الحدث السوري: الفتنة تتأهّب لتطلّ برأسها…قلق لبناني أمني وسياسي وطائفي أيضاً

لم تكذّب الأخبار نفسها. وكما في كل حرب كبرى مع إسرائيل، فإن الفتنة تتأهّب لتطلّ برأسها في اليوم التالي. وما لم يكن ممكناً تحقيقه خلال العدوان على لبنان، صار متاحاً الآن العمل عليه بقوة ولو جاء من خارج الحدود.

المعطيات صارت شبه معلنة، لجهة أن مشروع اجتياح حلب وبقية محافظة إدلب حتى حدود حماة الشمالية، كان جاهزاً للتنفيذ في تشرين الأول الماضي. والقرار اتخذته السلطات التركية منتصف الصيف الماضي، عندما طلبت أنقرة من الفصائل المسلحة السورية الحليفة لها، انتظار نتائج ما سمّته تركيا المحاولة الأخيرة للاتفاق مع الرئيس بشار الأسد. وبعد فشل آخر محاولات روسيا والعراق، استعجلت الفصائل المسلحة بدء المواجهة، لكن أنقرة فضّلت تجميد العمليات التي كانت جاهزة بداية تشرين الأول الماضي، بسبب توسّع الحرب ضد لبنان. لكن التحضيرات للحملة العسكرية تكثفت من قبل المسلحين، وهم أجبروا على آليات تنسيق في ما بينهم، بعدما كان عدم التجانس يسود صفوفهم، وسط انقسام بين القوى المنضوية تحت عباءة هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع)، وتلك المنضوية في إطار الجيش الوطني. وهو انقسام قام أساساً بعد نجاح النظام وحلفائه في السيطرة على مساحات كبيرة من سوريا. وصار هؤلاء يتبادلون الاتهامات حول من يتحمل مسؤولية الإخفاق.

الأمر الآخر، الذي كان متداولاً ولو على نطاق ضيق، يتعلق بالتركيبات العسكرية التي أرادت تركيا أن لا تكون موحدة بالكامل، لكنها كانت تصرّ على مرجعية واحدة ولو غير معلنة. وقد مارست أنقرة الضغوط الكبيرة على الفصائل لأجل ترتيبات معينة في مناطق سيطرتها، وخصوصاً بعد قرار العودة الإلزامية لنحو مليون نازح سوري من الأراضي التركية. وقد عمل الأتراك على تقديم مساعدات في البنى التحتية، وتوسيع نطاق العمل التجاري في مناطق سيطرة المعارضة، بالتوازي مع تأهيل وتدريب نحو 25 ألف مقاتل من جميع الفصائل. وفي النهاية، ألزم الأتراك خصوم هيئة تحرير الشام بعدم الذهاب بعيداً في التوتر، فيما كان الجميع يوافق تركيا على أن فشل الوساطات مع الأسد يجب أن يعقبه السماح لهم بعملية عسكرية.

والذي حصل في 27 تشرين الماضي، أي يوم إعلان وقف إطلاق النار في لبنان، كان متوقعاً على شكل عملية واسعة ومكثفة، وكانت الفصائل المسلحة تملك من المعطيات الأمنية والعسكرية ما يشجعها على القيام بالهجوم، لكن المسلحين فوجئوا بأن الجيش السوري ليس جاهزاً لمواجهة جدية، ولم يبدِ أي مقاومة تذكر، فيما كانت التعليمات التركية صارمة لجهة تقديم صورة مختلفة عن تلك التي قامت في المواجهات السابقة، وهو ما فرض وجود قيادات أمنية وعسكرية تركية تشرف على الكثبر من الخطوات الميدانية.

