كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

نظرة شبقية تطوّق النساء في الفتاوى الدينية!

Sun,Aug 19, 2018

خطابات رجال الدين المتشددين تحول المرأة العربية إلى لعبة جنسية وسط تصاعد الأصوات المطالبة بالتصدي لها.


فوضى من الفتاوى الدينية تسيطر عليها فكرة قيادة الرجل للمرأة واستغلاله لها جنسيا، تخترق الثقافة العربية، لتكرّس الهيمنة الذكورية على المجتمعات، وتعزل النساء عن الحياة العامة وتحرمهن من حقوقهن الشرعية أسوة بالرجال



يشهد العالم العربي بين الحين والآخر صدور فتاوى، قد يكون الهدف من بعضها التوضيح والتبسيط لقضايا اجتماعية ودينية معقدة، إلا أن البعض الآخر منها يغالي في النظرة الجنسية للمرأة، ويحتوي على تحيزات ضدها توسع الهوة بين الجنسين، وتجعل أي تقارب بينهما ثالثه الشيطان، بل ومحفوفا بالشكوك والخوف من الخطيئة الجنسية، وما يشوب ذلك من ذنوب وانتهاكات تكون المرأة مسؤولة عنها بالدرجة الأولى.

وخلال السنوات الأخيرة صدرت العديد من الفتاوى المثيرة للجدل، ومن بين الفتاوى التي ذاع صيتها العام الماضي “نكاح الوداع”، وهي فتوى أجاز فيها أحد شيوخ الأزهر بمصر نكاح الرجل لزوجته المتوفاة، والشيخ نفسه أباح تصوير الرجل نفسه وهو يمارس العلاقة الحميمية مع زوجته؛ حتى يشاهداها معا لاحقا، بهدف إثارة الرغبة الجنسية لديهما، وحتى لا يأثم من مشاهدة امرأة أجنبية في الأفلام أو الفيديوهات الجنسية.

وأوصى رجل دين مصري أيضا زملاء العمل بـ”التراضع” لتجنب الخلوة المحرمة إسلاميا، أي بقاء رجل وامرأة لوحدهما في مكان ما، وواجهت تلك الفتوى جدلا كبيرا في الصحافة المصرية ومختلف الدول العربية.

كما حرم أحد الدعاة المصريين المقيم في أوروبا، على النساء ملامسة أنواع من الخضار والفاكهة، كالخيار والموز والجزر... بتعلة أنها تتّخذ شكل العضو الذكري، ومن شأن ذلك أن يثيرهنّ جنسيًّا، أو يوحي لهن بأفكار جنسية.

ومن السعودية صدرت العديد من الفتاوى، ومنها على سبيل المثال إجازة إسعاف الرجل للمرأة في حال الضرورة ولكن “لا يمكن للمسعف لمسها”.

أما الشيخ صالح بن سعد اللحيدان رجل الدين السعودي البارز فقد أفتى بتحريم قيادة المرأة للسيارة بدعوى أنها تضر بالمبايض ومنطقة الحوض، ما قد يؤدي إلى إصابة أطفالها “بخلل إكلينيكي”، إلا أن هذه الفتوى تحولت إلى موضع تهكم وسخرية بعد السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة.

والأمثلة كثيرة على الفتاوى التي صدرت في دول عربية وإسلامية مختلفة، وتحوم في أغلبها حول أجساد النساء ودورها في إغواء الرجال ودفعهم نحو الفتنة، وسواء اقتنعن بها أم لا، فإنهن يجدن أنفسهن أحيانا عاجزات عن التصدي لسلطة رجال الدين.

فتاوى بدلا من القوانين

بالرغم من أن معظم هذه الفتاوى لا يوجد لها امتداد في المصادر الدينية الموثوق بها وغير ملزمة قانونيا، إلا أن الكثير منها تحول إلى ممارسات اجتماعية حلت محل القوانين في إصدار الأحكام المسبقة على النساء، ما ساهم في تكريس الهيمنة الذكورية على المجتمعات، وجعل من الصعب على النساء تجاوز الحدود التي رسمها رجال الدين لـ”المرأة الصالحة”.

