السعوديون في لبنان: لسنا سُيّاحاً ولا جمعيات خيرية “اختلفوا واخسروا كل شيء”!

نحن في مرحلة تحولات أساسية لا يجب أن يأكل فيها الفاجر مال التاجر، ولا يجب أن يديرها رجال يرتدون القفازات بدل القبضات الحديد.

ونحن في مرحلة كان يجب على العهد منذ اليوم الأول أن يتعامل مع الممانعين كمغامرين خسروا منطق السلاح وقوته في مواجهة اسرائيل، لا كمسلحين يمكن أن يربحوا حرباً مع اللبنانيين.

هذه هي الانطباعات التي بدأت تتراكم مبكراً لدى الغالبية اللبنانية التي ظنت أنها خرجت من الوصاية الايرانية الى الرعاية الرسمية، ومن سطوة الميليشيات الى كنف الدولة، ولدى العالمين العربي والدولي اللذين يبدوان أكثر جدية وأكثر صرامة في مواجهة الثنائي الشيعي الذي يستغل دماثة نواف سلام وانفتاح جوزاف عون لرفع سقف المطالب والضغوط، في محاولة لاحراج رئيس الحكومة المكلف وإخراجه، ولفت رئيس الجمهورية الى أن خطاب القسم لن يكون أكثر من حبر على ورق اذا حاول تطبيقه بالقوة، وأن أي عهد لا يمكن أن ينجح على حساب الشيعة ومن كيسهم، وأن أي قوة عسكرية لا يمكن أن تتقدم على سلاحه، وأن أي رهان على الخارج لا يمكن أن يكون فاعلاً من دون المرور بطهران.

وليس سراً أن “حزب الله” والرئيس نبيه بري أثبتا أنهما أكثر الماماً بعامل الوقت من أخصامهما في المعارضة ومن السلطة معاً، وأكثر حنكة في ابتلاع الصدمة وتحويلها الى هجوم مضاد مستغلين تشرذم المعارضين من جهة، وتردد السلطة السياسية من جهة ثانية في “ضرب الحديد وهو ساخن” وفي تطبيق القرار ١٧٠١ لجهة نزع السلاح، وترسيم الحدود وضبطها وسواها من مندرجات القرار الدولي.

لكن وفي المقلب الآخر، لا بد أن عون وسلام يدركان في العمق أنهما لا يستطيعان تجاهل الثنائي الشيعي، كما تتمنى جهات لبنانية واقليمية ودولية، ولا يستطيعان أيضاً تجاهل هذه الجهات ومراضاة طرف يرفض الاقرار العلني بأن عقارب الساعة لن تعود الى مرحلة يأتمر فيها بولاية الفقيه حصراً، ويحوّل فيها مناطق واسعة من لبنان الى أنموذج لجمهورية اسلامية مصغرة ما يضعهما معاً أمام بوابتين: اما الخروج من النفق بمساعدة العالم واما البقاء فيه بفضل التردد والمحاباة والدعسات الناقصة.

وتذهب مصادر ديبلوماسية مطلعة بعيداً الى حد القول إن الرئيس عون ألقى خطاباً نارياً يبدو أكبر من امكاناته في مكان وأبعد من نياته في مكان آخر، وان الرئيس المكلف ألقى خطاباً “طوباياً” لا ينفع مع أهل السلاح، معتقداً أن المرحلة تتطلب لغة هادئة وجامعة، قبل أن يدرك سريعاً أن الطرف الذي يسترضيه لم يعتد خلال السنوات العشرين الماضية أن يعمل في السياسة اللبنانية وكأنها عمل من أعمال الإعاشة أو عمل من أعمال التلقي لا أعمال الفرض والتحكم.

