كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

المرأة في المجالس البلدية... ناخبة لا مُنتخَبة !

Fri,Apr 22, 2016

منذ العام 1953 عندما منح مجلس النواب الحق للمرأة بالاقتراع وحتى اليوم لم يتغير إلا القليل القليل في واقع المرأة النمطي في مجال العمل البلدي والسياسي، والمفارقة الكبرى ان المرأة تشكل قوة ناخبة تخطت الرجل، اذ تشكل النساء نسبة 53 في المئة بين اصوات المقترعين في الانتخابات اللبنانية بشكل عام، بينما لا تتجاوز نسبتهن في التمثيل في مقاعد مجلس النواب اللبناني 3,1 في المئة، ولم يتجاوز تمثيلهن نسبة الـ 3،4 في المئة من إجمالي المقاعد في الانتخابات البلدية.


لا يكاد يذكر التاريخ اللبناني، مدعوماً بالذاكرة اللبنانية "الذكورية" أسماء نساء احتللن بقوة الإرادة مواقع ريادية في المجالس البلدية، وفي حال وجدنا... تواجهنا الصعوبة في جمع المعلومات عنهن وعن تجاربهن، ولكن ليس العيب في كلمات البحث التي لجأنا اليها لجمع معلوماتنا بقدر ما هو عيبٌ تآخى مع مجتمعنا وتغلغل في ذهنيات أفراده، مدعوماً بسياسة جندرية وأعراف فرضت علينا واقعاً أقل ما يمكن وصفه بالمعيب في القرن الواحد والعشرين. ولعل ما يجعلها معيبة أكثر تكريس المواد الدستورية للمساواة بين اللبنانيين، رجالا ونساء، (المادة رقم 7) ، والتزم لبنان في مقدمة دستوره بعد تعديلات التسعين، بمواثيق منظمة الأمم المتحدة كونه عضوا عاملا ومؤسسا فيها، كما التزامه بالاعلان العالمي لحقوق الانسان، وحرصه على "العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمييز"... ولكن لطالما كان النص اللبناني شيئا والواقع أشياء أخرى لا تمت إليه بأي صلة.

جملة من العوائق
تعود أسباب عدم المشاركة الفاعلة للمرأة في العمل البلدي للعوائق القانونية، الدستورية، الاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة لعدم احترام المواثيق والمعاهدات الدولية، وافتقار قوانين الانتخابات إلى المساواة في الفرص المتاحة أمام المرشحين، ومنع السيدة المتزوجة إلى خارج البلدة من الترشح في بلدتها، (كسبب اساسي) وبالطبع العقلية الذكورية التي لا تتقبل وجود المرأة في المواقع القيادية، إضافة إلى عقلية العائلات التي تأبى أن تمثلها امرأة، بالإضافة للموروثات والسلوكيات المجتمعية وإن لم تكن مفروضة بموجب القانون. ولا ننسى أن نذكر تقاعس السياسيين وقادة الأحزاب بطرح أسماء السيدات لخوض الانتخابات البلدية أو النيابية، والمواقع القيادية الأخرى في الشأن العام.
فـ"على الرغم من أن نسب تمثيل المرأة في المجالس البلدية في بيروت زادت إلى 3،4 في المئة من إجمالي المقاعد في انتخابات العام 2010، بعد أن كانت 2،2 بالمئة في انتخابات الـ2004، إلا أن هذه المشاركة الخجولة، لا تزال دون المستوى المطلوب، وليست بالنسبة التي يمكن أن ندّعي الفرح والتباهي بها، بينما نحن إذا أردنا التحدث عن السيدات اللواتي تسلمن مهام رئاسة المجالس البلدية في لبنان نجد أن عددهن لا يتجاوز الست أو السبع نساء من ضمن 976 رئيس مجلس بلدي".

أرقام مخيفة
فالأرقام "مخيفة" كما تسميها ندى عنيد، رئيسة جمعية "نساء رائدات" التي تعنى بتفعيل حضور المرأة، وتعزيز دورها في المواقع الريادية في لبنان. وتؤكد عنيد لـ"البلد" بأن هذه النسب لا تعكس وضع المرأة اللبنانية المشاركة بنسب أفضل في الحياة الاقتصاية والاجتماعية والثقافية، ما عدا السياسية منها، اذ "دائما عندما نصل الى مناصب القرار في الشأن العام أو في الحياة السياسية نصل الى أرقام مخجلة جداً". اما في الانتخابات البلدية القادمة فيصعب تحديد عدد المرشحات الى عضوية المجالس البلدية الا قبل ما يقارب الـ15 يوما من الاستحقاق الانتخابي، وهي النسبة التي تتفاءل عنيد بأن تكون افضل من الاستحقاقات القادمة.
وتتمثل المعوقات التي تحول دون وصول المرأة الى المجالس البلدية، كما تلخّصها عنيد في العقلية الذكورية لدى العائلات التي تطرح السؤال البديهي والاستنكاري عند ترشح أي امرأة للانتخابات البلدية "شو بطل في رجال بالعيلة" فالعائلات تفضل التمثل برجل، لاعتقادها بأنه أكثر قدرةً على حمل أعباء مهام المجلس البلدي اكثر من النساء، ولان مفهوم العمل البلدي في الذهنية اللبناني هو مفهوم سياسي، يفتقد للشفافية، ويقوم على نظام "التنفيعات" والمحسوبيات، كما أن اختيار أعضاء ورؤساء المجالس البلدية لا يعتمد معيار الكفاءة، ما يقلّص فرص المرأة في هذا المجال.

