«حزب الله» يتحضّر لـ«وضعية دفاعية لا هجومية»: خسرت إيران ورقة ثالثة من أوراقها!
تتسارع التطورات في سوريا بشكل لم يكن في حسبان الحلفاء ولا الخصوم. ما عاد الحديث يتمحور حول إمكانية إنقاذ نظام بشار الأسد، فسقوطه بات حتمياً طال الزمن أو قصر. خسرت إيران ورقة ثالثة من أوراق قوتها التي عملت عليها لسنوات طويلة في مشروع تمددها خارج حدودها. تباهتْ بأنها تحكم أربع عواصم عربية (العراق، ودمشق، وبيروت، وصنعاء). شكَّلت سوريا حلقة الوصل بين إيران ولبنان عبر العراق، وكان النظام السوري والحرس الثوري الإيراني والفصائل العسكرية الموالية له – بسيطرتهم على معبر البوكمال والميادين ومناطق في محافظة دير الزور – يؤمنون طرق الإمداد البريّ لنقل الأسلحة والذخائر خصوصاً إلى “حزب الله” في لبنان.
بعد ضرب إسرائيل “حزب الله” وإضعافه وإبعاده ومن خلفه إيران عن الحدود اللبنانية مع إسرائيل، جاء دور نظام الأسد في سوريا. هناك عوامل وأبعاد داخلية عديدة آلت إلى هجوم فصائل المعارضة المسلحة بتلاوينها وتشكيلاتها بقيادة “هيئة تحرير الشام” (النصرة سابقاً) وزعيمها أبو محمد الجولاني. ولكنْ أيضاً هناك أبعاد إقليمية ودولية تقاطعت في لحظة إعادة ترتيب المنطقة برمتها بعد التحوُّلات والعواصف التي ضربتها وفي مقدمها هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 على إسرائيل، الذي لا يقل في تداعياته عن هجمات 9 أيلول/سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة.
ورغم أن الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم أطلَّ قبل أيام، معلناً “إننا في “الحزب” سنكون إلى جانب سوريا لإحباط أهداف العدوان بما نتمكّن منه”، إلا أنه من غير الواضح المدى الذي قد يذهب إليه “الحزب” وما إذا كان الموقف المعلن هو من قبيل ضرورة التضامن العلني لا الفعلي.
فـ”الحزب” لم يلتقط أنفاسه بعد، وأولويته اليوم التي لا تعلو عليها أولوية، هي لملمة جراحه، ودفن شهدائه، وإيواء حاضنته الشعبية، وإنهاض طائفته التي نُكبت بالكامل، وسُـوِّيَت الكثير من بلداتها بالأرض، وفقدتْ منازلها وأرزاقها ومصالحها وأعمالها. والاعتقاد السائد، وفق منظرين لصيقين بـ”الحزب”، هو أن اتفاق وقف إطلاق النار سيصمد ولن يسقط على خلاف ما يظنه كثيرون لأنه نتيجة تفاهمات كبرى، وأن “الحزب” سيُنفِّـذ بشكل دقيق مضمون القرار 1701 في ما خص جنوب الليطاني بالانسحاب الكامل عسكرياً من تحت الأرض وفوقها.
ما لا يقوله هؤلاء المنظرون هو أن وقف إطلاق النار إيذان بانتهاء مرحلة وبدء مرحلة جديدة. كانت إيران أمام خيار من اثنين: إقفال جبهة جنوب لبنان وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من “حزب الله”، أو بقاؤها وإكمال الإجهاز على “الحزب”. اختارت أهون الشرَّين وهو عدم الخسارة الكليّة لما بنته على مر أربعة عقود واستثمرت فيه طويلاً. المهم هو الحفاظ على ما تبقّى من “الحزب” ولو كان بالتسليم بانتهاء دوره العسكري كلاعب إقليمي من جنوب لبنان، والتحوُّل إلى لاعب سياسي ما دامت موازين القوى لا تسمح بغير ذلك اليوم، والرهان على الوقت لإعادة تجويف الاتفاق من مضمونه وبناء بنيته التحتية العسكرية، إذا تبدَّلت الظروف الإقليمية والدولية.
لن يكون ممكناً إنهاء “حزب الله” بنسخته العسكرية من دون قطع كل طرق إمداده بحراً وجواً وبراً. التحدّي الأكبر كان برياً، وهذا يتطلب قطع طريق طهران – بيروت، وعقدة الوصل تكمن في البوكمال والميادين اللتين كان “محور إيران” يعتبرهما شريان الحياة لمشروعه التوسّعي، يعني خسارة استراتيجية لا يُمكن أن يُسلِّم بها من دون مواجهة كان يصفها بـ”المواجهة الشاملة” عبر نظرية “وحدة الساحات”. اليوم قُطع هذا الشريان الحيوي، ليس فقط بانسحاب النظام والميليشيات التابعة لإيران من دير الزور، بل بسقوط مناطق للنظام كانت تُشكِّل خط العبور من دير الزور إلى حمص.
