كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

قلم مسؤول

الحروب ستبقى تتوالد، عيشوا...!

Sat,Oct 17, 2015

اليوم سنتحدَّث سوياً من القلب إلى القلب ، لا سياسة لا تحاليل ، لا هموم لا تفاصيل ، لا شعر لا ولع ، لا توقعات لا وجع ، ولا أي شيء من هذا القبيل . اليوم سنتحدَّث عن فرح الحياة وعن كل ما هو جميل. سنتوقَّف برهةً مع أنفسنا ونتصارح ، نعبِّر عن الأحلام عن الحنين ، عن الأوطان الساكنة فينا ، عن كل ما يجعلنا نتوهَّج دون الحاجة إلى مباهج العصر المزخرفة وتعقيدات زمن العولمة التي حولتنا جميعاً من بشر إلى آلات تعمل ليل نهار ، مبرمجة للإنتاج المقيَّم بأرقام الدخل الفردي والقومي.

تعالوا نعود إلى أصل التكوين : لما خُلقنا ؟ من أين أتينا ؟ إلى أين نحن ذاهبون ؟ ما هي القيمة الوجودية للإنسان ؟


إن بعض هذه الأسئلة تبقى من أسرار الخلق ومهما تطوَّر العلم وإندفع العقل البشري في فضاء الإبداع والإكتشافات والإختراعات التي غيَّرت نمط حياتنا ووجه الحضارة الحديثة ، لا زال هناك شيء عصيٌّ على الفهم يحتِّم علينا أن نتحلى بالحكمة ونُبقي على نوع من التوازن بين المادة والروح ، بين الطبيعي والمصطنَع ، بين العقل والقلب ، بين الإندفاع والتروّي ، بين الدين والمنطق. " الرضى والتسليم نهاية العلم والتعليم ".


أقول ذلك وأنا على يقينٍ تام أن جميعنا يُدرك حجم المغالاة الخطرة التي يتخبَّط بها العصر الحديث وكسر المحرّمات وضرب القيَم والتسويق للفوضى العارمة والإنحدار تحت ستار الإنقلاب على التقاليد.


لا وضوح في الرؤية ، تزوير للحقائق ، النصب يغدو في مجتمعاتنا شطارة ، الخيانة موضة ، الغوغاء نهج ، القتل بإسم الله جهاد ، الغدر نسميه دفاعاً عن النفس ، العربدة تطوُّر... ولكن إلى متى ؟ إلى أين ؟ ولما كل ذلك ؟
إن كل ذلك محضُ جنون ، إنتحار ، كفرٌ فعليٌّ.


الحقيقة هي أن الناس تدمِّر بعضها بعضاً ومسيرة التاريخ والحضارات لا أظنها في إرتقاء مع مرور الزمن. الحلقة مفرغة والناس تأكل الناس ونحن فعلاً نعيش شريعة الغاب وإن بطريقة مبطنة : الشركات الكبرى تحكم العالم : شركات الأسلحة تبيع الأسلحة ، يموت الأبرياء وتُدمر الأوطان ، ومن ثم تأتي الأذرع التجارية لنفس تلك الشركات بعقود المقاولات لإعمار ما دمَّرتهُ هي نفسها. دمُ الإنسان رخيص ، لا رحمة ، لا مواثيق دولية بل صفقات ، لا شُرعة حقوق إنسان بل شريعة البقاء للأقوى. مثالٌ بسيط على ما أقول ما يجري من حروب في منطقتنا العربية هدفها تدمير المنطقة بأيدي أهلها لنهب ثرواتها. أيُّ ربيعٍ هذا وأي ديمقراطية تلك وأي نفاق هذا الذي نعيشه. أما كان الرئيس السوداني مطلوباً للعدالة الدولية بتهمة إرتكابه لمجازر ضد الإنسانية وبين ليلةٍ وضحاها وحين وافق على تقسيم بلاده طويَ الملف وتناسى كل الناس البشير والمدعي " البطل أكامبو " ومحكمته الدولية.