آلية التفعيل
وتشدد عنيد على ان تفعيل دور المرأة في المجالس البلدية، ليس بالأمر المستحيل، ويمكن عبر وسائل عديدة على رأسها ايمان المرأة بنفسها وبقدرتها على خوض هذا الغمار والنجاح به، ففي الانتخابات الماضية انتُخب 35 في المئة من النساء اللواتي ترشحن، بمعنى آخر "اذا ترشحن يمكن ان ينجحن ويكسرن بذلك الصورة النمطية للمرأة في هذا المجال"، كما ويكون التفعيل عبر اعتماد اللامركزية في الانتخابات البلدية، فرض نسبة نسوية لمشاركة المرأة، وتغيير مفهوم اللبناني لعمل ودور رئيس البلدية، الذي يعتمد على المحسوبيات العائلية والسياسية أكثر منه على خدمة المواطنين وإصلاح بيئته المصغرة، كما وتحتاج المرأة الى تشجيع من العائلة كون الترشح في البلديات عائليا بامتياز في المناطق، بالإضافة إلى اعتماد دورات تدريبية لتعريف المرأة على ماهيّة العمل البلدي وصلاحيات رئيس البلدية، ليكون ذلك دافعاً لتشجيع المرأة على الترشح الى الانتخابات البلدية أكثر، ولا ننسى الخطوة الأهم في تفعيل دورها من خلال اعتبار مشاركة المرأة في هذا الإطار من أولويات السياسيين وأصحاب القرار.

تجارب رائدة
وعن تجارب النساء القليلة التي مرت في تاريخ لبنان في مجال العمل البلدي، تقول عنيد بأنها تُعتبر تجارب رائدة يمكن وصفها بالأكثر تنظيماً من تجارب الرجال في المجال نفسه، إلا أنها لم تخلُ من الصعوبات الخارجة عن إطار العمل، والمتمثلة بالعقلية الذكورية، والفوضى التي تشهدها البلاد.
وتروي عضو مجلس بلدية عاليه سعدى حليمة لـ"البلد" تجربتها في المجال البلدي، وهي "تجربة بدأت بالاصرار والعزم ومستمرة بالارادة والايمان بالتغيير"، فلم يمنع التهميش الممنهج المباشر وغير المباشر من قبل المحيط حليمة من اكمال المعركة الانتخابية في الـ2010 ، ولم تنفع سياسة زرع العصي في الدواليب عن ثنيها عن التأسيس لتجربة منظمة ومحمودة النتائج. فـ"أول مواجهة كانت مع محاربة المحيط، وثاني مواجهة كانت المجلس كمجلس اذ لا تكافؤ ولا مؤهلات لدى أعضاء المجلس، وكباقي المجالس مؤلف من هيمنة عائلية لا اكثر ولا أقل، ورغم ذلك استلمت الأشغال في المجلس ومنعت التلزيم وواكبت الاشغال على الارض، واثبتت ان المرأة يمكنها ان تعمل على الارض وتكون عضوا فاعلا ومؤهلا في المجالس البلدية" وتنصح حليمة كل مرشحة حالية او مستقبلية بأن تؤمن بنفسها وتجعل الايمان بالتغيير نابعا من ايمانها بنفسها، اولا، وتحمل قبل الاقدام على هذه الخطوة رؤيتها ومشروعها للبيئة التي ستمثلها، ثانياً، والاهم ان تكون ابنة البيئة التي ستترشح لعضوية مجلسها وشبيهة تلك البيئة لتحمل ثغراتها ومشاكلها في مشروعها الانمائي. وتجدر الاشارة الى ان حليمة عاودت ترشحها لعضوية مجلس عاليه لانتخابات ايار المقبل وذلك لـ"إكمال مشروع الاشغال الذي بدأت به" اذ اسست مؤسسة اشغال لبلدية عاليه وتعمل الآن على تقويتها ودعمها.

ليس مستحيلاً
اذاً ليس بالامر المستحيل تفعيل دور المرأة في المجالس البلدية، وتجدر الاشارة الى ان هذا التفعيل يجب ان ينبع من ذات المرأة نفسها وايمانها في تحطيم الصورة النمطية التي اطّرها المجتمع اللبناني داخلها، وتبقى العين على انتخابات ايار المقبل، فهل ستكون نسب التمثيل النسائي مشجعة داخل المجالس المرتقبة ام انها ستكون مخيبة للآمال كغيرها من السنوات...؟!



نهلا ناصر الدين | صدى البلد

POST A COMMENT