حماية نظام الأسد
يرى اللصيقون بـ”الحزب” أن ثمة فارقاً كبيراً بين إعلان الأمين العام السابق لـ”الحزب” السيد حسن نصرالله الذهاب إلى سوريا لحماية نظام الأسد وبين موقف قاسم. آنذاك (في العام 2012 – 2013) كانت موازين القوى، والظروف، والوقائع، والمعطيات، واللحظة، تفرض على “الحزب” ليس المشاركة من موقع الهجوم فحسب، بل أن يكون “رأس الحربة” في الهجوم. فهو الذراع الأقوى بين أذرع إيران، من فصائل الحشد الشعبي العراقي، إلى الميليشيات الأفغانية (فاطميون)، والميليشيات الباكستانية (زينبيون).
وقد برز تأثير غيابه في رد هجوم فصائل المعارضة السورية المسلحة، حيث ظهر أن أرضية المناطق التي استعادها النظام من المعارضة – ولا سيما عبر المصالحات – هي أرض رخوة وغير صلبة، ولا يمكن البناء عليها لمواجهة الهجوم الخاطف الذي استفادت في توقيته من “الوقت المستقطع” بين مرحلتين في البيت الأبيض، ومن ضعف النظام والظروف الميدانية مع خفض روسيا حجم وجودها العسكري بفعل انشغالها بأوكرانيا، ومع سحب “حزب الله” لأعداد كبيرة من مقاتليه إلى جبهة جنوب لبنان في “حرب إسناد غزة”، فضلاً عن الضربة القاصمة التي تلقاها “الحزب” خلال حرب الـ60 يومًا بين (16 أيلول/سبتمبر و27 تشرين الثاني/نوفمبر) بدءاً من رأس الهرم وصولاً إلى بنيته القيادية والعسكرية والميدانية واللوجستية ومروراً بتدمير ساحقة لبيئته الحاضنة التي تُشكِّل، عاطفياً ووجدانياً، الطيف الأوسع من الطائفة الشيعية.
اليوم لا يبدو أن “الحزب” قادر على أن يكون في وضعية هجومية بعد الذي مُني به من خسائر في قوته العسكرية، وقيادييه العسكريين والميدانيين، والنخبة من المقاتلين، والحاجة إلى إعادة ترتيب صفوفه الداخلية، وإلى إعادة تزخيم المبررات السياسية والأمنية والعقائدية أمام حاضنته التي لم تتضمّد جراحها بعد، ولا خرجت من شعور الهزيمة رغم كل المكابرة التي يُبديها “الحزب” وجمهوره وطائفته.
ما هو متوقع، بناء على واقع “المحور”، أن يأخذ “حزب الله” وضعية دفاعية. والسؤال هو: هل سيأخذ وضعية دفاعية على الحدود اللبنانية – السورية بحيث ينسحب من المناطق المحاذية التي سيطر عليها داخل سوريا، أم أنه سينسحب إلى داخل الحدود اللبنانية؟ ولا سيما أن المناطق التي استولى عليها في حمص، ولا سيما في القصير وفي القلمون اللتين هُجِّر أهلهما إلى لبنان، يقطن غالبية سكانهما المخيمات في المجتمعات السُّنية المضيفة في البقاع وشمال لبنان؟
في واقع الحال، لا جواب واضحاً، نظراً إلى أن ضبابية الصورة، والقرار الذي سترسو عليه إيران. فالاجتماع الثلاثي في بغداد بين وزراء خارجية سوريا والعراق وإيران لم يخرج بمواقف جليّة، بل ظهَّـر المؤتمر الصحفي للمسؤولين الثلاثة، حال الإرباك التي تعتري العراقيين والإيرانيين. يجهدُ العراق بصعوبة للتكرار بأنه لن يتدخل في ما يجري في سوريا، وأنه معني فقط بالحفاظ على استقراره وبحماية حدوده، وعدم انتقال المواجهات مع الفصائل التي يصفها بالإرهابية إلى أرضه، خصوصاً أن خلايا تنظيم “داعش”، التي ما زالت موجودة في البادية السورية، لم تحرِّك ساكناً في كل ما يجري اليوم على الساحة السورية.
والأجواء التي تُحيط بـ”المحور” يائسة من إمكانية إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، نظراً إلى سرعة تقدّم فصائل المعارضة وانسحاب النظام وحلفائه من دير الزور ومن ريف إدلب ومن حلب وحماة وجزء كبير من حمص، وخروج الجنوب السوري من درعا والسويداء من يد النظام. فمن دون أرض صلبة للنظام، لن يستطيع لا الروس ولا الإيرانيين ولا الحشد الشعبي ولا الفصائل الموالية لإيران فعل الكثير. والأيام المقبلة من شأنها أن تُبلوِّر الاتجاهات التي ستسلكها التطورات في سوريا، مع ما يظهر من خطة لتطويق دمشق من مختلف الاتجاهات، وما إذا كان الأسد سيعمل على حماية الشريط الساحلي العلوي مع الخط الواصل من حمص إلى دمشق، وهو شريط الحكم العلوي.
والعين في قابل الساعات والأيام هي على أين ستكون وجهة فصائل المعارضة؟ فهل ستكون من حمص باتجاه الساحل، أم ستكون باتجاه لبنان – حيث ثقل “الحزب” في القصير – أم باتجاه دمشق؟ بناء على وجهة الفصائل سيرتسم مسار انخراط “حزب الله”.
رلى موفق- القدس العربي



