بعد “مرجلة” قاسم وصفا… كأن “الحزب” يستدرج عدواناً جديداً؟

بين خطاب وفيق صفا صباحاً، وكلمة نعيم قاسم مساءً، بدا المشهد وكأن “حزب الله” ينقل البلاد من ضفّة النقاش السياسي إلى حافة الهاوية. في يومٍ واحد، أعلن الحزب إقفال أي باب داخلي لمناقشة سلاحه، ورفع منسوب التهديد والوعيد، موجّهاً رسائل بالنار والدم إلى الداخل اللبناني قبل الخارج. وإذا كان هذا الخطاب جزءاً من محاولة فرض وقائع، فهو أيضاً يعكس ما هو أخطر: أن الحزب يستشعر شيئاً ما على الجبهة، أو ربما يهيّئ الأرضية لعدوانٍ جديدٍ، يستدرجه أو يتماهى معه، في لحظة فائقة الحساسية لبنانياً وإقليمياً.

خرج صفا ليؤكد ما بات معلوماً: لا شيء اسمه “نزع سلاح”، ومن يطرح هذا العنوان، فهو “محرض وفاسد”، في منطق تخويني سافر لا يكتفي بنفي الآخر، بل يشهر في وجهه سيف الحسم الأخلاقي والسياسي. أما منطق الدولة، فأُحيل إلى عبارة “فلْيُسلّحوا الجيش أولاً”، كأن مهمة السلاح مقاومة الاحتلال لم تعد من صلب مؤسسات الدولة، بل صارت منّة حزب على وطن عاجز.

وفي المساء، جاء الشيخ نعيم قاسم ليصعّد أكثر: “لن نسمح لأحد أن ينزع سلاح المقاومة”، “من يظن أننا ضعفاء فهو واهم”، “لن نصبر على إسرائيل طويلاً”، “سترون في الوقت المناسب”، وصولاً إلى اعتبار مناقشة الاستراتيجية الدفاعية مرهونة بـ”انسحاب إسرائيل أولاً”، و”وقف اعتداءاتها”، وإلا فلا نقاش ولا تداول.

إنه خطاب القوة المنفصلة عن الدولة، والسلاح المعلَّق فوق الشرعية، في وقتٍ يجهد فيه رئيس الجمهورية جوزاف عون، لإبقاء السفينة على قيد الطفو. بعبدا التي تتحدث عن سياسة النأي، والتماسك، وإعادة تكوين المؤسسات، تواجه في المقابل ماكينة حزبية تتحدث بلغة المواجهة والتحدي والانفصال عن الواقع. رئيس يطلب النجاة لبلد، وحزب يفرض عليه مساراً انتحارياً، وسط اختلال خطير في موازين القوة العسكرية والتكنولوجية مع إسرائيل، حيث تُغتال القيادات، وتُدمّر البنى، ويدفع اللبنانيون الثمن، من دون نقاش، ومن دون حتى حقّ السؤال.

الخطير في كلام قاسم، ليس مضامينه وحسب، بل توقيته. فالحزب يُطلق هذا الكمّ من “المرجلة الكلامية” في ذروة التصعيد، بعد غارات إسرائيلية دقيقة وصلت إلى قلب الجنوب وصيدا، واستهدفت قادة تقنيين وعسكريين في “الحزب”، من دون أن يردّ الحزب بصورة موازية، بل يُمعن في رفع السقف كلامياً. فهل نحن أمام محاولة تعويض نفسي أم تمهيد فعلي لردّ محسوب يستدرج جولة جديدة من النار؟

الأخطر أن الحزب لم يقدّم في كل خطابه الأخير سوى سردية واحدة: إسرائيل هي العدو، ومن يطالب بمناقشة سلاح المقاومة يخدم مشروعها. بهذا المنطق، لا تعود الدولة مرجعية، بل خصم مشبوه. ولا يبقى من الدستور إلا الحبر، إذ لا “استراتيجية دفاعية” تُناقش، ولا “جيشَ” يُعوّل عليه، ولا “رئاسة جمهورية” تُحترم. إنها سردية السلاح فوق الوطن، والوطن أسير قرار عقائدي إقليمي لا يعترف إلا بمنطق “المواجهة”، ولو على أنقاض وطن.

في المقابل، يصرّ الرئيس عون على خطاب سيادي متوازن، يحاول فيه بناء الحدّ الأدنى من مناعة لبنانية، في وقتٍ تتكالب فيه التهديدات والانهيارات. لكن بين خطاب الدولة وخطاب الحزب، لا تبدو المسافة قصيرة. فالرئاسة تسعى إلى إخراج لبنان من الحفرة، بينما الحزب يبدو وكأنه يدفع البلد دفعاً إلى مواجهة جديدة، تحت عنوان “الردع”، ولكن في واقع يفتقر الى أدنى شروط التوازن، لا عسكرياً، ولا ديبلوماسياً ولا اقتصادياً.

