لو إلتقيتُ الرئيس الشهيد رفيق الحريري

ذلك الرابع عشر من شباط يا دولة الشهيد وشهيد الدولة، تحوّلت من مشروع تفوّق إلى سموّ أيقونة. يوم الانهيار كان أو هكذا أرادوه، لكنك جعلته بصفاتك النادرة يوم تحرر ووحدة وثورة…
إغتالوك يا جبلنا الشاهق الشامخ، الممتد هيبةً ووقاراً وقوة. إحتاجوا لإنفجار يهزّ العاصمة حتى يقصوك، وما أفلحوا، لأنهم جهلوا أنّ الوطن ينصهر في النار ويتبلور، ولا يذوب أبداً. أضحى الرماد بذوراً لجيل جديد واعد، ارتوى من ينابيع حبك، ونما في ظلال الإخلاص لك. وإنّ الثمار التي تكوّنت لا زالت تفوح كل عام في ذكراك، شباب وشابات بعمر غيابك وسِنّ الحاجة إليك.
حينها كان عمري 15 عاماً، ذروة العنفوان، وقمّة الحلم، وجوهر التفتّح، كنت في أوج البدايات التي تشبه المستحيل بإصرار. خطفوك مني وقد كنت عالمي. كنت أتابع أخبارك وإنجازاتك عبر الشاشات، وأشيّد لك في مخيّلتي قصراً من أمل ومحبة ووفاء. وهذا القصر انبرى مملكة كاملة إقتبست مداميكها من سلطان التعلّق بك والاقتداء بفكرك.
أيها الشهيد برونق فكرة أخّاذة مختلفة، أيها الشهيد بدمعة تسيل من دون إنقطاع، فشلوا في إبعادك عني، لأنّ روحك حاضرة معي، وطيفك ملتصق بكل تنهيدة حنين. ولم يحرمونا منك لأنك ماثل في الثنايا، نابض في الأفئدة، ومشعّ في الأذهان.
ما مشيتُ خطوة إلا وكنت معي، وما عبرت منعطفاً في حياتي إلا وسبقتني إليه، تسير أمام كل بحث علمي أنجزه، وتتوهّج في باكورة كل مقال صحفي أعدّه.
من دون جدوى هي كل محاولاتهم لإلغائك، لأنّ السعادة التي أوجدتها لا تُمحى ولا تزول، بل تُستعاد مع السعد، الذي يجسّد مستقبلنا المجيد الذي نبنيه من صفاء ماضيك.
لن أرثيك، وأنت تكلّمني كل يوم، فالرثاء للغائبين الصامتين. أما أنت فتهديني ابتساماتك مع بزوغ الفجر، يا من أيقظت في سكينتي الخجولة روح الإنطلاق والمبادرة لصراع الشرّ وأعوانه.
لم أخطّ النهاية بتاتاً في كتابتي لأجلك، لأن كلماتك تفيض لمّاحة ببساطة كبرياء، وخشوع صلاة، ومداد حبر خفّاق، يجعل الأوراق التي يبوح لها بمكنوناته، تزخر بالإعتزاز وتضطرب بالحماسة وتحيا بالتضحية.
بكينا نعم، ذرفنا مرارة الأحزان كلها حتى نبضت، احترقنا بلوعة وأسى فراق في كل برهة يتجدد، إكتوت قلوبنا أنيناً ويأساً. ولم يكن الحلّ الناجع لأسقامنا الشخصية والوطنية كافة سوى فلذة كبدك التي تركتها لنا، تسعفنا وتحمل لنا رجاء المراحل المقبلة.
لو التقيت بك لشكرتك على السعد الذي جعلته لنا منارة وبهجة، لو التقيت بك لناشدتك أن تزورني كل يوم مع عناوين الصحف، فعنوانك يبقى يضجّ بالحياة لأنه صادق ونزيه ومميز، فيما عناوينهم عابرة للمواقف والصغائر، مهدّدة مزمجرة، بالية وفانية.
لو التقيتك فعلاً لأخبرتك أنّ السنين المنصرمة لم تكن بالسهلة، بل كانت شديدة الوطأة، عرفنا فيها لؤم الشقيق ومكائد الحليف وظلم الجار.. وجابهنا كل عسر سياسي بنقاء السريرة.
لقاء الأجساد لن يحصل هنا، ولكن ما حاجتنا إليه، وأرواحنا تتآلف وتتجاذب أطراف النوايا والابتهالات.. ونؤمن بأن الله وحده سبحانه أحياك فينا رغم الرحيل، وأبقاك فينا رغم الإغتيال.
لا نهاب التعليق مهما كان، ولا نتأثّر به، لأنّ قلوبنا معلّقة بك، إنقضت أزمات وتوالت، ونحن لم ننتقل سوى من يديّ الرفيق إلى أنامل السعد.
د نسب مرعب- لبنان الكبير