وشدد رشيد الخيُّون، الباحث العراقي في التُّراث الإسلامي، على أن المرأة تحتل مساحة واسعة في النصوص الدينية، والكتب المقدسة ونصوص رجال الدِّين.

وقال الخيون لـ”العرب” إن “رجل الدِّين أو المتدين الحزبي، لا بد أن يُقيد زوجته وأخته وابنته، والنَّساء القادر على فرض رأيه عليهنَّ، مِن أقارب أو معارف، بلباس وسلوك يتناسبان مع شروطه الدِّينية، لذا تأتي المرأة وحجابها وتعاملها مع زوجها وإرثها وكل ما يخص أولادها محورا لفتاوى الفقهاء، لأن إسلامية المجتمع أو تدينه يتوقفان على معاملة النِّساء، وعلى تصور أن الدين أنصف المرأة، وهو الوحيد الذي يمنحها إنسانيتها”.

وأضاف الخيون “يبدو أن ثلاثة أرباع الفقه يدور موضوعها حول المرأة، وطاعتها لزوجها وطهارتها وصوتها وجسدها ونكاحها وإرثها والحلال والحرام المتعلق بها… فبالإضافة إلى الكتب الدِّينية والكتب الفقهية، التي ركزت على المعاملات والعبادات، هناك كتب خاصة حملت عنوان (معاملة النساء)”.

وتابع “لو افترضنا أن الفقه لم يخض في شأن المرأة، فأغلب الظن لن يبقى للفقهاء أي عمل يقومون به، ولا يكون هنالك وجود لرسائلهم الفقهية، وهذا أخطر ما يكون على الإسلام السياسي والفقهاء، خصوصاً إذا تم الاعتماد على قوانين خاصة بالأحوال الشَّخصية، فيكون الزواج والطلاق عبر المؤسسات الرَّسمية، عندها سينتهي دور الفقه، وستنتهي تبعية المجتمع له”.
مشكلة رجال الدين

تكمن المشكلة الحقيقية إذن في كيفية مواجهة هذه الفتاوى من أجل الحد من تأثيرها على الناس، فأي رفض أو تمرد على ما يقوله رجال الدين قد يفسران في بعض الأوساط المحافظة على أنهما تعد على الثوابت الدينية، وهو ما يلحق بالمعترضين أشد العقوبات التي تصل أحيانا إلى حد الإعدام، وبالتالي يكون من الصعب على المرأة أيضا تخطيها، فتستمر مثل هذه الفتاوى في التحكم بمجريات حياتها، وخاصة في ظل ثقافة التمييز ضدها والنظرة الدونية لجنسها.

وروت إحداهن لـ”العرب” حالة الصراع النفسي التي عاشتها، والتي دفعتها إلى التفكير في التخلي عن ديانتها، جراء إحساسها بأن الإسلام قد ظلم المرأة، وربما هناك الكثيرات مثلها لديهن الشعور نفسه، ويحيرهن الأمر ذاته، فهل العيب حقا في الدين؟

كان الرد على هذا السؤال قطعيا من الإعلامية والأديبة اللبنانية ​ميشلين حبيب التي أكدت أن المشكلة لا تكمن في الدين، بل في فحوى خطابات من يتحدثون باسم الدين، مستهلة حديثها بقوله تعالى في (سورة آل عمران 42) “وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ”.

وقالت حبيب لـ”العرب” “تُظهر هذه الآية مكانة سيدتنا مريم العذراء العظيمة في القرآن. فإن القرآن يرى في مريم أمّ المسيح آية في اصطفائها، آية في ميلادها، آية في اختلائها في الهيكل، آية في ولادتها المسيح، آية في طهارتها وقداستها، آية في شخصيتها. فما من امرأة بين الملائكة والبشر أشرف منها حسب ما نصّ عليه  القرآن جازماً بالأمومة والبتولية معًا”.

