كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

أهمية المرأة العاملة... بين اليوم والأمس!

Sat,Jan 12, 2019

كانت ولا زالت المرأة محط انظار وحديث الناس والباحثيين ودخلت في تحليلات علماء النفس حول تفكيرها وتحليل مشاعرها، ولكل منهم تحليلاته الخاصة. واكثر ما يدور الجدل حوله، هو عمل المراة، وأحقية المراة بالعمل او بقاؤها في بيتها حسب نظريات البعض، الذين اكدوا ان البيت يُعتبر المكان الانسب للمراة، وفقا لمصالحهم وفكرهم الذكوري الاناني وليس لما يفرضه الدين كما يحاول بعض رجالات الدين إثباته، نظرا لمرور العديد من النساء العاملات عبر التاريخ.  إذ في عهد الرسول محمد (صل الله عليه وسلم) كانت النساء تخرج مع جيوش المسلمين لمداواة الجرحى وتطبيبهم والقيام على رعايتهم وكانت ايضا تعمل في مجال الزراعة فكانت تقطف الثمار وتهتم بالزرع، وقد أُثبتت واقعة عن الرسول محمد (ص)، انه سمح لامراة مطلقة ان تقطف ثمار نخل حديقتها لبيعه والاستفادة من ثمنه،  كذلك عملت في مجال التعليم، وكذلك الامر في المجتمع الغربي حيث كان للمرأة حضور من خلال ممارسة بعض الاعمال، مثل التمريض والتعليم والعمل في المجال الزراعي، كما ظهرت حالات محدودة للمراة في مجال العمل المكتبي او الاداري، نظرا لعدم اعتياد المجتمعات على تقبل فكرة دخول المراة الجامعة وحصولها على شهادات عالية .

 

 معاناة المرأة قديمة، قِدم وجود البشرية. لقد عانت المراة منذ القدم وفي أغلب المجتمعات من جهل المجتمع وتخلفه، في العصور القديمة كان عمل المراة محصورضمن جدران البيت ويقتصر على الاهتمام بالشؤون المنزلية ورعاية الزوج والاولاد، لقد اعتبر الرجل المراة على مر العصور والازمنة، كائنا دونياً وشيطانا رجيما يوسوس بالشر، مما دفع باكثر المجتمعات الى التعامل مع المراة باسلوب مهين. المجتمع الروماني كان يعتبر المرأة متاعا مملوكا للرجل وسلعة رخصية جدا، ويحق للرجل التصرف بها كما يشاء،  حيث كانت المراة مضطهدة وحبيسة بيتها في حال تزوجت واحيانا يتم استخدام قفلا حديديا لاقفال فمها كي لا تتكلم، وفي الحضارة الاغريقية كانت المراة عبارة عن شجرة مسمومة وكانت محتقرة ومهانة وكذلك الامر في المجتمع  الفارسي الذي كان جائرا في حكمه على المراة ويفرض عليها اشد العقوبات التي قد تصلُ الى حد القتل احيانا لاقل الهفوات، بينما الرجل يعيش ويتمتع بكامل حريته وكذلك كان الحال في المجتمعات العربية حيث كان يتم بيع النساء، ولا يحق لهن حق في الملكية والارث، الا ان المجتمع الفرعوني رفع قليلا من قيمة المراة حين اعطاها الحق في الارث والتملك وادارة شؤون البيت في غياب الزوج، حتى الاولاد كان يتم انتسابهم الى أمهاتهم وليس لأبائهم، رغم ذلك حكمت مصر خمس ملكات فقط مقابل اربعمئة وسبعون ملك.   معاناة طويلة و مريرة عاشتها المراة وخضعت لها، لكن التطور الطبيعي الذي طرأ على المجتمعات ودخول شبكة الانترنت الى عالمنا وهيمنته على الحياة، جعل المجتمع يتقبل فكرة وجود امرأة تشارك الرجل في البيت وفي ساحة العمل، خاصة ان العمل شرط اساسي للاستقرار وتحقيق احتياجات الفرد، كما ان مؤتمر "بكين"الذي انعقد في العاصمة الصينية بكين عام  1996، اكد على حق المرأة في الحصول على حياة كريمة والعيش في مجتمع خالٍ من التمييز.