وتضيف ان العهد قدم لغة المراضاة على لغة الحسم، فلم يفكك حتى الساعة عقدة الثنائي الشيعي ويكاد يفقد الفرصة العالمية السانحة لبناء دولة سيدة ومزدهرة، وهو ما دفع بوزير الخارجية السعودية فيصل بن فرحان الى النزول في بيروت في زيارة خاطفة نقل فيها الى طرفي العهد وطرفي الثنائي ما تردد أنه واحد من خيارين: اتفقوا واحصلوا على كل شيء أو اختلفوا واخسروا كل شيء، محاولاً أن يفهم الطرفين أن السعوديين وأهل الخليج ليسوا سياحاً فقط ولا جمعيات خيرية، وأن أي لبنان يشبه لبنان العقدين الأخيرين لن يكون له مكان في الوجدان السعودي الذي ذاق من “حزب الله” ما ذاقه من حملات سياسية واعلامية وأمنية غير مسبوقة، وهو أمر لن يكون مختلفاً عما يمكن أن يحمله وزراء خليجيون آخرون الى بيروت.

وأكثر من ذلك، لا تبدو الرياض في وارد الابقاء على قطيعتها مع الرئيس سعد الحريري العائد الى بيروت في ذكرى “الرابع عشر من شباط” لالقاء خطاب سياسي هو الأول له منذ اعتكافه قبل بضع سنوات، في خطوة تؤشر في ما يبدو الى وجود قرار خليجي يقوم على أمرين: الأول تأمين غطاء سني فاعل للرئيس المكلف سلام، والثاني احياء تيار “المستقبل” قبل عام ونصف العام من الانتخابات النيابية وتكريسه خطاً معتدلاً في مواجهة الأصوليات السنية من جهة، ونداً يعتد به في مواجهة الاحتكار الشيعي للقرار الاسلامي في البلاد من جهة ثانية.

وليس من قبيل المصادفة أن تخرج الى العلن أصوات تدعو سلام الى تشكيل الحكومة التي يراها مناسبة ويذهب بها الى البرلمان لنيل الثقة، معتبرة أن مثل هذه الخطوة ستضع نواب المعارضة قبل سواهم أمام امتحان جدي قد يفقدهم ثقة الناس في حال الحجب، ويكسبهم اياها في حال المباركة، وتضع محور الممانعة أمام تهمتين، الأولى تدمير البلد من خلال حرب متهورة وعبثية، والثانية تدمير الدستور والوفاق الوطني واتفاق الطائف دفعة واحدة في حال الحجب.

والسؤال هنا، ماذا يمكن أن تحمل الأيام القليلة المقبلة؟

الجواب ربما يأتي من الجنوب في حال أخلّت اسرائيل بتعهد الانسحاب في الوقت المحدد الأمر الذي قد يعطي “حزب الله” جرعة يستفيد منها للتملص من القرار ١٥٥٩ والتشكيك في الجيش والدولة كبديل للمقاومة، أو في حال التزمت به لتعطي الجيش اللبناني فرصة جدية لضبط الحدود وتطبيق ما جاء في القرار ١٧٠١ بكل مندرجاته.

وسط هذه الأجواء، يتفق الكثير من المراقبين على أن العالمين العربي والدولي أديا قسطهما في ملء الفراغ الرئاسي، وأن الأمر يتوقف الآن على تصميم الرئيس عون على ترجمة خطابه اذا أراد فعلاً أن يكون مختلفاً عن سياسات أسلافه، وعلى اصرار نواف سلام على عدم السقوط أمام خصومه والحؤول دون تراكم الأقاويل والوشوشات التي تقول ان الرجل ليس رجل هذه المرحلة تحديداً، متخوفين من أن يكون خرج من رئاسة محكمة العدل الدولية ليرأس مستنقعاً في لبنان لا يرحم أحداً ولا يفتح الطريق لبناء دولة لغير الفاسدين ولا لبناء نهج اصلاحي من صنع الأوادم.

فهل يفعلها نواف سلام ويثبت أن الدماثة ليست ضعفاً، وأن العدالة التي كانت تحتاجه في لاهاي تحتاجه اليوم في لبنان، وأنه ليس من طينة الرجال الذين يفشلون في الامتحان الأول ولا يسقطون من الضربة الأولى؟

لننتظر.

انطوني جعجع- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة