بعد تسلل “الطحالب”… جاء يوم المبايعة وتأكيد الزعامة “الحريرية”!

عقدان من الزمن، مضيا على “جريمة العصر” المتمثلة بإغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط من العام 2005، بألفي طن من متفجرات “الحاقد السياسي”، ليفجر “زلزالاً” ضرب ليس لبنان بمفرده، بل المنطقة بأسرها، تمهيداً لتكريس المحور “الفارسي” في الاقليم تحت مسمى “الممانعة”، الذي كان من ضروريات تمدد التفوذ الايراني، التخلص من قامة لبنانية-عربية تتمتع بشبكة علاقات دولية، ذات أدوار متعددة على إمتداد خريطة الشرق الأوسط. إغتيال ترك تداعيات على لبنان وامتد لاحقاً إلى المنطقة، ذلك أنه طاول رجلاً مسالماً آمن بالعلم والتنمية واعتماد الديبلوماسية لانتزاع حقوق لبلاده، ووقف في مناسبات عدة ضد تدخلات خارجية وتحديداً من النظام السوري السابق في الشأن الداخلي اللبناني، وأوجد في الوقت عينه معادلة “تعايش مع حزب الله”، مع تكريس حق المقاومة للاحتلال الاسرائيلي، خصوصاً بعد حرب “عناقيد الغضب” الاسرائيلية في نيسان 1996.

بعد عشرين عاماً على الاغتيال، بات المشهد مختلفاً ولعدة أسباب، اذ إن لبنان يمر بمسار من التغييرات الجوهرية والعميقة على الصعيد الجيو-سياسي، فذكرى إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري هذه السنة، هي الأولى بعد سقوط نظام بشار الأسد وضمورِ نفوذ طهران و”حزب الله” في لبنان والمنطقة، ربطاً بالتحولات المتلاحقة التي حصلتْ في ضوء ما بعد “طوفان الأقصى” خصوصاً حرب إسرائيل والحزب، وارتسام ملامح “لبنان الجديد” الذي أطلّ برأسه من الانتخابات الرئاسية التي حملت العماد جوزاف عون إلى قصر بعبدا (بعد أكثر من 26 شهراً) والقاضي نواف سلام إلى رئاسة الوزراء وصولاً إلى تشكيل حكومة عكستْ بوضوح موازين القوى الاقليمية الجديدة وعبّرت عن مواصفات إصلاحية في الشكل والمضمون.

وسط بحر من “جمهور” رفيق الحريري، الذي قدر بسبعين ألفاً ملأوا ساحة “الحرية” من مختلف المناطق والمحافظات اللبنانية، حاملين راية الوطن، تلك الساحة التي تفجرت منها “انتفاضة الاستقلال” الثانية في الرابع عشر من آذار 2005، التي أسفرت في 26 نيسان 2005 عن خروج الجيش السوري من لبنان بعد 29 عاماً من الوجود العسكري بقبضة حديدية، أطل بالأمس رئيس تيار “المستقبل” سعد الحريري أمام “قوته الضاربة” (محازبيه ومناصريه)، إطلالة محتلفة عن السنوات الماضية، التي تتسم بالطابع “الوجداني”، بحيث أن إطلالته هذه المرة، كانت سياسية بإمتياز، من خلال إلقائه خطاباً وسط الحشود، معلناً طيَّ صفحة تعليق العمل السياسي، الذي اتخذه في أيار 2022، في إشارة إلى الانخراط في الانتخابات البلدية (موعدها في غضون شهرين) ثم النيابية (أيار 2026) التي يُرجّح أن تكون المدخل الذي سيعتمده الحريري للعودة إلى المعادلة السياسية من بوابة صناديق الاقتراع، وذلك بعدما إنتفت حيثيات قرار تعليق العمل السياسي بقوله حينذاك “أن لا مجال لأي فرصة إيجابية للبنان في ظل النفوذ الايراني والتخبط الدولي، والانقسام الوطني واستعار الطائفية واهتراء الدولة”، ما يؤكد مقولته الشهيرة “كل شي بوقته حلو”.

لقد شكلت الذكرى هذا العام، مناسبة لتأكيد زعامة سعد الحريري، وقدرته “الآحادية والحصرية” على توحيد “الشارع” السني على أسس ومرتكزات وطنية، تقوم على الاعتدال والانفتاح والتلاقي، ليبقى الزعيم الوحيد القادر على إستنهاض الدور السياسي الوطني للطائفة السنية، بعدما عانت ما عانته في فترة إعتكافه من تهميش وتسلل “الطحالب” من حديثي النعمة السياسية إلى المناصب والمراكز السنية، من دون أي حيثية سياسية وشعبية في غفلة من زمن “الحريرية”.

الحشود التي تقاطرت بالأمس لمبايعة سعد الحريري، لم تكن مجرد تجمع عابر، بل كانت رسالة قوية تؤكد أنه يبقى الزعيم الأوحد للطائفة السنية في لبنان، وقائداً سياسياً، وزعيماً وطنياً، يتمتع بقاعدة شعبية واسعة، على الرغم من غيابه عن الساحة السياسية لعدة سنوات، بحيث كانت المشاركة الشعبية العارمة في إحياء ذكرى استشهاد والده، تأكيداً لهذا التفويض الشعبي، ما يثبت من جهة أن مشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري ما زال حاجة وطنية شاملة، ومن جهة أخرى أن سعد الحريري لا يزال يشكل قوة سياسية مركزية في لبنان.

زياد سامي عيتاني- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة