عقوبات أميركا و”شنط” المال: في ٩ كانون الثاني… هل تفتح بعبدا أبوابها؟

هل تفتح بعبدا أبوابها لرئيس جديد في التاسع من كانون الثاني المقبل؟
سؤال يراود الكثير من المراقبين المحليين والخارجيين في وقت لا يزال المرشح الذي يمكن أن يكون الاستثناء بين جميع المرشحين، الشبح الذي لم يظهر بعد أو لم يظهره أحد.
حتى الآن تكشف مصادر مطلعة أن جلسة التاسع من كانون الثاني ستشهد منافسة بين أربعة مرشحين أساسيين هم العماد جوزيف عون المدعوم من الولايات المتحدة، وسمير عساف المدعوم من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والنائب جبران باسيل، وجهاد أزعور المدعوم من المعارضة في معظمها، والياس البيسري المدعوم من قطر وبعض الحيثيات النيابية.
وتضيف في ما يتعلق بالمرشحين الآخرين، أن المرشح سليمان فرنجية بات مقتنعاً باستحالة الوصول الى بعبدا محاولاً أن يحجز، بدلاً من ذلك، مقعداً وافياً في أي تركيبة سياسية مقبلة، في حين لا يحظى المرشحون الآخرون، أي نعمت افرام وزياد بارود وفريد الخازن وفريد البستاني وابراهيم كنعان، بأي فرص جدية، وأن بقاءهم في المنافسة لن يؤدي الا الى تشتيت الأصوات ومنع أي مرشح من الحصول على العدد الكافي للفوز أي ٦٥ صوتاً، الأمر الذي سيؤدي حتماً الى تأجيل الجلسة تحت شعار لم يكن في الامكان أكثر مما كان.
والواقع أن الرئيس نبيه بري وخلفه “حزب الله”، يجهدان للحؤول دون تأجيل الجلسة بأي طريقة كانت، وسط اقتناع من الطرفين بأن الذهاب الى البرلمان قبل دخول الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى البيت الأبيض يبقى أفضل من الذهاب اليه بعد ذلك.
ورشح من مصادر بري، أن الظرف الحالي وعلى الرغم مما أصاب محور الممانعة من نكسات وضربات، لا يزال يملك الفرصة لانتخاب رئيس غير صدامي، أو على الأقل رئيس يمكن الركون اليه في بعض الملفات الحساسة ولا يقدم على أي خطوات يمكن أن تنقل لبنان من محور هما أسياده الى محور يجلسان فيه على مقاعد خلفية.
وتضيف المصادر، أن لكل من الثنائي الشيعي شروطه ومطالبه، مشيرة الى أن بري يشترط لتأييد هذا من المرشحين أو ذاك ثلاثة مفاتيح: الأول حصر المساعدات التي تتعلق باعادة الاعمار وسواها من التعويضات بمجلس الجنوب الذي يسيطر عليه منذ ابرام اتفاق الطائف، والثاني الاحتفاظ بوزارة المال التي تحتفظ دستورياً بالتوقبع الثالث بعد توقيع رئيسي الجمهورية والحكومة على المراسيم والقرارات، والثالث عدم التعرض للسلاح الشيعي بموجب القرار ١٥٥٩، وهو الشرط الذي يجمعه تماماً مع “حزب الله” الذي يعمل لاعادة تنظيم صفوفه، ومنع قيام أي سلطة سياسية أو أمنية قد ترخي قبضتها على مفاصل القرار في لبنان الذي تحول الى المتنفس الوحيد لمحور الممانعة بعد سقوط بشار الأسد واقفال حدود سوريا مع كل من العراق وتركيا والأردن أمام فلول النظام السابق وأمام كل أنواع الروافد الحيوية من سلاح ورجال وأموال.
وانطلاقاً من هذا الواقع يمكن فهم الاصرار الذي يبديه بري لعقد جلسة التاسع من كانون الثاني وعدم الخروج منها خالي الوفاض، متخوفاً من تطور عسكري ما في المنطقة قد يزيد وضعه سوءاً ويزيد في المقابل من فرص المعارضة للوصول الى رئيس لا يمكن التعايش معه ولا الخضوع له.
