السياحة أمام تحديات كبيرة: مطاعم وسط بيروت تنتظر … متى يعود الزوار؟

قلب بيروت التجاري تحوّل لوقت طويل، إلى مشهدٍ باهت، أشبه بذكرى قديمة لمدينة كانت تنبض بالحياة. سنوات من الأزمات السياسية والأمنية أغلقت مداخل ساحة النجمة وأطفأت وهج المقاهي والمطاعم التي كانت تعجّ بالزوار، فغادر المستثمرون وسط المدينة، تاركين خلفهم أبواباً موصدة وطاولات مهجورة.
ولكن اليوم، مع إعادة فتح الطرقات المحيطة بساحة النجمة، يبدو أن التجار بدأوا بالعودة إلى وسط بيروت، مدفوعين بأمل استعادة مجد تجاري وسياحي ضائع. العلامات التجارية الكبرى تستعد لاطلاق متاجرها في المنطقة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في قطاع المطاعم والمقاهي، الذي يحتاج إلى استثمارات ضخمة ليعود إلى سابق عهده. فهل هناك مستثمرون جادون مستعدون للمغامرة وإعادة تشغيل هذه المشاريع؟ وهل ستشهد بيروت قريباً انتعاشاً سياحياً يعيد الروح إلى وسطها التاريخي؟
وسط هذا المشهد، تكتسب زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى المملكة العربية السعودية أهمية خاصة، إذ تأتي في سياق إعادة ترميم العلاقات الثنائية بين بيروت والرياض. واللقاء الذي جمعه بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان حمل في طياته مؤشرات إيجابية حول إمكان عودة الاستثمارات الخليجية إلى لبنان، بعد سنوات من التوتر الديبلوماسي والاقتصادي.
ويعوّل أصحاب القطاعات التجارية والسياحية على هذه الزيارة، آملين أن تساهم في استقطاب السياح الخليجيين، الذين كانوا يشكلون جزءاً أساسياً من الحركة السياحية في لبنان. كما أن الأسواق الخليجية، وعلى رأسها السوق السعودية، تُعد من أبرز المستوردين للمنتجات اللبنانية، لكن توقف التصدير منذ العام 2021 جرّاء أزمة تهريب الممنوعات كبّد لبنان خسائر فادحة. فهل تحمل هذه الزيارة بوادر انفراجة تعيد فتح الأبواب الموصدة أمام الصادرات اللبنانية وتنعش القطاع السياحي قبيل انطلاق الموسم الصيفي المقبل؟
بين تفاؤل التجار وحذر المستثمرين، تبقى الأيام المقبلة كفيلة بالكشف عن مدى جدية المشاريع القادمة في وسط بيروت، وما إذا كانت هذه العودة ستقتصر على محاولات فردية أم ستكون جزءاً من خطة اقتصادية متكاملة لإعادة إحياء قلب العاصمة. ومع اقتراب الصيف، ينتظر اللبنانيون أن تعود بيروت، لا كمدينة تتعافى فقط، بل كعاصمة تستعيد ألقها من جديد. فهل ستعود مطاعم وسط بيروت ومقاهيها إلى سابق عهدها، أم أن الانتعاش سيظل مجرد أمل بعيد؟
خطة وزارية لإعادة إنعاش القطاع
مصدر خاص في وزارة السياحة كشف لموقع “لبنان الكبير” عن خطة تعمل عليها الوزارة منذ عهد الوزير السابق، وتهدف إلى جمع لجان المهرجانات في وسط بيروت “البلد”، في خطوة لإعادة إنعاش القطاع السياحي ومنها دعم كل هذه المطاعم والمقاهي الموجودة في المنطقة. إلا أن هذه الخطة توقفت بسبب الحرب الاسرائيلية الأخيرة، ما أدى إلى تعليق المشاريع السياحية التي كانت الوزارة تعمل على تنفيذها.
وأكد المصدر أن الوزارة، في ظل الحكومة الجديدة، مستعدة لاستقبال جميع المؤسسات الراغبة في الاستثمار في القطاع السياحي، مشيراً إلى أن جميع الشروط والمتطلبات الخاصة بفتح المطاعم والمنشآت السياحية متاحة على الموقع الالكتروني للوزارة، كما أن المكاتب المختصة مفتوحة أمام المستثمرين للاستفسارات والتراخيص.
وأوضح المصدر أن بعض المطاعم التي كانت قائمة في وسط بيروت قبل الحرب أغلق لفترة مؤقتة، لكنه عاد ليفتح أبوابه مجدداً. كما أن هناك مطاعم جديدة بدأت بالظهور، إلا أن العدد لا يزال أقل مما كان عليه في السابق، لافتاً إلى أن هناك نقصاً في الدعم المطلوب لدفع الحركة السياحية إلى الأمام، وبعض المطاعم يجد صعوبة في افتتاح فروعه في وسط بيروت بسبب ارتفاع الايجارات التي تضعها “سوليدير”، ما دفع البعض إلى البحث عن مواقع بديلة مثل منطقة الزيتونة باي.
