النار تحت الرماد بين الادارة السورية الجديدة و”الحزب”: أحمد الشرع غير متسامح!

توقّفت الاشتباكات بين الجيش السوري من جهة و”حزب الله” والعشائر من جهة أخرى، لكن النار لا تزال تحت الرماد، على من الرغم المباحثات الرسمية التي حصلت بين وزراء الدولتين اللبنانية والسورية. فالحدود المتداخلة بين لبنان وسوريا وعدم تطبيق القرار 1680، يبقيان التوتر قائماً، ويسمحان بنشر الفوضى والتهريب الذي يقتات منه “الحزب” للإستمرار على قيد الحياة، إضافة إلى أن الادارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع غير متسامحة مع أي نشاط لـ”الحزب” داخل أراضيها بسبب موقفها المناهض للمشروع الايراني أصلاً.
المواجهات السابقة بين الطرفين لا تبشّر بالخير، ولا يُمكن الاطمئنان الى أن وقف إطلاق النار سيستمر، ويبدو أن جناح “الصقور” في الحزب” لديه مصلحة في تصعيد الوضع، مستخدماً غطاء العشائر، فيما يعتبر مسؤولون في الدولة اللبنانية أن الجيش السوري وقع في الفخ، إذ تبادل النيران مع مقاتلي العشائر من دون أن تحاول القيادة السورية التنسيق مع الدولة اللبنانية.
من الواضح أن هذه الاشتباكات قد تتكرر لأن “الحزب” لن يتخلى بسهولة عن حضوره الاستراتيجي على طول الحدود مع سوريا، منتظراً الفرصة السانحة وإرباكات داخلية سورية لفتح طرق إمداد فيها، أما الادارة السورية فلن تتساهل أيضاً مع انتهاكات “الحزب” وعشائره، وستحاول فرض سيطرتها الكاملة على أراضيها وخصوصاً في المناطق التي تؤثر على العلاقات اللبنانية السورية.
لا شك في أن نشاط الجيش السوري على الحدود بات كثيفاً، وثمة إعتقاد لدى بعض المراقبين بأن “الحزب” يحاول كما في الماضي، أن يستخدم بعض القرى والأراضي السورية المتنازع عليها مع لبنان، كمراكز لعمليات التهريب والتجارة، ما جعله يصطدم بالنشاط الكثيف لقوات الأمن السورية التي تحاول تطبيق ما يشبه القرار 1701 على الحدود السورية اللبنانية، ففهم “الحزب” أن هذه الاستراتيجية هدفها التضييق عليه ومحاصرته، وبالتالي استخدم مقاتليه المنتمين إلى العشائر لكسر هذا الحصار.
تدخّل الدولة اللبنانية ممثّلة برئيس الجمهورية جوزاف عون ووزيري الدفاع والخارجية ميشال منسى ويوسف رجي، وانتشار الجيش اللبناني في محاور الاشتباكات، أغضبا “الحزب” وسحبا الورقة من بين يديه، لذا كان رد فعل أنصاره ضد الجيش سلبياً وغير مرحّب به عبر اتهامه بالعمالة وتخوينه. أما إدارة الرئيس الشرع فكانت راضية ومرتاحة لهذا الاجراء الذي يُبعد “الحزب” عن حدودها، على الرغم من أن لا شيء يضمن عدم تكرار هذه المواجهات لأن الحدود طويلة جداً، و”الحزب” لن يتخلى بسهولة عن نفوذه هناك.
يُدرك الجانب السوري اللعبة التي يُمارسها “الحزب” في ما يخص العشائر، وقدّمت المخابرات السورية للجيش اللبناني تقارير عن نشاطه داخل أراضيها. صحيح أن منطقة البقاع وخصوصاً الهرمل هي موطن لعشائر لبنانية قوية تلعب دوراً مهماً في النسيج السياسي والاجتماعي للمنطقة، وأكثر هذه العشائر نفوذاً هي آل حمادة، وجعفر، ودندش، وزعيتر، وشمص والمقداد، لذا استغلّها “الحزب” وأقام معها تحالفات، مستفيداً من تسلسلها الهرمي التقليدي لتعزيز وجوده. وقد قدّم لهذه العشائر الدعم المالي والعسكري، ما سمح لها بترسيخ موطئ قدم لها في المناطق الحدودية التي لطالما كانت مراكز للتهريب.
مع مرور الوقت، توطدت علاقة “الحزب” بهذه العشائر، لا سيما في الأنشطة غير المشروعة كتهريب الأسلحة والمخدرات، وهي مصادر دخل رئيسية له بعد تشديد العقوبات الدولية. في الوقت نفسه، حافظت العشائر على قدر من الاستقلالية عن الدولة اللبنانية، مستفيدةً من ضعف القرار الرسمي اللبناني وضعف الإنماء الاقتصادي في المنطقة. كل ذلك، عزز ديناميكيّة نفوذ “الحزب” على قرارات العشائر وأفعالها، لذلك يعتبر الجانب السوري أنه حتى لو تصرف أبناء العشائر بصورة مستقلة ضد القوات السورية، فمن المؤكّد أن “الحزب” قدّم على الأقل دعماً عسكرياً ولوجيستياً لها، وهذا ما يظهر بوضوح من خلال الأسلحة المستخدمة.
وليس سراً أن العوامل والتغيّرات الاقليمية تتحكّم بالحدود اللبنانية السورية، ولا سيما اسرائيل وإيران، ويكشف الباحث في شؤون الأمن والدفاع رياض قهوجي أن “الحزب يشعر بالحصار يشتد عليه من الشمال والشرق بعدما أخرجته إسرائيل من معظم الجنوب، وهذا ما ينعكس قلقاً وخوفاً داخل القوى الشيعية التي ستحاول الدفاع عن مكتسباتها السياسية التي حققتها في العقدين الأخيرين، فيما تنظر بحذر إلى تصاعد الاسلام السياسي السنيّ في سوريا المتأثّر بتركيا”.
في ظل هذا الوضع، ستستمر الحدود اللبنانية السورية عرضة للتجاذبات بين مصالح الدولة السورية وطموحات “الحزب” في إبقاء الحدود ممراً لتهريب المال والمخدرات وشحنات الأسلحة الإيرانية، قبل أن تحسم الدولة اللبنانية أمرها وتطبّق بالتنسيق مع الادارة السورية الجديدة القرار 1680 من جهة، وتفرض على “الحزب” تسليم سلاحه بالطرق الديبلوماسية من جهة أخرى، أو ربما تتكفّل اسرائيل بذلك عبر استخدام القوة بدعم أميركي. كل الاحتمالات مفتوحة ولا شيء ثابت قبل أن يتم تحديد خريطة الشرق الأوسط الجديد الذي تسعى إليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
جورج حايك- لبنان الكبير