وأضافت “تعكس مريم الصورة الكاملة للمرأة ومن خلالها تظهر أهمية المرأة وكرامتها عند الله؛ فهي الأم والزوجة التي تكمّل الرجل، ومن دونها لا توازن في المجتمع والحياة. فالمرأة إذًا هي إنسان قبل أن تكون امرأة، والرجل هو إنسان قبل أن يكون رجلًا، وقد خلقهما الله متساوِيَيْن في الإنسانية”.

وتساءلت مستهجنة “كيف لأي شيخ -أو عالم دين- متعمّق في القرآن وما أتى فيه عن مريم العذراء ألا يكون قد فهم إرادة الله وحرصه على كرامة وقيمة المرأة؟ وكيف له أن يخرج عن الكتاب ويصدر فتاوى تسيء إلى المرأة وتجعلها أداة جنسيّة لإشباع غرائز الذكر مثل إرضاع الكبير ومعاشرة الزوجة الميتة؟”.

وعبرت عن استغرابها قائلة “من المستحيل أن يحلّ الله الذي خلق امرأة طاهرة عظيمة وجميلة مثل مريم العذراء وجعلها أمًا لمسيحه أمرًا بهذه البشاعة ينتقص من شأن المرأة وكرامتها الإنسانية”.

وترى حبيب أن “تلك الفتاوى إهانة لله قبل أن تكون إهانة للمرأة، فهي من وجهة نظرها تَعَدٍّ على كمال الخالق وعظمته وعلى حقوق وكرامة الإنسان إجمالا”.

وتابعت “من المستحيل أيضًا أن يجعل الله الكليّ القدرة والحكمة والرحمة والصلاح إنسانًا خلقه على صورته ومثاله، لعبة جنسية تُشبع غرائز جسدية فانية لمخلوق آخر. هو دعانا إلى الكمال وليس إلى الانحطاط إلى درك الحيوانات. ثم ما هو السبب الخارق الذي يجعل رجلًا يمارس الجنس مع جثّة؟ كيف يمكن الوثوق برجل كهذا أو ائتمانه على أولاده؟”.

واعتبرت حبيب أن تلك الفتاوى مجحفة بحق الرجل مثلما هي مجحفة بحق المرأة، إذ أنها تحرمه من الهدف السامي الذي خُلق من أجله وتجعله آلة جنسية غير إنسانية، مشددة على أن مثل هذه الفتاوى تشكل تحدّيا لسلطة الخالق، ومن شأنها التشجيع على الاغتصاب والتحرّش بالمرأة واستعبادها وإخضاعها تحت شعار الدين، ومنعها من العمل، وقد تساعد على انتشار الجهل والتخلّف.

وتساءلت حبيب مستنكرة “كيف لرجل غارق في إشباع رغباته الجنسية أن يجد الوقت والوعي ليعبد إلهًا صالحًا محبًّا طاهرًا عظيمًا؟”.
الاحتياجات الحقيقية للمرأة

وأكثر ما يثير استياء النساء اللاتي تحدثت إليهن “العرب” هو أن هذه الفتاوى لا تأخذ في الاعتبار احتياجات المرأة اليوم، ولا تتصدى للصعوبات التي تواجهها في مجتمعها، بل تحاول عزلها، بدعوى أن “جسدها عورة”.

وترى الصحافية التونسية وداد بن يحمد أن المجتمع التونسي حديث العلاقة بالفتاوى، وأنه ليس من السهل تغيير عقليته أو التأثير على نظرته للمرأة، مؤكدة أن بلادها قطعت أشواطا في تمكين النساء من حريتهن وحقوقهن ومساواتهن مع الرجال.

