كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

قلم مسؤول

"سلام الفيلاّت" ... تابع !

Sat,Jul 19, 2014

مع تطوّر حرب غزّة وحرب القلمون في سوريّا، تتّضح أكثر فأكثر حقيقة "العلاقة السلميّة" المنسوجة، منذ زمن، بين "محور الممانعة والمقاومة" وإسرائيل.
معادلة حيّة واحدة تتكشّف في تداخل صراعات المنطقة: الهدنة، بل ربّما "السلام"، بين هذا المحور وإسرائيل هو الثابت، والحروب الأخرى هي المتحوّل. و"حماس" مجرّد بالون اختبار في الوقت المستقطع.
حتّى الآن، ومع احتدام حرب غزّة "الممانعة" في التصنيف الإيراني، والمتطوّرة إلى حرب برّية دامية، ليس في أداء الممانعين سوى المراقبة والاستنكار وتطيير برقيّات التضامن.
ومن يتابع أدبيّات "حزب الله" عبر وسائل إعلامه، يهزأ من اكتفائه  "بالمراقبة الدقيقة" لحركة صواريخ غزّة و"أبابيلها"، ومدى قدرة الطيران الإسرائيلي و"قبّته الحديد"!
بل، تحرص هذه الوسائل على الترويج لقدرة "حزب الله" السوبرمانيّة على شنّ حرب متعدّدة الجبهات، من سوريّا إلى العراق إلى غزّة إلى ... إسرائيل. ولكنّها لا تشرح لنا، طالما للحزب هذه القوّة الخارقة، مدى ارتباكه في معركة محصورة في جرود عرسال، وفي تسويق جثث قتلاه لدى ذويهم وتقسيط جنازاتها وتبرير سقوطها في "المهمّات الجهاديّة" خارج جبهات الجنوب.
ليس في وسعه الاستمرار طويلاً في التستّر على حقيقة تباهيه بالاستقرار الذي فرضه على إسرائيل ب"قوّة الردع وتوازن الرعب"، كما لا يستطيع التغنّي طويلاً ب"سلام الفيلاّت" التي أوعز لمتموّليه ببنائها في محاذاة خطّ المواجهة مع "العدوّ الصهيوني".

هنا، وبين مزدوجَين، تلفت تعليقات أحد المعلّقين، على هذا الموقع، بإصراره على الربط بين "صهيوني" و"صفيوني"، في لعبة لفظيّة تعني الكثير بما تخفي من حقائق العلاقة القديمة - المتجدّدة بين إيران وإسرائيل.
"سلام الفيلاّت" هو الاختبار الفعلي لهذه العلاقة. صموده مثير في غمرة الحرب على غزّة، وعلى "التكفيريّين" بعربهم وغربهم. لكنّه لم يفاجىء العارفين بحقيقة المصالح بين الأصدقاء الألدّاء، أو الأعداء الحميمين.

مرّةً أُخرى، لا أحد يحضّ "حزب الله" على " تمّوز" جديد كي يُثبت العكس، فما زلنا نعاني من " تمّوزه" الأوّل، سطوةً لسلاحه في الداخل، وتفكيكاً للدولة، وتفريغاً للمؤسّسات، فكلّ شيء في خدمة إسرائيل يهون!
لكنّنا، كمواطنين صالحين، نضع أيدينا على جروحنا النازفة: "حزب الله" نسج سلام الشريط مع إسرائيل كي يتفرّغ ل"تكليفه الشرعي" في حروب لبنان وسوريّا والعراق، و"حيث يجب أن يكون".

سلامٌ أسوأ من حرب. سلام البيوت والقصور الفارغة من شبابها. يُطمئنهم إلى سلامة منازلهم وقراهم في الجنوب، ويأخذهم إلى حروب الشمال والشرق والغرب! و"هيهات منهم" العودة إلى مراتع الطفولة والشباب.

هو سلامٌ غير ثابت، تهزّه صواريخ بدائيّة تحت جنح الظلام، بحجّة التضامن مع غزّة. والأرجح أنّها رسائل حمام زاجل بين أحبّاء، على طرفَي الحدود.

جميل أن ينعم لبنانيّو جنوبنا بهذا الاستقرار برغم هدير الحروب القريبة. ولكن، بأيّ ثمن؟
حتّى الآن، مئات الشبّان الجنوبيّين سقطوا طعماً لمشروع غير مشروعهم، وحروب غير حروبهم، وسلام غير السلام الذي ينشدون.

أوهموهم بسلام البيوت الفارغة، والأرض المهجورة، ووعدوهم بجنّة الهلال أو القوس، وبمراتب الجهاد الأكبر في حماية المراقد التي صمدت وسلمت أربعة عشر قرناً ولم يمسّها سوء.

قد يوهمهم "حزب الله" أنّه سيحقّق لهم "سلام فيلاّت" مع سوريّا أيضاً، تماماً مثل ما فعل مع إسرائيل. وربّما يصدّقونه . وبعضهم قد يكون بدأ يفكّر ببناء القصور على جرود عرسال ومشارف القلمون.

ولكن، من يضمن حمايتها من تهديم جديد، كما حصل مراراً في الجنوب، وهل يكفل "حزب الله" عدم تلقّيه تكليفاً آخر بشنّ حرب هنا أو هناك؟ حتّى قصور الجنوب غير مضمونة، بل خاضعة لرمال المشروع الإيراني المتحرّكة، فكيف بالقصور الإسبانيّة الموعودة في هواء السلسلة الشرقيّة والريف والغوطة؟!
للجغرافيا والديمغرافيا أثرهما الحاسم في رسم الخرائط وترسيم الدول وتقرير مصائر الشعوب . ولا يتوهّمنّ أحد أن الطبيعة البشريّة من عرسال إلى العمق السوري في اتّجاهَي دمشق وحمص، ستتغيّر، ولو اشتدّت موجات التهجير والتفريغ .

فالتجربة الاسرائيليّة في تغيير طبيعة الأرض والإنسان لم تنجح بعد 66 عاماً، كي يستنسخها "حزب الله".
فهل يظنّ أنّه إسرائيل الثانية بين لبنان وسوريّا، ويستطيع محو الحدود واستبدال البشر والحجر؟
لعلّه يخرج من وهم "سلام الفيلاّت"، حرصاً على من بقي من شبّان ... كي يسكنوها.

بقلم  :  الياس  الزغبي

POST A COMMENT