دور تلعبه تركيا خطير جداً: ما هدف تمرير الأموال لـ”الحزب” !؟
تتعامل تركيا مع النظام الايراني “على القطعة”
لا تهتم تركيا كثيراً لسيادة الدول المجاورة واستقلالية قرارها، فهي تتخذ قراراتها إنطلاقاً من أهدافها الاستراتيجية البعيدة المدى، وعلى الرغم من أن العلاقات التركية-الايرانية ليست نموذجيّة، إلا أنها تتقاطع عند مصالح الطرفين، ويبدو أن تمرير تركيا الأموال لـ”الحزب” من ايران عبر جسر جوي، يدخل في هذا الاطار، فكيف يحصل ذلك؟
تتعامل تركيا مع النظام الايراني “على القطعة”، فهي أقصته من سوريا بعد دعمها للفصائل السورية المعارضة التي أسقطت نظام بشار الأسد، وشجّعت السلطات الجديدة برئاسة أحمد الشرع على طرد الحرس الثوري الايراني، لتكون اللاعب الاقليمي الوحيد على الأرض السورية، وهذا ما حصل تماماً منذ ثلاثة أشهر حتى اليوم.
لكن الجسر الجوي الذي أنشأته تركيا لتأمين طريق إمداد بين ايران و”حزب الله” في لبنان بات مكشوفاً، إذ سجّلت أكثر من 11 رحلة جوية لشركة “ماهان إير” فوق تركيا، وهذا ما يُشير إلى تعاون بين الحكومة التركية والحرس الثوري الايراني، والجدير بالذكر أن شركة “ماهان إير” خاضعة للعقوبات الأميركية، وبالتالي تُجازف تركيا بهذا الأداء الغامض والمريب.
واللافت أن تركيا تفرض سيطرة مشددة على مجالها الجوي، وغالباً ما تحرم الطائرات الأرمنية والاسرائيلية من التحليق فيه، وهذا ما يدلّ على تسهيلها رحلات “ماهان إير” بل يبدو متعمداً، بهدف خدمة نشاط إيران في نقل الأسلحة والمال والأفراد إلى “الحزب”.
في المقابل، هذا الأمر ليس خافياً على الولايات المتحدة الأميركية والمخابرات الاسرائيلية، وربما ستكون كلفة هذا التعاون بين تركيا وايران باهظة على الأولى، وخصوصاً أن “الموساد” يعلم بنوعية السلاح الذي استخدمه “الحزب” في حربه الأخيرة ضد تل أبيب، وأهمها صواريخ “الماس” المضادة للدبابات ومسيّرات طراز 358 وغيرها من الأسلحة التي أمّنت تركيا وصولها إلى “الحزب” عبر ممراتها الجوية ومطاراتها.
ولا شك في أن ايران، بعد فقدانها طريق الامدادات السورية لنقل الأسلحة والأموال الى “الحزب” باتت تستخدم تركيا. وتحاول واشنطن الضغط ديبلوماسياً على تركيا حليفتها في حلف شمال الأطلسي لوقف التعاون مع شركة “ماهان إير” بغية إغلاق المجال الجوي أمامها، وإذا لم يرضخ النظام التركي ديبلوماسياً، فسيتعرّض للعقوبات التي ستستهدف المديرية العامة للطيران المدني هناك لوقف هذه الرحلات الجوية.
ولا بد من الاعتراف بأن الدور الذي تلعبه تركيا خطير جداً، وأهدافها الاستراتيجية التي تبرر هذا التعاون مع ايران و”الحزب” تعود إلى سوء علاقتها مع اسرائيل، وتقاطع مصالحها مع مصالح إيران في إضعافها ومواجهة طموحاتها التوسعية التي تصطدم بطموحات تركيا، التي ليس سراً أنها كانت داعمة للحكومة اللبنانية السابقة التي كان يهيمن على قرارها “الحزب”.
وما يتذكره المراقبون أن الأمين العام السابق لـ”الحزب” حسن نصر الله هدد قبرص في الصيف الفائت على خلفيّة دعمها المستمر لاسرائيل، وأعقبه موقف مماثل لوزير خارجية تركيا هاكان فيدان متّهماً قبرص بأنها أصبحت “مركز عمليات” لاسرائيل، وحتماً موقف الأخير لم يكن مجرد صدفة إنما نتيجة تبادل معلومات بين تركيا و”الحزب”.
في كانون الثاني 2024، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على العديد من الكيانات التركية لتقديمها “دعماً مالياً حاسماً” لشبكة مالية يستخدمها فيلق القدس الايراني و”الحزب” في لبنان. وقبل ذلك، أي عام 2022، فرضت وزارة الخزانة أيضاً عقوبات على سيتكي أيان، وهو مواطن تركي له علاقات وثيقة مع رجب طيب أردوغان، لإخفاء النفط الإيراني وتسهيل بيعه للمشترين في الصين والامارات العربية المتحدة وأوروبا، وخصّصت عائدات المبيعات لحساب الحرس الثوري الايراني-فيلق القدس.
لذلك تأتي العملية الأخيرة الايرانية-التركية في 28 شباط 2025 التي ضبطت فيها السلطات اللبنانية المسافر محمد عارف حسين القادم من تركيا محاولاً تهريب 2.5 مليون دولار إلى “حزب الله”، كمحطة في المسار الطويل للعلاقات التركية-الايرانية، وقد اعترف حسين بأنه سافر من بيروت إلى مطار صبيحة في تركيا، حيث التقى بشخص إيراني سلّمه الحقيبة المحتوية على الأموال، ثم عاد بها إلى بيروت. أما التطوّر الخطير، فهو مبادرة المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى إلى تقديم كتاب رسمي للنيابة العامة التمييزية مبرراً بأن الأموال المصادرة في مطار رفيق الحريري الدولي تعود اليه، مُطالباً بالإفراج عنها، لكن هذا الاعلان يتناقض مع إفادة الموقوف، الذي صرّح بأن الأموال كانت مخصّصة لجمعيات خيرية شيعية من دون ذكر المجلس. والملف الآن أصبح في يد قاضي التحقيق، وسط تساؤلات حول مصدر الأموال ووجهتها الحقيقية.
إن هذه الحالات المعروفة لتركيا التي تتحايل على العقوبات الأميركية على إيران، تؤكّد أنها تشارك في علاقات تجارية مع كيانات إرهابية محددة في جميع أنحاء الشرق الأوسط. إلا أن أنقرة ليست مهتمة بمصالح “الحزب” ولا بمصالح إيران الاقليمية الواسعة. أما هدفها الحقيقي فهو تقويض إسرائيل، وقد تتعامل مع أي طرف يُحّقق لها هذا الهدف، وهذا ما يؤكّده الرئيس اردوغان مراراً وتكراراً بأن “العالم الاسلامي يجب أن يتحد ضد هجمات إسرائيل في فلسطين”.
جورج حايك- لبنان الكبير