الناس نوعان : خيِّرون وأشرار ؛ هذا صحيح ولكن من يصنِّف من ، فالخيّرون هم في كل البلدان والأشرار أيضاً في كل البلدان. هناك نسبة خمسة في المئة في كل المجتمعات عندهم مرض نفسي في تركيبة شخصيتهم يسمى " إضطراب الشخصية الإجتماعي " antisocial personality disorder وهؤلاء هم بتركيبتهم النفسية ضد المجتمع يؤمنون بالعنف منذ طفولتهم فتراهم في مراحل دراستهم يتعرضون بالضرب والأذى لزملائهم وحين يكبرون يصبحون مجرمين فعليين. هؤلاء عادةً ينتظرون الحروب ليشكلوا أبطال المجازر التي نراها اليوم وفي أيام السلم هم نفسهم يرتكبون أنواعاً أخرى من الجرائم من أغتصاب وسرقة وقتل وغير ذلك والدليل السجون المكتظة في المجتمعات التي لا تعاني من حروب أهلية أو دولية على أراضيها كالدول الأوروبية والأميركية مثلاً.


لقد عرّجتُ قليلاً على السياسة لكي أصل وإياكم إلى توضيح حقيقة معينة أن الحروب في العالم لن تنتهي والويلات التي يرتكبها بعض الوحوش الذين ينتحلون صفة البشر لن تتوقف. لذا من الحكمة بمكان أن لا نهدر طاقاتنا الإيجابية ودفق الخير في أنفسنا نتحسّر على مآسي الحروب بل أن نعمل على الإستمتاع بثقافة الحب والفرح والسلام فينا وتعميمها على من حولنا وإقتناص الوقت للعيش والتمتُّع بلبّ الحياة والتلذُّذ بجوهرها ورفض الإنجرار في ظلامية تسطيح كل شيء والإنسياق في ثقافة القطيع والإنتحار الجماعي.


الحروب ستبقى تتوالد ، فلنعِش حياتنا بمعنى ونتشبَّث بقيمنا وأصالتنا ونفعل قناعاتنا. بإمكاننا على الدوام الخيار ، فليكن خيارنا في ما نحب أن نفعل ، في ما نهوى ، ومع الناس الذين يشبهوننا بتقديسهم لمبادئنا في الفرح والإيجابية والبناء والعشق والجمال والفن والإبداع وتحقيق الذات.
الشهرة شيء والرقيّ شيء آخر ، الحق شيء والقتل شيء آخر ، الجمال شيء والتصنِّع شيء آخر ، الحب شيء والجنس شيء آخر ، الفن شيء والتجارة شيء آخر ، الأخلاق شيء والنفاق شيء آخر...


أخيراً ، تحادثتُ الأسبوع الماضي مع زميلةٍ صديقة لي منَّ عليها الله بالشفاء من مرض عُضال بعد صراع مع المرض لمدة سنتين ، شرحت لي تجربتها الخاصة وكيف إستطاعت في لحظة سقوط كل شيء من حولها من التحلي بالإيمان والإرادة والثقة بالطب الحقيقي القائم على العلم والفرح في تقديمه من قبل الفريق المعالج المحترف وكيف كان لهذا الفريق الرائع من الأطباء والممرضين وإخصائيي علم الإجتماع والمستشارين الروحيين الذي يحملون الله في قلوبهم قبل صلواتهم. قالت لي جملة لن أنساها أبداً " بين البشر والبقر حرفٌ واحد والكثير من الإختلاف ". للأسف هي الحقيقة : هناك ناس لا ينتمون الى البشر أبداً ، لا يرتبطون بجوهر الإنسان بصلة ، لا يستحقون حقيقةً الحياة. وهناك أناس ملائكة يمشون على الأرض ، يتبارك التراب من خطواتهم ، يتقدَّس الهواء من أنفاسهم ، تحلو بقربهم ورفقتهم الحياة.


كم فرحتُ جداً بشفائها وبما سمعتهُ منها ، تقلّصت الحياة في حديثنا إلى لحظة فرح ، إلى لحظة أمل ، إلى أغنية خير ، إلى لحن وجود ، إلى عطر إنسان حقيقته واحدة أصله واحد ووجهته واحدة : توالد الحياة في قلب الله : الرحمن الرحيم ، من رضاه ورضوانه نهاية العلم والتعليم ، خالق القلب المنير والعقل السليم.


د. وائل كرامه كرامه

POST A COMMENT