كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

أمهات على المقابر وأخريات تناضلن من أجل أولادهن وكرامتهن

Fri,Mar 21, 2014

 

عيد الأم يَجمع اللبنانيين ويُحرك الأسواق التجارية
أمهات على المقابر وأخريات تناضلن من أجل أولادهن وكرامتهن
 
زينة أرزوني:

 

21 آذار، انه التاريخ الوحيد الذي يُجمِع عليه العالم بأسره، فلا الانتماءات الحزبية، او السياسية، او التقويم الغربي والشرقي، باستطاعتهم تجزئة هذا العيد واضاعة معناه الحقيقي. وعوضاً عن الحكومة الجامعة سيكون عيد الأم هو اليوم الجامع في لبنان. فمهما اختلف مقدار الحب للأم من شخص لأخر، ومهما اختلفت الظروف والبيئة يبقى حبّها فطرياً، وخير دليل على ذلك الطفل الذي اذهل العالم لحظة ولادته، بابتسامته التي كانت ترتسم على وجهه عند معانقة والدته.

 

الطفل الذي دخل موسوعة "غينيس من خلال ابتسامته، والتشبث بوالدته بقوة واضعاً يده على جبينها، والصراخ بشدة عند محاولة الممرضات جذبه لتنظيفه، اما الأم المتعبة من الولادة القيصرية فكانت تقوم بفتح عينيها والابتسام لما يجري أثناء إمساك الطفل بجبينها، وكأنها تقول لنا جميعاً "لن تفهموا هذه الحالة ولن تستوعبوها لأن الله فطر قلوبنا عليها".
وفي لبنان للاحتفال بعيد الام نكهة خاصة، كل يحتفل على طريقته وقدرته، مِنّا من يهديها الورود، ومن تسمح قدراته المادية ربما يهديها ما هو أثمن، والبعض الاخر قد يختار البقاء بقربها، ومن لم يفعل قد يجبره الوضع الأمني بالبلد البقاء في المنزل إلى جانبها.
عيد على المقابر

 

لكن هناك امهات ستذرف الدموع أكثر في هذا العيد، وستفتح صندوق ذكرياتها لتأتي بصورة او بقطعة قماش، وتشم رائحة ابن لها استشهد في التفجيرات الاخيرة التي طاولت لبنان، ام ستذهب الى قبره لتؤنس وحدته وتطفئ نار قلبها، التي بدأت تأكل ملامح وجهها وتذيب جسدها.
هذا ما تفعله كل يوم والدة الشهيد محمد الشعار الذي قضى في تفجير الوزير محمد شطح قبل أشهر، فالدمعة التي شقت قناة بين عينيها ووجنتيها لم تعد تفارقها، وما من شيئ قد يبهجها او يدخل الفرحة الى قلبها. فالابتسامة سرقت منها مع وفاة طفلها. 

 

اما والدة الشهيد علي خضرا فباتت الجبانة التي تضم جسد طفلها وجهتها الاولى والاخيرة، بعدما غدرته يد الارهاب، واردته احدى سيارات الموت شهيداً في تفجير حارة حريك.

 

صورة الطالب علي خضرا، المرفوعة وسط الشارع العريض في حارة حريك، توصلك دون عناء الى منزله، منزلٌ فقدت فيه الحيوية وحلت مكانها الحسرة، وشوق امّ لا تقوى على الكلام الى وسائل الاعلام ولا تريد التعبير عن شيء، لتشعرك دون ان تدري ان اسئلتك لا قيمة لها، ولا جدوى منها، لانها هي وحدها التي تعيش الف شعور وشعور لن يعرف معانيهم الا امّ احترق قلبها على طفلها.
هذا المشهد يَطبع امامك صورة تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي بكثرة هذه الايام، عن ام اعتادت ان يقدم لها ابنها هدية في عيدها، الا انها هذه المرة قررت هي اهداء نفسها، بعدما استشهد نجلها في الحرب الدائرة في سوريا.

 

هدية ام الشهيد من بلدة شقرا الجنوبية، صنعتها هي بأيديها ووضبتها بعناية بالغة، اذ استعارت حذاء ابنها العسكري كما تقول، وصنعت منه مزهرية مليئة بالورود واهدتها لنفسها في عيد الأم، بعدما اهداها ولدها اغلى شيئ في العالم وهو لقب أم الشهيد.