 

وجدت المرأة في العمل فرصة لاثبات ذاتها وتحقيق طموحها ومحاولة في تعويض ما مر عليها من ظلم واضطهاد.. حتى وصلنا الى وقت وزمنٍ بدأت المراة فيه تحتل موقعا هاما في المجتمعات الحديثة من خلال مساهمتها الفعالة في صناعة النهضة العلمية والعملية لكثير من الدول. العمل اصبح من اولويات الامور عند المرأة بغرض اثبات الوجود اولا، وثانيا لتحقيق الكثير من مستلزمات الحياة للمساعدة في الاعباء الاسرية، خاصة  ان المرأة اصبحت قادرة على تتحمل بعض العبء المالي تجاه اسرتها وتشارك به مع زوجها او انها فاقته في حالات معينة.

 

 عمل المرأة كان ولا يزال يسبب الكثير من المشاكل داخل وخارج الاسرة، لان مجتمعنا العربي يميل بطبعه الى عدم السماح للمراة بالعمل لاسباب اجتماعية او اعتقادات فردية نابعة من رواسب عقلية المجتمع الذكوري الذي يحاول عدم تقبل التطور الذي طرأ على المجتمع وتقبل فكرة عمل المراة، الا ان نظرة البعض لعمل المراة ما زالت تعاني من خلل اجتماعي ملحوظ وحالة من غياب الوعي التربوي والتعليمي والاعلامي، مما ساهم في تفاقم المشاكل الاسرية الناتجة عن عمل المراة والتي ساهمت بشكل كبيرفي ارتفاع نسبة الطلاق في المجتمع.  وفي حال وافق الرجل على عمل المراة، تكون موافقته على مضض ويعتبر ان الظروف الاقتصادية هي ما تجبره على تحمل فكرة خروج المراة الى العمل وليس من باب اقتناعه بجدارتها وحقها في العمل مثله تماما . وما يؤثر سلبا عل استمرار وتفاقم الخلافات الاجتماعية والاسرية هو تراجع الدور الاجتماعي الذي كان يلعبه سابقا كبير العائلة او مجموعة من (حكماء العائلة )، لما كان لهم من دور اساسي وبارز في حل المشاكل والخلافات و تسوية النزاعات داخل العائلة وايضا بين الزوج والزوجة، لذا فان غياب هذا الدور فاقم الخلاف بين اعضاء الاسرة، مما يؤدي الى وقوع حالات طلاق كثيرة، كان من الممكن معالجتها بطريقة مختلفة واسلوب عقلاني.

 

المرأة هي نصف المجتمع وهي ثروة بشرية لا يمكن تجاهلها، من ناحية تربيتها لاولادها واهتمامها ببيتها وايضا من ناحية وجودها في سوق العمل، لهذا نرى الكثير من الجمعيات والمؤسسات تعمل على مشاريع تمكين المرأة حتى تكون انسانة منتجة في بيئتها والعمل على تحسين وضعها الاجتماعي و تعزيز دورها في التنمية البشرية، ليس أجّل من يد تاكل من عرق جبين صاحبها .

 

بالاضافة الى فائدة الحصول على المردود المادي، حققت المرأة استقلالا ماليا بعيدا عن الاب والاخ وايضا الزوج، وهذا الاستقلال المالي برز بشكل مهم واساسي في حالات عديدة لسيدات لا معيل لديهن، كحال عدم زواج الفتاة وبقاؤها في بيت العائلة بعد وفاة الاهل او عدم وجود الزوج بسبب الوفاة او الطلاق، هنا يكون العمل داعم للمراة ويشعرها باكتفاء ذاتي وقدرتها على تامين كافة احتياجاتها دون طلب المساعدة من احد، خاصة ضمن الاوضاع الاقتصادية السيئة التي نعيشها، بالاضافة الى زاوية مهمة علينا الاضاءة عليها بالنسبة لعمل المراة غير المرتبطة وما يشكله العمل لها من استقرار ليس مادي فقط بل اجتماعي ايضا، فهي تشعر بجو عائلي ضمن محيط العمل مما يعوض عندها قليلا الشعور بالانغماس الكامل بامور الزوج والاولاد، لذا نرى في الآونة الاخيرة الكثير من الدول اصدروا توصية للوزارات بعدم فرض التقاعد المبكر على النساء غير المتزوجات واللواتي خدمن الفترة المطلوبة، وترك باب التقاعد المبكر خيار لهن، محافظة على الهدوء والاستقرار النفسي لهن، بما ان العمل كان يشكل لهؤلاء السيدات متنفس لاثبات اهمية وجودهن ودورهن في المجتمع..

