نهاية الحرب لا تأتي بصمت المدافع: مجلس الجنوب يسجّل الأضرار… والتعويضات “بيفرجها الله”

في أعقاب الحرب الاسرائيلية الأخيرة، يبرز مجلس الجنوب كلاعب محوري في مسار التعامل مع تداعيات الدمار، خصوصاً على مستوى تأهيل البنى التحتية الرسمية والمرافق الحيوية. ومع ذلك، تبقى قضية إعادة إعمار الوحدات السكنية المدمرة عالقة، وسط غياب تمويل واضح، ومراوحة في مكانها بين وعود الدولة واشتراطات الخارج.
تتحرّك أعمال المجلس ضمن هامش ضيّق بين الامكانات المتوافرة والضغوط السياسية، بحيث تشمل جهوده إزالة الركام، ترميم المدارس والمستشفيات، وفتح الطرقات، في محاولة لاستعادة الحد الأدنى من مقومات العيش وتهيئة الظروف لعودة النازحين. غير أن ملف الاسكان يبقى مؤجّلاً، ما يعكس اختلالاً بنيوياً في مقاربة الدولة لمرحلة ما بعد الحرب، ويطرح علامات استفهام حول غياب خطة شاملة لإعادة الإعمار.
وبحسب مصادر جنوبية لموقع “لبنان الكبير”، فإن المجلس باشر فور وقف إطلاق النار إجراء مسح شامل للأضرار التي طالت الوحدات السكنية والمنشآت والبنية التحتية، مشيرةً إلى أن عملية التعويض لم تبدأ بعد، على الرغم من استكمال التقييمات. ولفتت المصادر إلى أن المجلس يُبلغ الأهالي بأن صرف التعويضات مرتبط بتأمين التمويل، الذي لم يُرصد حتى الساعة.
وفي خلفية هذا المشهد، تُلقي التعقيدات السياسية بظلالها الثقيلة على مسار التعافي، خصوصاً مع إصرار بعض الجهات الدولية على ربط أي دعم مالي بتنفيذ إصلاحات سياسية وأمنية، يتصدرها ملف سلاح “حزب الله”. هذا الربط يُحوّل المساعدات من استجابة إنسانية إلى ورقة ضغط سياسي، ويُفاقم شعور الأهالي بالتهميش وانعدام الثقة بالدولة.
تقديرات رسمية تشير إلى أن عدد الوحدات السكنية المهدمة كلياً تجاوز 37,500 وحدة، فيما بلغت الوحدات المتضررة جزئياً نحو 130,000 وحدة، منها 55,000 تضررت بصورة جسيمة. أرقام تعكس حجم الكارثة، لكنها لا تجد ترجمة فعلية على الأرض حتى الآن.
وهكذا، تتجاوز عملية إعادة الإعمار إطارها التقني لتصبح ساحة صراع سياسي داخلي وخارجي، تتداخل فيها حسابات السلطة مع أجندات المجتمع الدولي. وفي ظل غياب استراتيجية واضحة، قد تتحوّل جهود مجلس الجنوب إلى إنجازات موضعية لا ترقى إلى مستوى التعافي الشامل.
إعادة الإعمار اليوم ليست مجرّد بناء ما تهدّم، بل اختبار لقدرة الدولة على فرض سيادتها، واستعادة دورها، وإعادة ترميم العقد الاجتماعي. فإما أن تُوظَّف هذه الفرصة لإرساء مسار إنقاذ حقيقي، أو تبقى مجرّد فصل إضافي في رواية الانهيار اللبناني المستمر.
الجنوب، بكل جراحه، يذكّر بأن نهاية الحرب لا تأتي بصمت المدافع، بل حين تنتهي آثارها في النفوس والمجتمعات. وبين التعافي الفعلي والتعويض المؤجّل، تظل العبرة: لا إعمار بلا قرار سيادي، ولا استقرار بلا عدالة تعيد الثقة بين الدولة ومواطنيها.
محمد شمس الدين- لبنان الكبير