وقالت بن يحمد لـ”العرب” “أغلب الفتاوى تصدر إما من مصر وإما من بلدان الخليج ولا تعالج مشاكل المرأة في تلك المجتمعات بقدر ما تسيء إليها، أما بالنسبة إلى تونس فالأمر حديث ولم نسمع الكثير من الفتاوى التي تمتهن المرأة وتتحدث باسم الدين دون وجه حق”.

وأضافت “شخصيا لا تحكمني أي فتاوى ولا يمكن أن تؤثر علي، بقدر ما تحكمني القوانين ونواميس المجتمع الذي انتمي إليه، وأرفض قطعيا أن ينظر إلى المرأة على أنها ناقصة عقل ودين أو عورة وتقيّم بناء على دورها البيولوجي وليس الإنساني…”.

وختمت بن يحمد بقولها “أدعو أصحاب هذه الفتاوى إلى تطبيق ما أفتوا به على عائلاتهم وذويهم، ولكنني أدرك مسبقا أنه من المستحيل أن يعملوا بهذه النصيحة”.

في المقابل، استنكر الإعلامي السعودي صالح بن حسين الفتاوى الشاذة التي تتخذ من المرأة موطنا وهدفا لها، داعيا إلى ضرورة التصدي لها حتى لا تلوث حياة الناس وتسبب الفرقة والتناحر بينهم.

وقال بن حسين لـ”العرب” “لا ينكر وجود وسطوة هذه الفتاوى الشاذة إلا كل غافل أو متواطئ معها، إما بدافع الخندقة المذهبية لأصحاب هذه الفتاوى وإما بسبب عنصرية جندرية أو بسبب عقلية القطيع غير المدربة على التدبر والتعقل والتفكر، بقدر ما هي مدربة على الاتباع كقطيع الدواب أينما يهش عليها الراعي يممت شطره”.

وأضاف “السعودية بفضل السياسة الفكرية الشابة الجديدة بعد توفيق الله، قضت على الكثير من الفتاوى الشاذة خاصة المتعلقة بالمرأة ودعمت حضورها في المشهد العام ككيان آدمي له استقلاليته وقيمته، وتجاوزت أزمنة هذه الفتاوى الشاذة وأثرها على صناعة القرار، وقد كان ذلك في حزمة الإجراءات والقرارات المشفوعة بالإرادة الصلبة والحماية العليا لها كي تضمن عدم النكوص مرة أخرى”.

وتابع “أصبح للمرأة السعودية الحضور والدور الذي يليق بها، بل يليق بكل مجتمع متحضر وسطي التدين مستنير الفكر دون إفراط ولا تفريط، ومع الوقت سيستوعب المجتمع أطر هذه الحياة الجديدة. والوقت كفيل بمحو كل ما يعرقل صيرورة الحياة، فهكذا علمتنا التجارب التاريخية المماثلة منذ رفض التيار المتشدد التيلكس والهاتف والراديو والتلفزيون وتعليم المرأة”. واستدرك بن حسين متسائلا “لكن لماذا بقيت المرأة هدفا لأهل الفتاوى الشاذة من أهل الغلو والتشدد الذين يطيب لنا توصيفهم بالظلاميين؟”.

وأجاب عن سؤاله قائلا “لأن المرأة بالنسبة إليهم عنوان عريض (مانشيت) للتخويف، وفزاعة ناجعة يستطيعون من خلالها التشبث بقيادة القطيع للسيطرة على جموع الناس وتأطيرهم على هواهم وأمزجتهم لشبق التسلط والسيادة والطاعة العمياء ليس إلا”.

فيما شدد رجال دين معتدلون على وجوب مواجهة ما سموه بفوضى الفتاوى، التي تطلق لأغراض كثيرا ما تكون شاذة وغريبة، ويبدو أن الوقت قد حان لاعتماد العقل تجاه الكثير من التابوهات من أجل هدم خرافات دعاة الدين المتشددين التي ملأوا بها الدنيا وشغلوا الناس.


يمينة حمدي- العرب

POST A COMMENT