 

 العمل عامل مساعد للمراة على رؤية قيمتها الحقيقية وشعورها بانها انسان كامل من خلال استخدام عقلها في امور هامة، كذلك العمل  يعزز الثقة بالنفس عند المرأة بما انها انسانة منتجة، فهي  تشعر بمدى قدراتها ومهاراتها المتعددة مما ينعكس ايجابا على تعاملها مع محيطها الاجتماعي وبالتالي يعكس جمالا على هدوئها النفسي، ايضا من الامور الايجابية لعمل المراة، انه  يجعلها  تعيش حالة من الانشغال الدائم بين بيتها وعملها الامر الذي ابعدها عن الفراغ القاتل واوجد قيمة واهمية لحياتها واصبحت تشعر بتوازن ضمن اسرتها بما انها تتساوى مع الرجل في تحمل الاعباء المادية وفي المسؤولية نحو تربية اولادها ورعاية بيت الزوجية .

 

 العمل بالنسبة للمراة معركة حياة وجهاد لما تجده من معوقات في مسيرتها، المرأة العاملة وخاصة من لديها اطفال، غالبا ما تضطر لتركه لدى دور الحضانة او الاستعانة باحد من عائلتها او عائلة زوجها وغالبا ما تكون والدتها، بالاضافة الى مواجهتها الكثير من الحالات الطارئة في العمل (تاخر موعد مغادرتها العمل – او حضور اجتماعات رسمية في اوقات متاخرة او خارج دوام العمل) الامر الذي يسبب لها الكثير من الضغوطات وتوتر في الحياة العائلية، خاصة ان الرجل يعتبر انه ليس مضطر لتحمل غياب زوجته عن البيت لفترات طويلة في الوقت الذي نرى فيه الكثير من النساء تتحمل غياب الزوج عن البيت ربما ايام واحيانا اشهر وتقوم بكامل مسؤولياتها دون تذمر، ايضا من المشاكل التي تواجهها المرأة تمييز ارباب العمل بينها وبين زملائها الرجال، الكثير من ارباب العمل يحاولون حصر المرأة ضمن بعض المهام النمطية او تلك التي لا تتطلب مهارة ذهنية عالية لعدم ثقتهم التامة بقدرات المراة رغم ان العديد من الابحاث والدراسات أثبتت ان عقل المرأة صمم بطريقة يستطيع التركيز في اكثر من شىء في وقت واحد، حسب موقع "طب ويب" المتخصص، ربما خص رب العالمين المراة بهذ القدرة لما عليها من مسؤوليات جسيمة تجاه عائلتها و بيتها .

 

عراقيل ومعوقات كثيرة كانت ولا تزال تواجه عمل المرأة في بعض المجتمعات ولكن بدرجة اقل عما في الايام السابقة . تطور التربية والانفتاح العلمي جعل المرأة في حالة من الاصرار والاستمرار في اثبات وجودها وتحدي كل العراقيل التي تقف بطريقها، كما ان  التوجه نحو تعليم الفتاة والمراة أصبح من البديهيات في الحياة .  العمل على رفع مستوى الوعي في مجتمعاتنا بالاضافة الى التربية المجتمعية التي يخضع لها اولادنا تساهم كثيرا في تغيير نظرة المجتمع الى عمل المراة.

 

المراة انسان ولها الحق في الحياة والتعلم والعمل وابداء الرأي ضمن حدود التربية والاخلاق، عمل المراة يساعد اولا في استقلاليتها المالية، ثانيا في رفع مستوى وعيها الثقافي والعلمي عن طريق استخدام عقلها في امور هامة، ثالثا في رفع المستوى المالي لعائلتها، رابعا رفع مستوى المراة الانساني من خلال اهتمامها بالقضايا البشرية والانسانية التي تساهم في توعية المجتمع عن طريق عملها في المؤسسات و الجمعيات التي تخدم المجتمع .

 

 

سهى احمد خيزران

POST A COMMENT