كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

قلم مسؤول

خاص: هل ينقرض الزّواج ويصبح الحبُّ غايةً في ذاته غير مشروط بتأسيس عائلة؟

Fri,Jun 16, 2017

ربما بات علينا أن نعيدَ النظر في مفاهيمنا عن الحياة، لا سيَّما بعد التطورات المذهلة في عالم التكنولوجيا. فقد أصبح لدينا أصدقاء غير مرئيين، وبات تلفوننا الذكيّ يأتي بالعالم كلِّه الينا...الخ.
 
 من هنا نرى أنّ العلاقات بين البشر قد تغيَّرت، وبِتْنا نشهدُ عزوفًا عن الزّواج، ليس فقط بسبب أعبائه الماديّة وغير الماديّة، لكن، ربما، بسبب أنّه لم يعد يناسب الحياة المعاصرة السريعة والمتحوّلة والمتغيّرة باستمرار، فلماذا، عندئذٍ، يتزوّج المرء ويُبقي على علاقة دائمة مع شريكه لعقود؟ فديمومة العلاقات باتت عائقًا أمام النّجاح، ولولا مشكلة الإنجاب لرأينا انخفاضًا هائلًا في نسبة المتزوّجين.
 
إنّ فكرة أن يرتبط المرء، الى نهاية عمره، بشخص آخر لهي فكرة مرعبة وتشكل مغامرة كبرى في حياة كل واحدٍ منّا وتستحقُّ أن نقف عندها طويلًا. ومهما بسّطنا الأمور، فإنّ علاقةً ناجحة بين المرأة والرّجل لهي أمرٌ معقَّد وتتطلَّب كثيرًا من التوفيق والجهد المتواصل من الطرفين ، كما تتطلّب وجود صفات شبه خارقة واستثنائية بين الطرفين. وفنًّا قد لا يتوافر عند الجميع. لذا، نرى أنّ غالبيّة الثنائيّات فاشلة، وتنتهي إمّا بالطلاق وإمّا بالمساكنة الاضطراريّة نتيجة الارتباط بالأولاد. فلم نعد نشاهد علاقات ناجحة، وغالبيّة الأزواج يكتمون فشل العلاقة. 
 
في ظل هذه الأجواء، خفَّف البعض من طموحاته ولم يعد يبحث عن شريك حياته الذي ينتظم معه في مؤسسة الزّواج الى الأبد. فبات يبحث عن صديقٍ وشريكٍ ، بل وحبيبٍ يقضي معه جزءًا من حياته، قد تطول وقد تقصر، لكنّ تلك العلاقة، من حيث المبدأ، ليست نهائيّة. وبتنا أمام مؤسسة زواج ذات نظامٍ مفتوح بحيث يكون للشّريك حرّيّة الدخول والخروج منها بسهولة كبيرة، بعدما كنّا في مؤسسة زواج ذات نظامٍ مغلق، بحيث يكون الانفصال صعبًا ومعقَّدًا، وقد يؤدّي الى مشاكل كبرى بين العائلات وحتى بين القبائل ( العائلات الأكبر).
 
هل بات ما نتحدّث عنه قدَرًا لا مفرّ منه؟ وهل غزت نظريّة الفن للفنّ علاقات الغرام والانتقام، فصار لدينا حبٌّ للحبّ، لا يكون مشروطًا بتأسيس عائلة ولا بالتعهد بالاستمرار الى نهاية العمر؟ 
 
إنّ هذا النّوع من العلاقات، وإن بات يناسب الحياة المعاصرة، يقضي مع الوقت على العلاقة الزّوجيّة ويحوّلها الى شيءٍ من التّاريخ، وبالتّالي يقضي على مؤسّسة الزّواج ويهدّد استمرار النّسل ويثير بلبلةً في نسيج العلاقات الاجتماعيّة في المدينة. 
 
والانتظام في مؤسسة الزّواج يتطلّب قدرة كبيرة من الطرفين للعمل معًا من أجل الحفاظ على الزّواج. فما يتطلّبه الزّواج من شروط لهي شروط معقّدة وكثيرة في حين أنّ الحبَّ للحبَّ لا يتطلّب الا شرط توفر المودة والعشق بين العاشقين. وهذه العلاقة تستمر ما دامت المشاعر العاطفيّة موجودة وما دام الطرفان يريان مصلحة لهما في الاستمرار بها. 
 
هل باتت العلاقات العابرة في الزّواج وفي الصداقة جزءًا من نسيج علاقاتنا الاجتماعيّة؟ هذا ما ستكشفه لنا الأيام. لكن علينا، منذ الآن، أن نمنع الوصول الى ذلك المصير الذي يهدد أسس الحضارة البشرية. وإنّ التذرّع بتعقيدات الزّواج( وما أكثرها!) وبمفاجآته لهو أمرٌ غير مقبول. فما زال بإمكاننا أن نعيش معًا كشريكين متحابَّيْن، وإن كان الأمر يتطلّب الى خبرة وفنّ من الشريكين.
 
 

 

د. جمال نعيم - استاذ فلسفة في الجامعة اللبنانية   -  Checklebanon
 
POST A COMMENT