرب فيتنام (بما في ذلك كمبوديا ولاوس)، وحروب يوغوسلافيا في التسعينيات وبداية الألفية، والحرب في أفغانستان بعد 11 أيلول/ سبتمبر، مجتمعين.

“إذا كنت تقرأ هذا، فهذا يعني أنني قُتلت”

في رسالته الأخيرة التي كتبها الصحافي الفلسطيني حسام شبات قبل أن تقتله إسرائيل في غارة قرب بلدة بيت لاهيا في شمالي القطاع، قال “خاطرت بكل شيء لنقل الحقيقة”.

انضم شبات، الذي يعمل لصالح قناة الجزيزة في غزة، إلى قافلة الشهداء الصحافيين الذين قتلتهم إسرائيل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. كان حسام، مثل بقية الصحافيين، يدرك إجرام إسرائيل، فقد كتب في 14 كانون الثاني على صفحته “لم أتصور أنني سأخرج من هذه الحرب على قيد الحياة”. لم يكن يعلم أنه لن يبقى معنا طويلاً، وإن إسرائيل ستقتله كما قتلت عشرات الصحافيين قبله.

في كلماته الأخيرة التي نُشرت على صفحاته الخاصة بعد استشهاده، كان يدرك أن الموت قريبٌ منه، إذ استهل رسالته بهذه الكلمات “إذا كنت تقرأ هذا، فهذا يعني أنني قُتلت – على الأرجح مستهدَفاً – على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي”.

فعلتها إسرائيل مرة جديدة، وبرّرت فعلتها مدّعيةً أن “صحافي الجزيرة الذي “تمت تصفيته” في غزة -في إشارة إلى شبات- كان “قناصاً إرهابياً، يقاتل في صفوف حماس”.

تتصاعد التهديدات ضد الصحافيين في مناطق النزاع على مستوى العالم. وفي تقريرها السنوي الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، بمناسبة اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين، سجّلت المنظمة ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد الصحافيين الذين فقدوا حياتهم أثناء تأدية واجبهم الإعلامي في السنوات الأخيرة.

وأظهرت الإحصائيات أنه يتم قتل صحافي واحد كل أربعة أيام على مستوى العالم خلال عام 2023. ونتيجة لهذه الأرقام المقلقة، شدّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس على أن “عدد الصحافيين الذين قتلوا في غزة وصل إلى مستوى غير مسبوق”.

من جهتها، وثقت لجنة حماية الصحافيين (CPJ) مقتل ما لا يقلّ عن 103 صحافيين وعاملين في المجال الإعلامي الفلسطيني خلال الحرب في غزة، في حين تشير مصادر أخرى إلى أن العدد قد يكون أعلى من ذلك.

وفقاً لورقة البحث التي نشرتها جامعة براون، وجدت الحكومات الوطنية والجماعات الإرهابية، من إسرائيل ونظام الأسد في سوريا والولايات المتحدة، إلى تنظيم “الدولة الإسلامية”، منذ مطلع الألفية، طرقاً متعددة لتقييد تغطية النزاعات، سواء عبر سياسات قمعية أو هجمات مسلحة مباشرة. جميعها تورطت في قتل الصحافيين، وساهمت في ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، مما حوّل مناطق النزاع مثل سوريا وغزة “مقابر للأخبار”.

من جهتها، لا تٌخفي اليونيسكو، في تصريحاتها، هذا المناخ السائد (القتل والتهديد واستهداف مكان بعض المحطات ووسائل الإعلام والتوقيف الجبري…)، الذي يؤدّي إلى ظهور ما تُسمّيه “بقع الصمت” في مناطق النزاعات، مما يعوق الوصول إلى المعلومات ونقلها إلى العالم.

مقتل الصحافية سلام ميمة مع زوجها وأولادها

في تشرين الأول 2023، كانت عائلة ميمة على موعد مع الإجرام الإسرائيلي الوحشي. شهد مخيم جباليا في شمال شرقي غزة فصلًا جديدًا من الموت والغدر، عندما قصفت إسرائيل، عند الساعة الثانية فجرًا، منزل الصحافية سلام ميمة، مما أدّى إلى استشهادها مع زوجها وأطفالها الثلاثة.

تستعيد شقيقتها حنين المأساة التي ما زالت تخيّم على العائلة المفجوعة. تعترف في حديثها لـ”النهار” بأن “خبر استشهادها كان صدمة كبيرة لم نستوعبها بعد، ولا أتمنى لأحد أن يعيش هذا الوجع الذي نشعر به. عندما تلقينا الخبر صباحاً، لم نكن مهيّئين لسماعه، ولم نستطع تقبّله. كان وقع وفاتها علينا مفجعاً وقاسياً، خصوصاً أن سلام وعائلتها كانوا معنا طوال الوقت”.

ولا تُخفي حنين أنه كلما استشهد صحافيّ أو صحافية فلسطينية في غزة، يعود الألم نفسه، كأن الجرح ينفتح من جديد. “الموضوع صعب جداً ويصعب تحمُله”، على قولها.

تُدرك حنين أن ما ترتكبه إسرائيل بحق الصحافيين في غزة ليس مجرّد استهداف عشوائي، بل سياسة ممنهجة لإسكات الحقيقة. وتؤكّد في حديثها أن “إسرائيل تتعمد قتل كلّ الشاهدين على المجازر والجرائم الوحشية، والتخلّص من الذين يمثلون مرآة غزة، أولئك الذين يعكسون للعالم الفظائع التي يرتكبها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني”، وهذا ما يجعلها تطالب مراراً بإجراء “التحقيق الفوري في جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحافيين الفلسطينين وعدم السكوت عنها ومحاسبة الجناة”.

النهار

مقالات ذات صلة