إذاً، السؤال لم يعد ما إذا كان “حزب الله” مستعداً لمناقشة سلاحه. بل السؤال الحقيقي هو: هل يستدرج الحزب، بمرحلته الجديدة من الخطاب، عدواناً جديداً؟ وهل يكون التصعيد المتدرج، وشيطنة النقاش الداخلي، وإقفال كل أبواب الحوار، هو الفصل التمهيدي لحرب لا تُبقي ولا تذر؟

تأتي “المرجلة” المستجدة لـ “الحزب” توازياً مع الجولة الثانية من المفاوضات الأميركية – الايرانية، اليوم السبت، ما قد يُفسر أنها رسالة من طهران إلى واشنطن، قد تُصرف على طاولة النقاش في روما، مفادها: تحترق بيروت من أجل مصلحة المرشد الأعلى الفارسي.

اغتيال جديد في الجنوب
في هذه الأثناء، لا تتوقف الاغتيالات الاسرائيلية، بحيث استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة على طريق صيدا – الغازية، أدت الى مقتل شخص، ما يرفع عدد القتلى خلال الأسبوع الأخير إلى 6.

وقال الجيش الاسرائيلي إن “طائرة تابعة لسلاح الجو هاجمت، من خلال أنواع الذخيرة الدقيقة، سيارة في منطقة صيدا، وقضت على الإرهابي المدعو محمد جعفر منح أسعد عبد الله، أحد عناصر (حزب الله)”. وكتب المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي أفيخاي أدرعي، على حسابه عبر منصة “إكس”: “لقد تورط الإرهابي في أنشطة إرهابية ضد دولة إسرائيل، وكان مسؤولاً عن نشر أجهزة اتصالات تابعة لـ(حزب الله) في منطقة لبنان، وفي منطقة جنوب الليطاني على وجه الخصوص”، وعدّ أنشطته، في الفترة الأخيرة، “تُشكّل خرقاً للتفاهمات بين إسرائيل ولبنان، وتهديداً على دولة إسرائيل ومواطنيها”.

أتى ذلك في وقتٍ يستمر فيه استهداف القصف الاسرائيلي للمنازل الجاهزة في الجنوب، حيث استهدفت مُسيّرة مجدداً غرفاً جاهزة في محيبيب، كانت قد استهدفتها، ليل الخميس، كما تشهد أجواء الجنوب عموماً تحليقاً مكثفاً للطيران الحربي على علو منخفض.

أميركا: وقف النار نهاية “حزب الله”
في سياق متصل، أكّد مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط، مسعد بولس، في مقابلة مع قناة “العربية”، أن الولايات المتحدة تعتبر وقف النار في لبنان اتفاقاً تاريخياً ينهي “حزب الله”. ودعا بولس، الدولة اللبنانية إلى بسط سلطتها الكاملة على جميع أراضيها وحدودها، بما في ذلك الحدود الشرقية مع سوريا، مشدداً على أن هذا الأمر يشكّل أولوية لواشنطن في إطار دعمها لسيادة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية.

الجيش يكشف عن أسلحة في راشيا
على صعيد أمني آخر، أعلن الجيش اللبناني عن ضبط كمية من الصواريخ والأسلحة في خراج بلدة عيحا مرج التوت – راشيا شرقي البلاد.

وقالت قيادة الجيش – مديرية التوجيه في بيان: “بعد عمليات الرصد والمتابعة الأمنية، ضبطت وحدة من الجيش تؤازرها دورية من مديرية المخابرات في خراج بلدة عيحا مرج التوت – راشيا كمية من الصواريخ والأسلحة والذخائر الحربية وأجهزة التفجير”.

وأشارت الى أن “دورية من مديرية المخابرات أوقفت في بلدة كفرزبد – البقاع 8 مواطنين لتأليفهم عصابة لتهريب وبيع الأسلحة والذخائر الحربية من الأراضي السورية إلى الأراضي اللبنانية، وضبطت في حوزتهم كمية من الأسلحة والذخائر الحربية، بالاضافة إلى عدد من السيارات التي يستخدمونها لتنفيذ عملياتهم. سُلمت المضبوطات وبوشر التحقيق مع الموقوفين بإشراف القضاء المختص”.

لبنان الكبير

مقالات ذات صلة