الأكيد أيضاً أن الفصائل نفسها ما كانت تتوقع أن تصل الى شمال حماة بهذه السهولة، ما دفعها الى تعديل الخطط والسير في اتجاه قضم المزيد من المناطق، وصولاً الى مشارف حمص، مع برنامج توسّع شرقي باتجاه البادية، وجنوبي باتجاه دمشق، وآخر غربي باتجاه الحدود مع لبنان. وتبدو عقدة حمص كمفتاح للمرحلة المقبلة، ولا سيما مع تبدل الأهداف السياسية ربطاً بالتطورات الميدانية. وبينما كان المعارضون يتحدثون عن هدف جرّ النظام مرغماً الى مفاوضات سياسية، فهم يتحدثون اليوم عن فرصة لتغيير شامل، يقوم على إطاحة الرئيس الاسد، والبحث مع قوى سورية أخرى في تشكيل حكم جديد.

لكن، هل الأمر رهن هذه القوى فقط؟
إعلامياً، يبدو الأمر وكأن ما يجري منفصل عن التطورات الجارية بفعل الحرب الإسرائيلية على لبنان وفلسطين. لكن تفاصيله، وخصوصاً التطورات المتوقعة في مناطق الجنوب، من القنيطرة ودرعا والسويداء، تكشف العلاقة الوثيقة بين ما تريده إسرائيل وما يجري في بقية المناطق. حتى معارضة الأردن لحسم عسكري يطيح الدولة السورية لمصلحة المسلحين، لم تعد عائقاً أمام مشروع محاصرة النظام في دمشق من جهة، وعزل الساحل السوري عن بقية البلاد من جهة ثانية، مع العلم أن تحقيق هذا الهدف يتطلب معارك جدية قد تحصل، في ريف حمص الغربي وعلى الحدود مع لبنان، إضافة الى المعارك في جنوب العاصمة السورية. وهنا، يعود العامل الإسرائيلي ليطلّ برأسه، حيث يعرب العدوّ صراحة عن أنه معنيّ، أولاً وأخيراً، بمصير النفوذ العسكري والأمني والتسليحي لإيران وحزب الله في سوريا. وقد باشر العدوّ دوره في القصف الذي سبق العملية العسكرية في حلب، وهو القصف الذي يقول العدوّ إنه سيقوم به ضد حلفاء الأسد من إيران وحزب الله، الأمر الذي يمثّل تحدّياً ميدانياً أمام حلفاء دمشق، إلا في حالة توفر مظلة حماية جوية تبقى رهن القرار الروسي.

الحدث السوري الاستثنائي فرض نفسه بقوة على جدول الأعمال السياسي في لبنان. فقد عاد الانقسام ليطلّ برأسه على شكل حسابات ورهانات، إذ يعتقد حلفاء أميركا أن بمقدورهم الاستفادة من إسقاط نظام الأسد لأجل محاصرة حزب الله في لبنان. لكن القلق لا يقتصر هنا على البعد السياسي، بل يأخذ بعداً آخر فيه جانب أمني يقلق الجيش اللبناني الذي لا يعرف كيف يتصرّف إزاء احتمال عودة التهديد من الحدود الشرقية، كما لا يمكنه أن يتصرّف مع حزب الله إن قرر الأخير التصدّي لأيّ محاولة للاقتراب، ليس من الحدود مع لبنان بل مع العمق الأمني الذي يصل الى مسافات جدية على طول الحدود مع سوريا، ابتداءً من عكار، وصولاً الى جنوب المصنع. كما يوجد عنصر قلق آخر يتعلق بالحساسية الموجودة لدى مجموعات من لون طائفي تخشى أن تتعرض للاضطهاد على أيدي المسلحين.

وإذا كان لبنان منشغلاً في مساعي إقناع إسرائيل بالتزام اتفاق وقف إطلاق النار، فإن كرة النار السورية التي ألقيت في حضن الجيش سوف تفرض نفسها بنداً إلزامياً على جميع اللاعبين. ولن يكون بمقدور أحد تقديم التزامات جدية في ما خصّ الجنوب، بينما يكون الخطر داهماً ووشيكاً من الشرق. وهو ما يحتاج الى أجوبة توفرها القيادات السياسية على أنواعها، الى جانب ما هو مفترض من جانب الرعاة الدوليين.

الاخبار

مقالات ذات صلة