كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

قلم مسؤول

خاص: عندما يرسم الثنائي بعشقهما لوحةً فنِّية...!

Thu,Jan 26, 2017

ليس العشقُ حالةً عاطفيَّة ثابتةً ونهائيّةً. لعلَّه من أجمل المشاعر الإنسانيّة، لكنَّه، للأسف، ككلِّ شيءٍ آخرَ له بداية، وقد يكون له نهاية. وقد قيل قديمًا: ما يبدأ ينتهي. من هنا، نرى قصص العشق الكبيرة تنتهي على نحوٍ دراماتيكي. لكن، لحسن الحظ، هناك قصص لا تعرف الموت، بل على العكس يزيدها الزمان اشتعالًا. ما العمل إزاء واقع لا يلبث أن نفقده؟



   لنعد الى البداية. قد تبدأ العلاقة بتدفق عاطفيّ كبيرٍ يحسم موقفًا لطالما تتردد فيه الانسان، فتكون أحاسيس جارفة طاغية، لا شيءَ يقف في طريقها. وقد تبدأ العلاقة باختيارٍ عقلانيٍّ، يعتقد المرء أنّ خياره مبنيٌّ على أسسٍ سليمةٍ، ممّا يجعله بالتالي صامدًا أكثر من غيره. وقد يجمع سعيد الحظ بين القلب والعقل في اختياره. لكن في جميع هذه الحالات، يبقى هناك شيءٌ عصيٌّ على التفسير. لماذا هذا وليس ذاك؟ ولماذا هذه وليس تلك؟ قد يقوم المرء بتحليل الأسباب التي جعلته يحسم موقفه، فيبدأ بتعداد العوامل الذاتيّة والموضوعيّة التي حسمت موقفه، لكنّي أرى أنّه يبقى، في الغرام والانتقام، شيءٌ لا يمكن تفسيره بحجج المنطق وبراهينه.



   يحلو لي القول: كما أنّ هناك أرواحًا تتلاقى، هناك أجسادٌ تتلاقى. ونحن لا نعرف، سلفًا ما العلاقات التي تناسب الجسد وتلائمُه. وقد كان سبينوزا يقول:" لا نعرف ما الذي يستطيعُه الجسد"، أي لا نعرف ما الذي يناسب هذا الجسد عندما يدخل في علاقاتٍ خارجيّةٍ. فقد تكون هناك علاقات تُسمِّم الجسد، وقد تكون هناك بالعكس علاقاتٌ تُنعش الجسد وتزيده رونَقًا وجمالًا على جمالٍ. لكن، بالرغم من كل ذلك، قد يموت الحبُّ وتنتحر الأشواق على ما كان يغنّي العندليب الأسمر. والسؤال: هل بالإمكان المحافظة على شعلةِ الغرامِ والانتقامِ متقدة؟ ما العمل لكي لا تنتحر المشاعر؟


  أذهب الى القول إنّ الحبَّ، كأيِّ شيءٍ آخرَ يتقدّم ويتأخّر، يعلو ويهبط، يشتدُّ ويخفُّ، يقوى ويضعف، يعيش وينتحر، يدوم ويزول. وأذهب أيضًا الى القول إنّ العشق الحقيقي لا يتأتّى الا عن علاقة كاملة. فكل المشاعر والعواطف الجيَّاشة قد تتبدَّد اذا لم يتلاقَ هذا الجسمُ مع ذاك. فنحن لا نعرف سلفًا ما الذي يناسب هذا الجسمَ أو ذاك. لذا، أقول إنّ العشق، ما إن يولد ويشتعل، يصبح مسؤولية الثنائي. إنّه مسألة فن. وعلى الطرفين أن يكونا فنَّانيْن كبيريْن، كأيِّ فنّانٍ كبيرٍ، وأن يعملا ويجتهدا بشكلٍ دائمٍ للحفاظ عليه.إنّهما يرسمان لوحتهما الفنِّيّة التي قد تساوي ملايين الدولارات( وربما لا تُقدَّر بثمن) وقد لا تساوي شيئًا. إذًا العشقُ عملٌ يوميٌّ نحوكُهُ كما يحوكُ الأعجميُّ، بكلِّ صبرٍ ورويّة، سجادتَه-اللوحة التي لا تبلى، بل وتزدادُ روعةً وجمالًا كلما تقدمنا في الزمان.

 


د. جمال نعيم  - استاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية -  Checklebanon

 

POST A COMMENT