كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

الأمومة ... "ركلة"

Fri,Mar 21, 2014

الأمومة ... "ركلة"
 
هلا ابو سعيد
 
..هي "الركلة الأولى" التي تدغدغ  الأحشاء.. لغة تأسر الروح بمشاعر لا تترجمها كل لغات العالم.. هي موسيقى عالمية تعزفها الأجنة لتدخل الأرحام في سكرة مخاض أبدي لا تنتهي ولادته أبدا..
نعم، من هذه "الركلة" تولد الأمومة وتبدأ العلاقة بين الطفل وأمه لتستمر علاقة لا يفهمها الا من تعيش "تلك الولادة" لـ "روح" تستبق المخاض بلهفة العناق لتتغلب على ألم الوضع، وعلى صبر الرضاعة والأرق والاعتناء بالطفل..
هذه الركلة هي المنبه الطبيعي الذي يزرعه الله في أحشاء الإناث ليعمل أوتوماتيكيا بين الجنين وأمه .. فيخاطبها من خلال "ملة وركلة"، لترد عليه ببسمة، ثم تتحسسه، تتلمسه تبحث عنه، وتدخل فرحة عارمة حين تراقب حركة جسده من سطح بطنها لتشهد أولى تأثيراته في العالم الخارجي غير آبهة بشكلها، وزنها أو الألم الذي يحدق بها في لحظات المخاض..!

 

هذه "الركلة" التي تختصر المسافة بين الحمل والولادة، هي "منبه طبيعي" يعمل مدى الحياة متصلا بقلب الأم، الذي قد يستشرف أي سوء يتعرض له الطفل، وهو سيبقى طفلها لو حتى لو صار حاكما لأكبر دولة في العالم..!
هي الأمومة تولد من هذه "الركلة" لتستعد لاستقبال حياة جديدة ترعاها مدى الحياة..، ولكن الطفل لن يجيد لغة "الركلة" بعد الولادة حتى لو حاولت الأم مخاطبته بها، وهنا تبدأ "المعاناة" بين الطفل وأمه بـ"سوء تفاهم وعتب ضمني" من جهة الأم على طفلها الذي قد تعتبره "ناكثا للعهد"، بينما يعاني هو "قلق الأم" حين يبدأ باستكشاف عالمه الخارجي..! هنا يبدأ الاختلاف بوجهات النظر بين الطفل وأمه في مفهوم وتفسير الأمومة. فالطفل لا يفهم المغالاة بقلق الأم عليه ليبدأ بحالة النفور والرفض لأوامرها بينما لا تستوعب هي تطور حالته الفكرية ويتضاعف قلقها من ابتعاده عنها لتتحول الى صلابة المواقف بحجة التربية السليمة!
لن يستطيع الأطفال استيعاب الأمومة من وجهة نظركن يا أمهات العالم، الا من خلال ما يريده هو منكن. فالأم بالنسبة له هي الحضن الحامي من كل خطر، الملجأ في كل تهديد أو عثرة يقع بها، وهي التي يحتاج منها الدعم والتشجيع والتصفيق والثناء ورفع المعنويات. فلا شيء يؤذي الطفل معنويا أكثر من اهانة له من أمه، لأنه حين يصاب بكرامته منها تهتز أمامه صورة العالم ويفقد الشعور بالأمان..

 

لا تلومن طفلا يعاني النفور من ذكريات أليمة مع أمه، فهو قد يحقد على كل موقف خذلته به حين احتاج دعمها لتنمو معه حالة رفض لكل ما يعتبره تعديا على حرياته وتطلعاته..
لا تلومن طفلا لا يفهم حب أمه إن لم تجد هي التعبير عنه..، ولا تتوقعن من الطفل أن يفهم لغة هذه "الركلة" كمنبه  طبيعي. فهو يشعر بها بالفطرة بحب لوالدته لكنه لا يفهمها من وجهة نظر أمه المختلفة، وقد يسيء فهمها حين يسمع من أمه عبارات تقززه، خاصة حين تمننه بفترة الحمل والرضاعة والاعتناء به، ليشعر انه عبء عليها وعالة ألمت بها، فيندب حظه أنه عذبها وقد يصل الأمر به ليقول لها: من طالبك بأن تأتي بي لهذه الحياة؟!

 

الأمومة رسالة يجب أن تكتبها الأم بعناية وتختار تعابيرها بدقة وذكاء لايصال رسائل تربوية بناءة لطفلها الذي يجب أن تفهم نضجه ورشده وتحترم آرائه وتعزز لديه القدرة على اتخاذ القرارات وتزرع به الاصرار على النجاح- بكونها قدوة لا بكونها "آلة قمع"!
في كل هذا، مازلنا نتحدث عن أمومة صادقة حقيقية، خطؤها الوحيد هو المغالاة في القلق والتأديب. فكيف سيكون حال الطفل مع أم تتأفف منه، تترك عنايته لخادمة يتعلق بها أكثر من أمه لتكون هي فقط مركز الأمر والقرار؟ وما أبشعه موقف حين تحاول الخادمة تحقيق رغبة له فتعارضها أمه - بغض النظر عن وجود سبب وجيه - فالطفل لا يفهم التعليل بل يعيش ألم التناقضات، ويتمنى لو أن الخادمة أو المربية كانت هي أمه!

 

وكيف الحال بأم لا تواكب نمو ابنها ولا تهتم به، فيرتاح الولد بالاستحمام مع مربية ويخجل من أمه؟ وما هي حاله حين لا ترى الأم فيه الا مخلوقا سرق منها العمر وأفقدها بريقها أمام المرآة لتبدأ برجمه بأقسى العبارات - لأنها هي في الحقيقة لا تستحق نعمة الأمومة!
حين نكبر، قد ندرك معنى التربية الصحيحة، ونفهم القلق ومسبباته، وربما نتفهم صلابة المواقف وقسوة العقاب الذي ينحفر في عمق ذاكرتنا المؤلمة، وقد نسامح ونصفح، ولكننا لن نقتنع أنها كانت على حق - حتى لو عشنا تجربة الأمومة!
بالأمس كانت التربية قاسية على الأم قبل أن تصبح بدورها أما تمارس قسوة والدتها لأنها لم تفهم من الأمومة الا دور النهي والأمر والتوجيه. لكن أجيال اليوم تفتحت على حقوق الطفل والإنسان، ولا يجوز بعد اليوم أن تكون الأمومة "عبئا" على الأولاد، بل يجب ان تبقى من وجهة نظر الأولاد "مصدر الأمان والدعم والثقة"- ليس على قاعدة "القرد بعين إمو غزال"، بل على مبدأ تعزيز العلاقة بين ذاك "المنبه الطبيعي" و"متلقّية الركلة" بحنان لا يفارق حياة الطفل مدى العمر، شرط ان تحترم بوعي كبير تطلعاته وسعيه للنجاح، ليعود إلى حضنها دوما سائلا دعاءها ومباركتها لخطواته، فتبقى في باله مصدر الثقة الذي يبقي فيه الأمل حيا بأن "الدنيا بألف خير"..
هذه "الركلة" هي نبض الحياة الأول ... أما العناق الدائم والدعم .. فهما الأمومة المثلى!
 
POST A COMMENT