كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

قلم مسؤول

لعنة الرئاسة وغضب الكرسي

Sat,May 17, 2014

 
 
لعنة الرئاسة وغضب الكرسي 
بقلم  :  الياس  الزغبي  
                                                                                     
 
 
في أواخر الثمانينات، وقبل وفاته بأسابيع، جالستُ الكاتب - المؤرّخ جورج مصروعة إلى بعض ذكرياته، وكان بينها واقعة، أستعيدها الآن، نظراً إلى راهنيّتها ودلالتها الشديدة التعبير.
روى أنّه، في شبابه، تسنّى له سنة 1943، حضور مجلس ضيّق من مجالس الراحل الكبير رياض الصلح، على أثر تكريس الرئاسة الأُولى للموارنة ومجيء الرئيس بشارة الخوري. ردّ الصلح آنذاك على تساؤل أحد الحاضرين عن سبب التسليم برئاسة الجمهوريّة لماروني، بقول مازح: هذه الكرسي "ستُفندلهم"! بما معناه أنّها ستفرّقهم وتُضعفهم.
بالتأكيد، لم يكن صاحب تلك القامة الوطنيّة والعربيّة الاستثنائيّة يرغب أو يريد أن تكون كرسي الرئاسة سبباً ل"فندلة" المسيحيّين، وهو من هو في أساس الميثاق الوطني والحرص على الحضور الفاعل للمسيحيّين في لبنان والعالم العربي. لكنّه ألمح إلى نوع من الاستشراف الذي صحّ بنسبة كبيرة في ما بعد. 
لكنّ هذه المقولة لم تصحّ تماماً إلاّ منذ ربع قرن، وتحديداً بعد 1988.
ما بين 1943و1989، كانت الرئاسة الأُولى تستحقّ الصراع و"الفندلة"، بسبب محوريّة تأثيرها واتساع صلاحيّتها. ومع ذلك، لم يخرج الصراع عليها بين قادة الموارنة الكبار عن حدّه الديمقراطي، لا بين آميل إدّه وبشارة الخوري، ولا بين كميل شمعون وفؤاد شهاب، وبيار الجميّل وريمون إدّه، مروراً بشارل حلو وسليمان فرنجيّه والياس سركيس، وصولاً إلى بشير وأمين الجميّل ورينه معوّض.
حتّى في "الثورتين" البيضاء والحمراء بين 1952 و1958، ظلّ الصراع على الرئاسة رفيع المستوى نبيلاً، وقدّم بعدهما فؤاد شهاب تعفّفاً نموذجيّاً سنة 1964، ثمّ أثبت الياس سركيس ترفّعاً مماثلاً سنة 1982.
واقعيّاً، بدأ الانحدار الماروني في مستوى الرئاسة والرئيس، مع خلوّ السُدّة في أيلول 1988. حربان دمويّتان كانتا كافيتَيْن لذهاب الموارنة مهيضيّ الجناح إلى الطائف، وتفريغ الصورة والموقع من مستوى الرئيس وصلاحيّات الرئاسة. 
ومع الانقضاء السريع لبارقة الضوء التي جسّدها انتخاب معوّض، دخلت رئاسة الجمهوريّة في دوّامة عتمتها على مدى عهد الاحتلال السوري المباشر، وبلغت أحلك ظُلمتها في السنوات التسع لآميل لحّود. 
وتسنّت للرئاسة بارقة جديدة مع الرئيس ميشال سليمان الذي استعاد الكثير من زمن الكبار، ومع المرشّح سمير جعجع الذي أعاد إليها ألق المستوى وقوّة الجذب وواقعيّة البرنامج والمشروع.
لكنّ من دمّر المستوى والموقع يستمرّ الآن ، وبعد ربع قرن، في تنفيذ دوره التهشيمي، حتّى الرمق الأخير. فكما فرّغ الكرسي سنة 1988 ودفعها إلى قارعة البازار، يشلّعها اليوم ويسلّعها تحت شعار: أنا أو لا رئاسة.
ليس هناك عار أكبر من العار الذي يلحق بنائب يرفض القيام بواجبه الأوّل في انتخاب رئيس الجمهوريّة، ويكون العار مضاعفاً على النائب المسيحي، والماروني تحديداً، الذي يتسبّب عن قصد، وعن هوس بمرشّحه الأوحد، في جعل الرئاسة الأولى نهباً للتسيّب والفراغ.
فأيّ مسيحيّين يمثّل ذاك الذي لا ينتخب باسمهم رئيساً، وأيّ وكالة شعبيّة يحترمها، وأيّ وجدان وطني يحمله، وأيّ مستقبل يعد به أجيال المسيحيّين؟
ومن يحقّ له، غير بكركي، التي تجسّد هذا الوجدان، أن ترفع الصوت وتندّد علناً بهؤلاء، وتحمل السوط لطرد المرابين والعشّارين وباعة الحمام من هيكل الرئاسة المارونيّة؟
كانت الرئاسة موضع افتخار، في زمن الكبار، وآخرهم سليمان، فكيف تُترك لألاعيب الصغار؟
وفي السعي إليها ما زال هناك أُصلاء نبلاء، ينكّد مسعاهم بُدلاء عملاء.
هذه الكرسي لا تكون إلاّ لأصيل، وليس لبديل أو عميل. ولا يستحقّها إلاّ من يُضيف إليها وهجاً، لا من يسرق من وهجها ويهدر كرامتها. 
رياض الصلح، أيّها الكبير من بلادي، نبوءتكَ تأخّرت كي تظهر، لكنّها ظهرت على أيدي مشعوذين أتقنوا جريمة "فندلة" الموارنة، ودقّ أسافين الحقد في عائلاتهم ومنتدياتهم وأحزابهم ومؤسّساتهم.
هي جريمة تسقط بسقوط صاحبها. وهو يعدّ ضرباته الأخيرة في الماء ... والدماء ! 
أمّا لعنة الرئاسة وغضب الكرسي فسيلاحقان قايين المسيحيّين... إلى القبر.
 
POST A COMMENT