 

هدية للأب قبل الأم
مقابل حالة العشق هذه، هناك اشخاص لا يعني لهم عيد الأم شيئاً، فهم لا يرونها الايقونة او الشخص المثالي، ويعتبرون الحديث عن الامهات وعن تضحياتهم امراً مبالغاً فيه، واقرب الى الروايات، بحسب محمد قازان.
محمد البالغ من العمر اثنين وثلاثين عاماً، كان يحاول في مثل هذه المناسبات تجنب التواجد في المنزل، كي لا يحرَج ويكون شاهداً على "تمثيلية" مصطنعة على حد قوله، علماً انه كان يعطي المال لشقيقته لتجلب لوالدته هدية بإسمه.
يعترف انه يحبها لأنها والدته فقط، لا لأنها مثله الأعلى، فهو يكره قسوتها عليه حين كان طفلاً، ويغار من اهتمامها الدائم بشقيقاته، ويقدّر تضحيات والده جداً، ويتعمد إحضار هدية له في عيد الأم، "لأنه هو الحنون وهو الذي رعاني وكان دائماً يعلمني الصح من الخطأ".
تضحك زينب والدة محمد عندما تسمع هذا الحديث. فهي اعتادت على معاملة ابنها لها بهذه الطريقة، وتتفهمه جيداً، وتعترف بأنها أخطأت حين فرّقت بالتربية بين الصبي والفتاة، فبحسب اعتقادها انها "كانت تصنع منه رجلاً"!
اما (ح. أ) البالغ من العمر 12 عاماً والموجود في سجن الاصلاحية، فلا توجد "ذرّة حب" صغيرة في قلبه لوالدته ويتمنى موتها اليوم قبل الغد، ولا يعترف بشيء اسمه عيد الأم، فهي "كانت السبب وراء اخلاقه السيئة ولجوئه الى السرقة ليؤمن لها المال ويبعدها عن الطريق الذي سلكته بعد موت والده"، حسب قوله. وحين تسأله عن هذا الطريق، تراه يعود الى عمر الخمس او الست سنوات، "كنا نطلع بسيارة تاكسي ونروح مع رجال على شقة او شي محل، ولكنني حين كبرت ادركت ما كان يحصل". ومع استطلاعك عن وضعه وعن مستقبله، يجيب بابتسامة ساخرة "ما تخافوا أكيد رح إشتغل شوفير تاكسي بس إطلع".

 

امهات عاملات
نموذج الأم السيئة تكسره الأمهات العاملات في مختلف الميادين والساهرات على راحة اولادهن واستقرار منازلهن. هذا الاهتمام الزائد بالاولاد نابع من عقدة ذنب العمل والتواجد خارج المنزل لفترات طويلة، بحسب الاعلامية والمذيعة في قناة آسيا الاخبارية نورا زعيتر، التي تؤكد انها باتت تقضي وقت فراغها مع ابنتها، فلم تعد تعطي اهتماماً كبيراً للسهر او قضاء معظم اوقاتها مع اصدقائها بقدر ما تحاول دائماً تعويض الساعات التي تقضيها في العمل، بساعات مفيدة لطفلتها، مشيرة الى انها كادت ان تأخذ قراراً بالتوقف عن العمل والاهتمام بتربية ابنتها بعدما تعلقت بشكل كبير بخادمتها.
فيما تُشرك القابلة القانونية فاطمة فخر الدين اولادها في مشاريعها ونشاطات التوعية التي تنظمها للأمهات والاطفال، مشيرة الى انها بهذه الطريقة "اضرب عصفورين بحجر واحد، اقضي اطول وقت ممكن مع اولادي ويتعرفون على اناس جدد وانمّي لديهم حسّ المساعدة والاندماج الاجتماعي، وفي الوقت نفسه استكمل عملي خارج المستشفى وغرفة الولادة".

 

تسوّل "بنكهة" عيد الأم
ولأن الأم بركة كل منزل، جاء عيدها وحرّك الاسواق التجارية الراكدة في لبنان بسبب الاوضاع الأمنية والاقتصادية، الا ان محال الورود والحلويات "لم تهدأ وتيرة عملها منذ يومين، في اطار تحضيرات قوالب الحلوى والزهور لليوم الموعود"، بحسب احمد شقير صاحب محل لبيع الورود، مشيراً الى انهم ينتظرون هذا اليوم كل عام ويعتمدون على مردوده بشكل كبير لأن "لا أحد ينسى هذا العيد او ينسى شراء وردة لأمه.
حتى ادعية المتسولين في الشوارع تتبدل مع كل مناسبة، فعند اشارة كورنيش المزرعة - تلة الخياط، تستوقفك متسوّلة وهي تدعي بطول العمر لوالدتك والصحة الجيدة. الأمر يعجب البعض وتراهم يدفعون مالاً كفدية عن والدتهم، ومن بينهم الطالبة في كلية الاعلام "هبى حمية" التي تعطيها مبلغاً الف ليرة لبنانية على نية والدتها، واخرى على نية حماتها، والف ثالثة على نية خلاصها بالسلامة من ولادتها التي باتت قريبة.
وفي المقلب الآخر من هذا اليوم، لن يتغيّر الكثير. فبعض الأمهات سيبقين غير قادرات على إعطاء الجنسية لأولادهن، وبعضهن ربما يحصلن على قسط من الراحة من أعمال المنزل "المحكومات" بها، أو من عنف أسري لم يجدن قانوناً يحميهن من مرتكبيه. 

 

لن يتغير الكثير، الا ان المتغير الوحيد هو انها أمّ على مدار السنة، واليوم فقط في عيدها، ستكون أماً مكرّمة.
 
POST A COMMENT