ترامب “المنحدر من نسل الآلهة” للعالم… لتكن مشيئتي!

العالم ليس أمام رجل عادي يدعى دونالد ترامب، بل أقرب الى رجل يكاد ينصب نفسه استثناء يتحدر من نسل الآلهة أو من النعم السماوية النادرة.
انه انطباع شبه شامل حيال الرئيس الأميركي الآتي الى البيت الأبيض بصفته مجترح معجزات في مكان أو نبياً مُرسلاً في مكان آخر مستنداً الى جانب تأليه الذات، الى ثلاثة مقومات متفوقة، هي السلطة والمال والسلاح.
انه خليط من الخوف الذي يدب في بعض العواصم الغربية والعربية والاقليمية، والغضب الذي يدب في عواصم أخرى نتيجة قرارات فجة تلامس الجنون يتخذها من وقت الى آخر من دون تردد أو تشاور أو مراعاة لأي مشاعر أو خصوصيات أو حساسيات.
من تفريغ غزة الى ترويع ايران، ومن إذلال الرئيس الأوكراني الى استفزاز الرئيس البنمي، ومن تحويل خليج المكسيك الى خليج أميركا، ومن ابتزاز حلف الأطلسي الى تحدي الدنمارك في جزيرة غرينلاند، ومن معاقبة الصين اقتصادياً الى تطويق كوريا الشمالية، يقف دونالد ترامب فوق جبل من الكبرياء الصارخ الخالي من أي شيء لا يحاكي طبيعته الحازمة ولا يصب في مصلحة الثروات وخزائن المال في بلاده.
وليس في هذا العرض أي مبالغة في غير محلها أو أي افتراء عشوائي، اذ لم يحدث بعد أدولف هتلر وبينيتو موسوليني وجوزيف ستالين أن تولى أحد السلطة في أي مكان في العالم معتقداً أنه من نسل انساني آخر سوى دونالد ترامب، مع فارق وحيد يتمثل في أن من سبقوه كانوا من الطغاة الذين اعتمدوا لغة الاحتلال والغزو والقمع والمجازر، في حين يعتمد ساكن البيت الأبيض لغة التلويح بالقوة سواء كانت لغة المال أو لغة السلاح.
انها أربع سنوات عجاف، في رأي الكثير من الحكام الأوروبيين الذي يرون في ولاية ترامب كابوساً اقتصادياً وسياسياً يضاهي الكابوس العسكري الذي يمثله نظيره الروسي فلاديمير بوتين، هامسين في كواليسهم أن أميركا اليوم تتعامل مع الغرب الجديد كما تعامل الغرب القديم مع الشعوب المقهورة مع فارق أساسي يتمثل في استبدال وسائل ذاك الزمان وقوانينه بسلاح الرسوم الجمركية والشروط الاقتصادية والهيمنة العسكرية والتغييب شبه الشامل في القرارات والمحطات المصيرية كما يحدث الآن في الملف الأوكراني.
وما يسري في أوروبا يسري في الشرق الأوسط حيث يتعامل ترامب مع بعض الدول العربية وكأنها دول غير قادرة على الصمود من دونه، أو دول يمكن أن تتحول بين ليلة وضحاها من دولة سيدة الى ملجأ أو مخيم أو دار للأيتام والمشردين، موحياً بأن جل ما يريده من هذه المنطقة أمران: الأول قوة اسرائيل والثاني مال الخليج.
وتذهب مصادر ديبلوماسية عربية بعيداً الى حد القول ان ترامب يلعب دور صدام حسين عندما غزا الكويت، ودور حافظ الأسد عندما احتل لبنان، ودور الصهاينة عندما استوطنوا فلسطين، ودور الأئمة الايرانيبن عندما تغلغلوا في أربع عواصم عربية، مؤكدة أنها تواجه هذه المرة اعصاراً جامحاً لا يمكن تهدئته الا بتلبية رغباته أو شروطه أو قراراته.
ولا تبدو الصين في موقع أكثر اطمئناناً، فهي تراقب في قلق الحلف العسكري الذي يعززه ترامب مع الفليبين وتايوان واليابان، الى جانب المناورات الجوية المشتركة مع كوريا الجنوبية، متخوفة من أن يؤدي أي خطأ في الحسابات أو أي سوء تقدير الى ما تحاول تجنبه منذ عقود طويلة، وتحديداً منذ الحربين الكورية والفيتنامية في خمسينيات القرن الماضي وستينياته.
والسؤال هنا، كيف يمكن تهدئة دونالد ترامب أو على الأقل كيف يمكن اقناعه بأنه ليس من صنف الآلهة، وبأن القوة التي يلوّح بها ليست القوة الوحيدة في هذا العالم أو على الأقل ليست القوة القادرة على ادارة الشعوب كما يشاء وساعة يشاء؟
الجواب ليس متوافراً حتى الساعة وقد لا يتوافر قريباً، لكن الواضح أن ترامب يؤمن بأنه آخر “الأبرار” في هذا العالم وبأن نجاته من محاولة الاغتيال التي تعرض لها قبل أشهر، كانت قراراً سماوياً ورغبة من الخالق في ابقائه حياً لتنفيذ ما لا يستطيع تنفيذه الناس العاديون.
لكن ما يجهله ترامب ربما، أن محاولة اغتياله تشبه الى حد كبير اغتيال سلفه جون كينيدي الذي سقط برصاص الجهاز الذي يتولى حمايته أي مكتب التحقيقات الفيدرالية “اف بي آي” وفق ما أظهرت الوثائق التي أخرجت الى النور حديثاً، وأن ثمة فريقاً في الولايات المتحدة أراد ربما التخلص منه لسببين أساسيين: الأول أن انتخابه رئيساً قد يقود أميركا الى حرب عالمية وأن سقوطه سيقودها الى حرب أهلية.
كل شيء في الغرف السود وارد عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي والمصالح الكبرى، لكن شيئاً واحداً لا يمكن أن يرد في أي مكان أو زمان، وهو أن يطل رجل عادي على العالم معتقداً أنه ليس من طينة البشر وأنه أنزل على الناس كي يكون مطاعاً أو مهاباً أو معبوداً.
لكن القريبين من ترامب يرون الأمور من عين مختلفة، مؤكدين أن العالم الذي يتحكم به أناس من أمثال أسامة بن لادن أو يحيى السنوار لا يمكن أن يرتدع الا بالقوة، وأن العالم الآخر الذي يهدده حكام من روسيا وكوريا الشمالية والصين لا يمكن أن يحسب ألف حساب الا في وجود عالم يتحكم به حكام من أمثال ترامب، معتبرين أن السلام في العالم لا يمكن أن يتحقق الا بالقوة سواء كانت القوة التي تقصد ترهيب الناس أو ترغيبهم أو تجويعهم.
انطوني جعجع- لبنان الكبير



