“الثنائي” عاتب دون أن يقاطع.. هل من ضمانات ممكنة؟

“لست من أهل الإقصاء، بل من أهل الوحدة، ولست من أهل الاستبعاد، بل من أهل الشراكة الوطنية”… جملة في سياق البيان الذي أذاعه الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نواف سلام، عقب تبلغه التكليف رسمياً من رئيس الجمهورية جوزاف عون، بالغة الدلالة عن أنه خارج أي إصطفاف أو فريق، بمعزل عن إنتماءات النواب الذين منحوه ثقتهم، وأنه يتمتع بإستقلالية تامة، ليرد بديبلوماسيته الراقية على موقف “الثائي الشيعي” بشأن حصوله على العدد الكافي من أصوات النواب التي حسمت تكليفه.
“الثنائي” إعتبر أن ما حصل يشكل إنقلاباً على التفاهمات، فكل الوقائع كانت تشير إلى أن توجه الكتل كان نحو تسمية نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة (وهذا خيار “حزب الله” وحركة “أمل”)، لكن ما حصل جاء مغايراً لكل التوقعات، كما يتهم قوى سياسية بإستهدافه، وبأنها تبني مواقفها السياسية على المتغيرات في الشرق الأوسط، وخصوصاً الحرب الاسرائيلية الأخيرة على لبنان. كذلك، فإن “الثنائي” يعبّر عن إستياء على ما اعتبره كميناً وخديعةً أفضت الى إطاحة الإتفاق (الضمانات) عندما وافق على تسمية العماد عون للرئاسة، إذ إن عودة الرئيس ميقاتي كانت من أبرز بنوده.
وإذا كان النائب محمد رعد قد عبّر عن غضب حزبه وعدم التزام كتل ونواب السير بتسمية ميقاتي، فإن عتباً لا يخفيه رئيس البرلمان نبيه بري حيال صديقه “العتيق” وليد جنبلاط ولو من دون أن يسميه، بحيث لم يلتزم معه بميقاتي. في ضوء ذلك، ذهب بعض المحللين إلى أن ما حدث قد ينذر بأزمة سياسية محتملة تزيد من الانقسام السياسي، في حين إعتبر آخرون أن نتائج الانتخابات الرئاسية وتسمية سلام قد تشكل بارقة أمل للبنان يستعيد من خلالها عافيته، خصوصاً أن الثنائي وحلفاءه اكتفوا بعدم تسمية مرشح، وهو ما رأى فيه مراقبون “امتناعاً عن العرقلة”. ورأى المحللون أن تشكيل الحكومة سيكون المقياس لمعرفة أين ستتجه الأمور، فإذا كانت حكومة تحد لـ “حزب الله” وحركة “أمل” فإن البلاد ذاهبة نحو أزمة لا سابقة لها، أما إذا جرى العمل على استيعاب نتائج الانتخابات الرئاسية وتشكيل حكومة تراعي الميثاق الوطني (التوازن الطائفي) من خلال التوافق الداخلي، فإن بالإمكان أن يصار إلى احتواء الأزمة.
مقاطعة “الثنائي” للإستشارات التي يجريها الرئيس المكلف، وكذلك عدم حضور بري إلى البرلمان للقاء سلام ثنائياً على ما درجت العادة عند انطلاق مسار التأليف، برأي المراقبين، ليست إنقلاباً على تسمية “الثناني” لعون رئيساً، بل هي تسجيل موقف إعتراضي على الاخلال بالإتفاق. وعليه، يعوّل على “الساحر الماهر” الرئيس بري الذي يجيد ببراعته السياسية، تحويل “الانتكاسة” إلى فرصة متجددة لاستعادة ما خسره وإثبات حضوره وموقعه على الصعيدين الوطني والشيعي، بحيث أن عدم إجتماعه مع سلام وإمتناع كتلته وكتلة الحزب عن المشاركة في الاستشارات، هدفها دفع الرئيسين عون وسلام الى محاورته والتفاوض معه وطمأنة الفريق الشيعي، والحصول مجدداً على الضمانات التي اتفق عليها، فضلاً عن تشكيل حكومة تراعي التوازنات و”الميثاقية” التي عبّر عنها النائب رعد، لتقدم لهما “تعويضاً” لما خسراه بعد تكليف سلام.
الرئيس بري يدرك التحولات الجذرية في لبنان والمنطقة وعرف كيف يتعاطى معها بواقعية، في حين أن الحزب لا يزال يحتاجالى لمزيد من الوقت للتعامل مع تلك التحولات والمتغيرات (أوساطه تكشف عن ورش تقييم ومراجعة شاملتين للمرحلة السابقة، للخروج بإستنتاجات ستشكل منطلقاً لصياغة برنامجه السياسي للمرحلة المقبلة)، لذلك فإنهما محكومان بالتعاطي بمسؤولية وواقعية مع تشكيل الحكومة وإنطلاقة العهد، من دون التنازل عن حقوقهما ومكتسباتهما السياسية، ما يدفع الرئيس بري (بالأصالة عن نفسه، ونيابة عن الحزب) الى التفاوض على العناوين التي تعيد لهما المطلوب من الضمانات، وتحديداً تركيبة الحكومة، ووزارة المال (يصر الثنائي على أن تبقى مع المكون الشيعي باعتبارها توفّر له التوقيع الميثاقي في السلطة التنفيذية)، وآليات التعيينات، وقيادة الجيش، وحدود تطبيق القرار 1701 وحصره بجنوب الليطاني، وإعادة الإعمار.
إلا أن الضمانات التي يطلبها “الثنائي”، ليس بالضرورة أن يكون سلام قادراً على إعطائها أو حتى موافقاً عليها أو على بعضها، باعتبار أن ذلك سيعني إختزالاً مسبقاً لمجلس الوزراء وتركيبته وتوازناته، كما أن ذلك سيعني خضوعه للإملاءات، وهو ما يتناقض مع “شخصيته” وأسلوب عمله وفقاً لخلفيته “القضائية”. بناء عليه، مقاطعة الاستشارات قد لا تمتد إلى الحكومة، وهو ما يبقى رهناً بمآلات الاتصالات الداخلية المستمرة، إضافة إلى دخول خارجي على الخط، خصوصاً أن “الثنائي” يخشى من “عزلة”، بعدما إستدار حلفاء سابقين له، ما سينعكس إحباطاً على بيئته الشعبية، لذلك فهو قاطع لكنه لن “يقطع”، مراهناً على أن يأخذ ما يكفي من ضمانات “ممكنة” بشأن الحكومة، وفق التصور الذي سيبلوره سلام بالتفاهم مع عون على شكلها وتركيبتها وبرنامج عملها.
زياد عيتاني- لبنان الكبير



