المشهد الجنوبي يتعقّد: اسرائيل لن تنسحب حتى إشعار آخر!

على الرغم من مطالبة الدولة اللبنانية ممثلة برئيس الجمهورية جوزاف عون بضرورة انسحاب اسرائيل من الجنوب اللبناني في 18 شباط الجاري كما هو محدد، رشحت معلومات من الولايات المتحدة بأن الادارة الأميركية موافقة على طلب اسرائيل بالبقاء قي خمسة مواقع في الجنوب من دون أن تُحدّد موعداً نهائياً للإنسحاب! والهدف الاستمرار في تأمين منطقة عازلة بعدما سمحت الحكومة الاسرائيلية لسكان المستوطنات بالعودة إلى بلداتهم وفتح المدارس في 2 آذار المقبل.
وتؤكد مصادر “اليونيفيل” أن الاسرائيليين يقومون ببناء هذه المواقع شبه الدائمة في خمسة مواقع على الأقل: موقع على الخط الأزرق في اللبونة جنوب الناقورة حيث يقع مقر “اليونيفيل”، وموقع ثانٍ على جبل بلاط مقابل مستوطنة زاريت الاسرائيلية وموقع مجمع إسرائيلي بارز خلال سنوات الاحتلال، وموقعان آخران على التلال المجاورة في تلة عزية وجبل عويضة بالقرب من قرية كفركلا الحدودية اللبنانية، وموقع خامس على تلة حمامص المواجهة لمدينة المطلة الاسرائيلية.
في المقابل، ترى مراجع أمنية لبنانية أن إسرائيل تتمتع بتغطية جوية كثيفة فوق جنوب لبنان، ولا تحتاج إلى وجود على الأرض لأغراض المراقبة على مساحة محدودة نسبياً من الحدود. كما لم تبدِ إسرائيل أي تردد خلال الشهرين الماضيين في شن هجمات ضد أي تحركات مشتبه بها لـ”الحزب” ترصدها شمال الليطاني وجنوبه. فضلاً عن ذلك فإن الجيش الاسرائيلي يخطط أيضاً لبناء سلسلة من المجمعات العسكرية الجديدة على الجانب الاسرائيلي من الحدود بين السياج والبلدات والمستوطنات لتوفير حماية أفضل لسكّانه كما يتردّد.
أما الموقف الأميركي المتساهل مع اسرائيل فيبدو أشبه برسالة إلى الرئيس عون بأن “حزب الله” لا يزال موجوداً في بعض المواقع في جنوب الليطاني، وهناك عدم رضى غربي عن طريقة انتشار الجيش اللبناني الذي يُطلب منه أميركياً أن يكون أكثر حزماً.
وترافق هذا القرار الأميركي-الاسرائيلي مع خرق الطائرات الحربية الاسرائيلية لجدار الصوت أول من أمس فوق الأراضي اللبنانية، ما أثار الذعر لدى الكثير من المواطنين، وخصوصاً أن العملية جاءت مفاجئة، أرادت منها اسرائيل ايصال رسالة بأن “الحزب” لا يزال تحت سيطرتها، ولن تتهاون أمام أي تحرّك له. وهي بالفعل، لا تزال تنفّذ ضربات تستهدف مخازن أسلحة “الحزب” أو أي محاولة منه لتهريب الأسلحة. وتشير المعلومات من واشنطن إلى أن اسرائيل قدّمت إلى الادارة الأميركية اثباتات بأن الجيش اللبناني لم يستكمل انتشاره على نحو فاعل في الجنوب، وفق شروط وقف إطلاق النار، ولم يمنع “الحزب” من إعادة تنظيم صفوفه. وحذّرت من أن التنظيم الشيعي المسلّح يريد العودة إلى منطقة الحدود بمجرد مغادرة جيش الدفاع الاسرائيلي.
وتؤكّد التقارير الغربية أن الاسرائيليين يقومون ببناء “قواعد عمليات متقدمة شبه دائمة” على قمم التلال القريبة من الخط الأزرق، علماً أن الجيش اللبناني بات موجوداً بكثافة في المنطقة التي تقع جنوب نهر الليطاني وتمكّن من السيطرة على شبكة أنفاق ضخمة تحت الأرض.
لكن اسرائيل، من جانبها، دمّرت مئات المنازل وأماكن العبادة والطرق والبنية الأساسية للكهرباء والمياه في القرى الجنوبية الحدودية، وهذا ما اعتبره البعض سياسة متعمّدة لإنشاء حزام من الأراضي المتاخمة للحدود والتي لا يمكن العيش فيها تقريباً. ولم تكتفِ بذلك، إنما اقتلعت الأشجار لتدمير الغطاء الأرضي على طول الجانب اللبناني من الخط الأزرق. ونشرت مادة كيميائية تمنع نمو الأشجار على طول مساحة من الأراضي اللبنانية المتاخمة مباشرة للخط الأزرق، ما يمنح جنودها رؤية أفضل للمنطقة. علماً أن مقاتلي “الحزب” استخدموا هذه الشجيرات الكثيفة وأشجار البلوط لإخفاء أنشطة حفر الأنفاق ومراقبة تحركات القوات الاسرائيلية على الجانب الآخر من الحدود.
كل العوامل والظروف أصبحت مهيأة لاسرائيل كي تبقى في الخطوط الأمامية في الجنوب، بحيث لا تبدو أنها تنوي الانسحاب، بل تحظى أيضاً بمباركة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهذا ما قد يعقّد المشهد الجنوبي، ويخلق مبررات لـ”الحزب” كي يتمسّك بسلاحه، على الرغم من أنه فقد القدرة على ردع اسرائيل بعد الحرب الأخيرة.
جورج حايك- لبنان الكبير