انتعاش السياحة في الأعياد
وعن النشاط السياحي خلال موسم الأعياد، شدد المصدر على أن جهوداً بذلت لتنشيط الحركة في العاصمة، وإطلاق مبادرات ترويجية. ومع ذلك، لا تزال الحاجة قائمة لإيجاد حلول طويلة الأمد لجذب المستثمرين إلى القطاع، معتبراً أن تحسن الأوضاع الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الجهود الحكومية لإزالة العوائق التي كانت تؤثر على الحركة في وسط بيروت، قد يساهم في تحفيز النشاط السياحي خلال الأشهر المقبلة.
وفي ما يتعلق بتأثير زيارة رئيس الجمهورية إلى السعودية، قال المصدر: “هناك تفاؤل في وزارة السياحة بأن هذه الزيارة قد تساهم في استقطاب السياح العرب إلى لبنان خلال الموسم الصيفي المقبل. فالانفتاح على الدول العربية جزء من الخطة السياحية للحكومة، وإزالة العوائق التي كانت قائمة في السابق قد تشجع السياح الخليجيين على العودة إلى لبنان، خصوصاً مع وجود مؤشرات إيجابية حول إمكان استئناف الاستثمارات السياحية من المستثمرين الخليجيين”.
وأعرب المصدر عن أمله في أن تشهد فترة الأعياد المقبلة، خصوصاً عيد الفطر وعيد الأضحى، حركة سياحية نشطة في لبنان، مشيراً إلى أن هناك توقعات بدعم خليجي في إعادة الإعمار، وهو ما قد يكون له تأثير إيجابي على الاقتصاد اللبناني ككل.
وأكد أن الوزارة لا تزال في مرحلة إعادة الهيكلة والتعرف على التحديات الجديدة، لكنها تعمل بجهد لاستعادة الثقة بالقطاع السياحي وتحقيق تقدم ملموس خلال الفترة المقبلة.
الأشقر والرامي: السياحة أمام تحديات كبيرة
وفي حديث لموقع “لبنان الكبير”، أكد رئيس اتحاد النقابات السياحية ونقيب أصحاب الفنادق، بيار الأشقر، أن القطاع السياحي اللبناني، خصوصاً قطاع المطاعم، يمتلك كل المقومات لاستقبال جميع المناسبات، مشدداً على أن الجودة العالية والخدمات المميزة هما العنصران الأساسيان لاستمرار هذا القطاع في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي يواجهها لبنان.
وأشار الأشقر إلى أن لبنان شهد ضربات قاسية، كان أبرزها انفجار مرفأ بيروت، الذي أدى إلى خسارة حوالي 2050 مطعماً، لكن إرادة أصحاب المطاعم وتصميمهم ساعداهم في إعادة بناء هذه المؤسسات وتحسينها، حتى أصبحت أفضل مما كانت عليه قبل الأزمة.
وحول تأثير الوضع السياسي على القطاع السياحي، أوضح الأشقر أنه على الرغم من الأحاديث عن تحسن العلاقات مع الخليج العربي، فإن أي إجراءات رسمية لم تصدر حتى الآن من الديوان الملكي السعودي بخصوص السماح لرعايا دول الخليج بالعودة إلى لبنان كسياح. وقال: “نحن متفائلون ونتمنى أن يتم تحقيق المصالحة، ما سيسمح للسياح الخليجيين بالعودة. هناك مؤشرات إيجابية، لكننا ننتظر تأكيدات رسمية لتنطلق عجلة السياحة مجدداً”.
وأوضح أن القطاع يترقب تنفيذ خريطة الطريق التي وضعتها الحكومة، مؤكداً أن التنفيذ الفعلي هو المفتاح لإعادة الثقة بلبنان كوجهة سياحية آمنة وجاذبة للاستثمارات.
في سياق متصل، رأى نقيب أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري طوني الرامي أن إعادة فتح المطاعم والمقاهي في ساحة النجمة والمناطق المحيطة بها يتطلب خطة تنظيمية واضحة، معتبراً أن وسط بيروت هو الشريان الأساسي للبنان، ما يستدعي إعادة إحيائه بطريقة مدروسة تضمن عودته إلى أيامه الذهبية.
وأوضح الرامي أن شركة “سوليدير” هي الجهة المخولة إعطاء الأذونات لفتح المؤسسات في الوسط التجاري، وهي التي تحدد المعايير المطلوبة للمستثمرين، لكنه اعتبر أن عودة الحياة إلى هذه المنطقة يحتاج إلى تنظيم واضح، وضمانات أمنية حقيقية، ومخطط توجيهي يسمح بتنويع المطاعم والمطابخ بما يتناسب مع الأذواق المختلفة، وخصوصاً السياح.
كما طالب الرامي وزارة السياحة بالإشراف على إعادة تنظيم القطاع، عبر تشكيل لجنة تضم النقابة و”سوليدير”، لضمان استقطاب المستثمرين والعلامات التجارية الكبرى، ما يعيد الزخم إلى الوسط التجاري، خصوصاً مع اقتراب موسمي الربيع والصيف واستعداد المغتربين والسياح للقدوم إلى لبنان.
وبحسب الأشقر والرامي، فإن عودة المستثمرين والسياح إلى لبنان مرهونة بتحقيق الاستقرار السياسي والأمني، وتقديم حوافز واضحة للمستثمرين، إضافة إلى وضع خطط تنظيمية تضمن استدامة القطاع السياحي، الذي يبقى أحد أعمدة الاقتصاد اللبناني، على الرغم من كل التحديات.
عمر عبد الباقي- لبنان الكبير