هذا الخوف، وفق ما يدور في المنطقة من تحديات وتوترات وتغييرات، ينبع من تقارير تتحدث عن أمرين جوهريين: الأول احتمال استئناف الحرب في لبنان في وقت توحي اسرائيل بأن مهمة القضاء على ترسانة “حزب الله” لم تنجز بعد مشككة بقدرة، لا بل بنية الجيش اللبناني تنفيذ القرار ١٥٥٩، والثاني ضرب المنشآت النووية والنفطية الايرانية وتحريك الشارع الايراني على غرار الشارع السوري، بعد وصول الاسرائيليين والأميركيين الى اقتناع راسخ بأن القضاء على محور الممانعة لن يكون ممكناً من دون اسقاط النظام الحاكم في طهران.
وثمة أمر آخر لا يقل أهمية، ويتمثل في الطوق الذي يفرضه أحمد الشرع في دمشق على ايران ورجالها ومنافذها من جهة، والتحركات التي توحي باحتمال قيام تحالف بين الحكم السوري الجديد والسنة اللبنانيين اضافة الى الدروز وبعض أركان المعارضة اللبنانية، وهو ما يعيد عقارب الساعة الى العام ١٩٨٢ أي الى العام الذي شعر فيه نبيه بري أنه خسر كل شيء.
حتى الآن، يحاول كل فارس تسويق حصانه لا بل اختبار قدراته وتجاوباته سواء كان فارساً محلياً أو اقليمياً أو دولياً، وهو ما يفسر زحمة الموفدين الخاصين والرسميين الى بيروت عشية الانتخابات الفاصلة، في محاولة منهم لاستكشاف الفرص واستعراض المفاتيح النيابية التي يمكن أن تحسم الأمور لمصلحة هذا أو ذاك في اللحظة الأخيرة.
وحتى الآن أيضاً، لا يحظى أي من الأربعة الكبار بفرصة الفوز بالرئاسة الأولى على الرغم مما يتردد عن تقدم البعض وتراجع البعض، خصوصاً بعدما امتنعوا جميعاً عن كشف برامجهم العلنية ووعودهم الخفية التي تعهدوا بتلبيتها أو رفضها خلال جلسات الاختبار التي أجروها في باريس وواشنطن والرياض والدوحة وبكركي اضافة الى عين التينة التي تحولت الى المئذنة التي قد يخرج منها الدخان الأبيض قبل مئذنة البرلمان.
وهنا لا بد من السؤال، هل يعمد أي طرف من أطراف المعارضة الى خربطة الأوراق والأرقام والأصوات في البرلمان سعياً الى تأجيل الجلسة، مراهناً على تطورات قد تسهم أكثر في تكريس منطق الغلبة وتفتح الطريق أمام رئيس صدامي أو على الأقل رئيس لا يمكن السيطرة عليه؟
الجواب، وفق مقربين من المعارضة، أن خيار التأجيل يبقى أفضل الخيارات بعدما خسرت سلاح المبادرة خلال الحرب الأخيرة وتقاعست الى الحد الذي سمح للرئيس بري بشراء الوقت ولـ “حزب الله” بالتقاط أنفاسه والعودة الى الساحة الداخلية بقوة لافتة تمكن بها من امتصاص الزخم السياسي الذي أصاب المعارضة ومن فرملة دور الجيش في ضبط الحدود من جهة وفي تنفيذ القرار ١٧٠١ من جهة ثانية، مستفيداً من هذا الفراغ الشرعي اللبناني الذي يبقي اسرائيل في حال حرب ويبقي سلاح “المقاومة الاسلامية” في حال استنفار.
انها في اختصار الفسيفساء اللبنانية المعقدة التي يظن البعض أن قرار تفكيكها هو قرار محلي قد يكون في الضاحية أو عين التينة أو معراب أو المختارة أو الصيفي أو بنشعي، متناسياً أن هذا المجلس تحديداً هو المجلس المثالي في عالم اللاقرار، وأن كل ما يحكى عن بيضة قبان هنا وكلمة أخيرة هناك ليس، حتى اثبات العكس على الأقل، الا ضرب السيوف في المياه.
ولعل ما قاله مصدر ديبلوماسي عربي قد يحسم هذا الجدل المستمر منذ أكثر من عامين، كاشفاً أن الرهان على تطورات اقليمية أمر غير مضمون وأن من الأفضل التقاط خيار التاسع من كانون الثاني ما دام متاحاً.
وختم ان أمرين حاسمين “لم يدخلا على الخط حتى الآن وهما عقوبات أميركا وشنط المال” أي العقوبات التي تقلق الخائف على “جنى العمر” و”الشنط” التي تغري من دخل المجلس سعياً الى الجاه والمال ومن بعده الطوفان.
انطوني جعجع- لبنان الكبير



