”بدعة” دستورية: لا نص في “الطائف” على “ثلاثية” تواقيع المراسيم!

إستحقاق تأليف الحكومة بات يشكل أول التحديات الداهمة للعهد، والتي يمضي الرئيس المكلّف نواف سلام في تذليل العقبات التي تعترض ولادتها، بعدما أمل في إنجازها قبل 27 الجاري (تاريخ إنتهاء المرحلة الأولى من إتفاق الهدنة)، خصوصاً مع خطورة تخلّف إسرائيل عن الانسحاب من الجنوب، إذ إن التعقيدات التي تواجه سلام في عملية التشكيل الحكومي، لا سيما موقف “الثنائي الشيعي” بدأت تلقي بظلالها على مسار التأليف، وسط مخاوف من إهدار فرصة ثمينة لمصالحة لبنان مع محيطه العربي والدولي.
“الثنائي الشيعي” لا يزال يصر على الاحتفاظ بوزارة المالية، وهو ما يلاقي اعتراضات من قوى سياسية تتمسك بمبدأ المداورة في توزيع الحقائب السيادية والأساسية، الأمر الذي يهدد بإطالة أمد التشكيل الحكومي، في وقت يضغط المجتمع الدولي من أجل الانتهاء من العملية للالتفات الى قضايا جوهرية مثل الاصلاحات وإعادة الإعمار، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن تأليف الحكومة يسير على تقويم إصلاحي، لا سيما أن حكومة العهد ستكون أمام مهمتين اثنتين: إعادة إعمار لبنان وإعادة إعمار سياسية، ما يقتضي التفلّت من منظومة حكم الأحزاب والطوائف وبدء مرحلة وقف الفساد، وذلك لإعطاء إشارة إيجابية إلى الخارج بأن لبنان بات على السكة الصحيحة.
ويدّعي الثنائي أن وزارة المالية، وهي وزارة “سيادية”، من حق المكون الشيعي وأنه جرى التفاهم بشأنها في اتفاق الطائف، في حين ليس هناك أي نص مكتوب يشير إلى ذلك، علماً أن وزارة المالية أعطيت سابقاً لوزراء من غير الطائفة الشيعية في أكثر من حكومة نتيجة تفاهمات معينة من أجل حلحلة عقد التشكيل، في وقت كانت هذه الحكومات من لون سياسي واحد، أو كان مركز القرار فيها مضموناً.
مطالبة “الثنائي” بوزارة المال هي من أجل القول إنه شريك فعلي في القرارات الحكومية، حيث أنّ وزير المال هو أكثر من يوقع في الحكومة على مراسيم، لأن غالبية القرارات بحاجة إلى نفقة، أي بحاجة إلى توقيعه، لذلك فإن أي قرار في مجلس الوزراء لا يحظى بموافقة “الثنائي” فإن بمقدور وزير المالية عدم توقيعه وإيقاف إصدار المرسوم.
وتكمن أهمية وزارة المالية في أنها ذات أبعاد محورية اقتصادياً وإدارياً ومالياً وسياسياً، إذ يقتضي القانون اللبناني لتمرير 99 في المئة من القرارات الحكومية الحصول على ثلاث تواقيع وهي من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير المالية، أي أنه من خلالها يمكن التحكم وتعطيل عمل الحكومة والوزارات وعرقلتها، فوزير المالية من يحدد أولويات الصرف متى ولمن، كما أنه يعطل التعيينات والتشكيلات القضائية والأمنية والإدارية، بعدم إمضاء المراسيم.
على الرغم من تأكيد الرئيس نبيه بري أن “المالية” قد بتت في “الطائف” بأن تكون من حصة الطائفة الشيعية، فإن أحد النواب السابقين ممن شاركوا في مؤتمر “الطائف” يجزم بأن الحديث عن الاتفاق في “الطائف” على أن تكون وزارة المالية من نصيب الشيعة، لا سند له، كاشفاً أن موضوع حصول الطائفة الشيعية على حقيبة المالية طُرح خلال المناقشات التي سبقت إقرار اتفاق “الطائف”، وحينها طرح عدد من النواب بينهم الرئيس حسين الحسيني بأن تكون ولاية رئيس المجلس النّيابي 4 سنوات كاملة، بالاضافة إلى الحصول على حقيبة المالية، لكي يكون توقيعه على معظم المراسيم تكريساً لقاعدة “المثالثة”، لكنه شدّد على أنّ هذا الأمر لم تتم الموافقة عليه ولم يبت، وإلّا لكان قد ورد مكتوباً في وثيقة الوفاق الوطني كما وردت التفاصيل الأخرى.
وما يعزز هذا التوجه، أن حقيبة “المالية” لم تكن من نصيب الطائفة الشيعية في الحكومات التي أعقبت إتفاق “الطائف”، حيث أنه خلال تسعينيات القرن الماضي وحتى العام 2014 ظلت الحقيبة في معظم الوقت بيد الطائفة السنية، كما أنها أنيطت بمسيحي (جورج القرم) في حكومة الرئيس سليم الحص في عهد الرئيس إميل لحود، لكن الوضع اختلف منذ العام 2014، بحيث نجح “الثنائي” في “مصادرة” الوزارة، بدعم حينها من “التيار الوطني الحر”، من ضمن “السلة” المتكاملة التي تم التوصل إليها خلال “إتفاق مار مخايل”.
وعليه، فإن إصرار “الثنائي” على التمسك بوزارة المالية يتناقض مع المبادئ الدستورية الأساسية، حيث لا نص في الدستور لإعطاء صفة “سوبر” لأي وزير، بما في ذلك وزير المالية، لأن الوزراء متساوون، ولا يحق لأي وزير أن يعطل قرار أي وزير آخر، بعدما كرّس “الطائف” مأسسة مجلس الوزراء مجتمعاً بإتخاذ القرارات، ما يؤكد أن تمسك “الثنائي” بوزارة المالية أشبه بـ”بدعة” دستورية، وأقرب ما تكون إلى “هرتقة” سياسية، تمارس على سبيل الإبتزاز والإستقواء لعدم سريان أي من القرارات والمراسيم التي تكون مرفوضة من “الثنائي”، ما يتسبب في كثير من الاستحقاقات المتعلقة بالسلطة التنفيذية الى التعطيل.
زياد سامي عيتاني- لبنان الكبير



