“الحزب”… من التمسكن الى التمكن: هل يسلك عون الثاني ما سلكه عون الأول”!؟

لم تمضِ بضعة أيام على انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتكليف نواف سلام تشكيل الحكومة العتيدة، حتى بدا الرأي العام اللبناني الحر وكأنه ينتقل من كيان مفعم بالآمال الى كيان مسكون بالهواجس.
السبب في ذلك يعود في جزء كبير منه الى ظهور أجواء بين قصر بعبدا والسراي والضاحية الجنوبية تشبه في الشكل ما حدث بعد انتفاضة “الرابع عشر من آذار”، أي أجواء من التساهل والتراخي سمحت للتيار الايراني الذي يقوده “حزب الله” بالخروج من الزوايا الضيقة الى ساحات بيروت ومنها الى كل لبنان.
وليس سراً أن القيادات التي شاركت في “ثورة الأرز”، ساهمت سواء قسراً أو عفواً، في سحب الراحل حسن نصر الله من عزلته وذلك عبر ثلاثة بوابات رئيسة هي: أولاً التحالف الرباعي الذي ضم “حزب الله” و”القوات اللبنانية” التي كانت تديرها موقتاً وقتذاك ستريدا جعجع، وثانياً مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في مجلس النواب وشارك فيه سمير جعجع وأركان المعسكر السيادي، وثالثاً “اتفاق مار مخايل” الذي وفر لمحور الممانعة غطاء شعبياً مسيحياً واسعاً مكّنه من الخروج الى الضوء ومنه الى السلطة المطلقة التي تكرّست بعد حوادث “السابع من أيار”.
ما جرى في تلك الحقبة لا يختلف كثيراً عما يجري الآن، في وقت تتخذ السلطة الجديدة، وفق التسريبات الخارجة من المطابخ المغلقة، منحى رضائياً واضحاً مع “حزب الله” الذي يجد نفسه بعد عشرين عاماً على العزلة التي أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، في عزلة أشد وقعاً ناتجة عن سلسلة نكبات تلقاها أولاً من اسرائيل التي أخرجته عسكرياً من محور الممانعة، وثانياً من “هيئة تحرير الشام” التي أخرجته مع حليفه بشار الأسد من سوريا، وثالثاً من التدويل الذي أسقط مرشحيه في الرئاستين الأولى والثالثة أي سليمان فرنجية ونجيب ميقاتي.
وقد يقول قائل إن من المبكر إصدار أحكام قبل اعلان التوليفة الحكومية العتيدة، وان الأمر يتطلب بعض التروي لا بل بعض الحكمة، مشيراً الى أن الوقت ليس وقت “عنتريات” في مواجهة نمر جريح ينشب أنيابه في كل مكان تحت شعار “علي وعلى أعدائي”.
لكن قائلاً آخر، يرد أن مثل هذه السياسة لم تنجح قبل في تهدئة هذا النمر المعزول الذي استفاد من عامل الوقت سريعاً وتحول الى فصيلة من النمور سرعان ما سيطرت على البلاد من القمة الى القاعدة، مشيراً الى أن “حزب الله” يتبع السياسة نفسها تارة عبر التمسك بالدستور والميثاقية والشراكة الوطنية وتارة بالتهويل والسلاح كما يفعل الآن.
والواقع أن ما يدركه الحكم الجديد في البلاد يكمن في أن الاعتماد على الغطاءين الأميركي والعربي لتعبيد الطرق الى النهايات السعيدة، ليس أمراً مضموناً، وأن سياسة تدوير الزوايا التي بدأت ملامحها بالظهور سريعاً لا تعطي العهد الجديد ما لم تأخذه العهود السابقة وتحديداً عهد ميشال عون الذي تحول من خانة “العهد القوي” الى خانة “العهد الشبح” الذي لا يراه أحد ولا يشعر به أحد.
وتهمس مصادر مواكبة لما حدث ويحدث منذ ملء الفراغ الرئاسي، أن الرئيس نبيه بري، كان أكثر جرأة في التعطيل وأكثر حكمة في التحصيل، في وقت لم يعتمد مع “حزب الله” شعار التمسكن للتمكن كما فعل في العام ٢٠٠٥ مفضلاً عليه شعار التمكن بكل الوسائل المتاحة في الدستور والأعراف والشوارع.
وتضيف المصادر ان الرئيس عون الذي كان يفضل التعامل مع الرئيس ميقاتي لفترة انتقالية محددة، وجد نفسه بعيداً قليلاً من خطاب القسم وآثر في ما يبدو اطلاق عهده ببعض التنازلات ومنها اعطاء الثنائي الشيعي المقاعد التي يريدها في الحكومة العتيدة وفي مقدمها حقيبة المال، لا بل عدم منح حقائب سيادية لفريق سيادي صدامي وبينها حقيبتا الخارجية والداخلية، مؤكدة أن مثل هذه التنازلات، اذا حدثت، لن يكون لها وقع طيب لدى الرأي العام اللبناني الذي خرج بعد خطاب القسم معولاً النفس على وطن من نوع آخر وقيادة من طينة أخرى.
وتذهب المصادر بعيداً الى حد اتهام عون وسلام بالتركيز على القسم الاسرائيلي من القرار ١٧٠١ وتحاشي أي اشارة الى القرار ١٥٥٩ في محاولة واضحة لطمأنة الفريق الممانع، وعدم الرد على تفسيرات نعيم قاسم الذي يوحي بأن ما جرى ليس الا معركة من معارك مقررة في المستقبل، مشيرة الى أن الوضع في لبنان الآن منقسم بين فريق يتصرف وكأنه لم يخسر شيئاً وفريق يتصرف وكأنه لم يربح شيئاً.
وسط هذه الأجواء، لا بد من انتظار التشكيلة الحكومية العتيدة لاطلاق الأحكام الواقعية واستكشاف النهج الذي يسلكه العهد الجديد، في وقت يتخوف البعض من أن يسلك عون الثاني ما سلكه عون الأول أي ارضاء الشيعة على حساب السنة والمسيحيين، فينتهي به الأمر خصماً للشيعة والسنة ونقيضاً للمسيحيين.
انطوني جعجع- لبنان الكبير



