القيادة المسيحية: «القوات» في مواجهة لاعب سينزل إلى ميدان المنافسة

مع كل عهد جديد، تواجه «القوات اللبنانية» مشكلة على صعيد النظرة إلى القيادة السياسية للمسيحيين في لبنان. وإذا تجاوزنا الحقبة التي كانت سوريا فيها صاحبة القرار في لبنان، فإن ما حصل منذ عام 2008، لدى اختيار العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، ورغم أنه لم يكن يوماً يعكس تمثيلاً يتجاوز دائرة الموظف الآتي إلى جنة الحكم، إلا أن «القوات» لم تشعر بأنها تملك الحظوة التي ميّزت آخرين. وبعدها اضطرت إلى السير في انتخاب الرئيس ميشال عون.
وإذا كانت معركتها مع عون الأول مفهومة وطبيعية ومتوقّعة، إلا أن الأمر أخذ مساراً مختلفاً بعد خروجه من بعبدا، وصارت أكثر اهتماماً، ليس بإيصال مرشح بعينه، بقدر ما كان منع مرشح الطرف الآخر من الوصول إلى القصر. وهو أمر ما كان ليحصل لولا الحرب الإسرائيلية على لبنان، ولولا نقص النضج السياسي لقادة التحالف الذي كان يريد رئيساً لا ترضى عنه «القوات». ومرة جديدة، جاء اختيار عون الثاني لرئاسة الجمهورية ليضع معراب أمام خيار الأمر الواقع.
المشكلة لا تقف عند عتبة القصر الجمهوري، إذ إن «القوات» التي تهتم بإضعاف خصومها المسيحيين في هذه الفترة، تراهن على تراجع قدرات التيار الوطني الحر، وانحسار نفوذ تيار المردة، وحراجة موقع حزب الكتائب، كما تعتقد بأن النواب المستقلّين يحتاجون إلى تحالف معها للبقاء في مواقعهم. ومع ذلك، ترصد «القوات» واقع الشارع، حيث لا يزال عون الثاني يستفيد من الزخم الذي رافق وصوله إلى القصر، وهو يُعد اليوم من أكثر الشخصيات المسيحية شعبية، وتتعامل معه مجموعات المتنفّذين، سواء في الكنيسة أو تجمعات رجال الأعمال أو الأطر البلدية والأهلية، باعتباره المرجعية المناسبة. وحتى من هربوا من التيار الوطني الحر، يرون في ساكن القصر ملاذاً آمناً في هذه المرحلة.
صحيح أن رئيس الجمهورية ليس آتياً من تركيبة تسمح له ادّعاء الانخراط في الحياة السياسية عبر إطار سياسي أو شعبي أو حزبي، لكن، في بلد كلبنان، فإن رئيس الجمهورية، ومع الدعم غير العادي الذي يتلقاه من «تحالف الضرورة» مع القوى الإسلامية في البلاد، وما يحصل عليه من رعاية خاصة من طرفَي الوصاية الأميركية – السعودية، قد يكون بمقدوره التقدم خطوات في هذا المجال، سيما أن حوله من يقول إنه لا يزال صغيراً في السن، ويمكنه مواصلة العمل السياسي بعد خروجه من القصر، ويملك فرصة كالتي توفّرت سابقاً للرئيس ميشال عون.
في هذه النقطة يظهر قلق «القوات»، لأنها تجد نفسها في مواجهة لاعب لم تكن تعتقد بأنه سينزل إلى ميدان المنافسة، وهي تخشى أن يعمد عون الثاني إلى فتح مظلته ليجمع تحتها قوى وتيارات قادرة على أن تتشكل على هيئة قوة كبيرة في الشارع المسيحي. وهو ما يدفع جعجع لإعادة الاعتبار إلى ما يعتبره «القضايا التي تخص المسيحيين» في لبنان. وفي هذا السياق، يعتبر أن العزف على وتر المعركة في مواجهة حزب الله، مفيد له، كما أنه يريد من رئيس الجمهورية أن يتعامل معه كشريك أساسي وليس كطرف تتم مراضاته في سياق التسويات الداخلية والإقليمية.
لذلك، سنجد «القوات» معنية أكثر من أي وقت بتحصيل مكاسب كبيرة، سواء في الانتخابات البلدية المقبلة، حيث تريد عقد تسويات تظهرها طرفاً مقبولاً من الجميع، أو في الانتخابات النيابية، حيث تريد عقد تحالفات تظهرها في موقع القاطرة التي يمكن لمن يلتحق بها الوصول إلى المجلس النيابي. والغريب أنها تنظر بقلق إلى دور رئيس الجمهورية، بينما يردّد كوادرها بأنهم «حسموا المعركة سلفاً مع كل القوى المسيحية الأخرى»!
الاخبار
