كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

أيّتها المرأة اللبنانيّة... من أين لكِ هذا؟

Thu,Oct 22, 2015

أحياناً نخال أن الأيام تتكرّر بتواريخ مختلفة، "والعمر رايح". الا أن مقارنة ما نحن عليه اليوم بما عايشناه منذ سنوات، يطلق العنان لاستنتاجٍ مفاجئ، مفاده: "كم تغيّرنا!". مفارق جمّة تبدلّت في المجتمع اللبنانيّ في السنين الأخيرة، كان أبرزها دور المرأة اللبنانيّة في الحياة المهنيّة. من "شوفيرة تاكسي"، مروراً بسائقة باصٍ مدرسي، الى جنديّة شجاعة، وصولاً الى تبوؤ منصب أولى السيّدات العربيّات في الشرق الأوسط التي تقود طائرة. آراء الرجال في لبنان حول هذا الحيّز الواسع الذي اتّخذته الشريكة في العمل والمجتمع، أنتج رأياً عاماً منقسماً بين مؤيّدٍ "لهذا الإصرار الجبّار"، ومعارضٍ "لهذا الاندفاع المتهوّر". لكن حقيقةً لا مفرّ منها يُسلّم الجدل بها: المرأة اللبنانيّة اليوم مختلفة عن تلك التي عاشت يفاعتها منذ 30 سنة. فمن أين لكُنّ هذا؟

"أصحابي بطّلوا يحكوا معي"

لعلّ المفترق الأبرز الذي يعبّر عن مدى اندفاع المرأة اللبنانيّة الى العمل، يكمن في تولّيها مهمات شاقّة، لطالما نُسبت الى الذكور، خصوصاً في منطق المجتمعات الشرقيّة. جانيت اسكندر كانت إحداهن، حين قرّرت أن تعمل "شوفيرة تاكسي"، وتجول الأراضي اللبنانيّة اوتوسترادات وزواريب ضيقّة، وصولاً إلى تحقيق الذات. تقول: "كنت أرغب في أن أدرس الهندسة في المرحلة الجامعيّة، لأنني أحبّذ منطق الشجاعة وأرغب في تحدّي الرجل، الا ان الاوضاع الأمنية المتردية آنذاك منعتني من تحقيق طموحي. اليوم، ها أنا أحقّق ذاتي من خلال مهنة أفتخر بممارستها، حيث صرت (شوفيرة تاكس) ومسؤولة عن فريق السائقات في مكتب pink taxi للسيارات العموميّة".


وتعتبر ان "النجاح الذي تلاقيه في عملها، أنتجته ثقة اللبنانيين بالمرأة وتحبيذهم لتحمّل مسؤوليّة أطفالهم، من خلال نقلهم من المدرسة وإليها، وكذلك في ما يخصّ العناية بذوي الحاجات الخاصّة داخل السيارة، والتقيّد بقوانين السلامة المروريّة". وتضيف: "المفارقة تكمن في عدم تقبّل نسبة كبيرة من الرجال لمهنتي، حيث يطاردونني في السيارات بسرعة رغبةً في إخافتي، ويغدقون عليّ التعليقات الساخرة، في حين يتهمني سائقو التاكسي الذكور بسرقة زبائنهم والتعدي على مصلحتهم". وعن أغرب موقفٍ واجهته، تسرد: "المفاجأة حلّت حين اصيب جزءٌ كبير من أصدقائي وأقاربي بالذهول، يوم علموا أنني أصبحت سائقة عموميّة، وقاطعوني رافضين التحدّث معي لفترة زمنيّة قبل أن يتداركوا الأمر. أما اليوم حين ألتقي بهم، يبادرون بالقول (شو بعدك عم تشتغلي تاكسي؟)".

60% من قطاع الخدمات و41% من القضاة

لا تقتصر أوجه التحدي على حالاتٍ فردية، بل يمكن توصيفها بالثورة النسائية المهنيّة. ففي دراسةٍ أولى من نوعها أجرتها دائرة الإحصاء المركزي في لبنان عن واقع المرأة بالأرقام في السنين الأخيرة، تبيّن أن 60% من قطاع الخدمات اللبناني تشغله نساء، في حين أنهن يشكّلن 5.7% في مجال الزراعة، و7.5 % في الصناعة، و21.5% في التجارة، و10.4% في النقل وأنشطة البريد والاتصالات السلكية واللاسلكية، حيث يصل معدّل العاملات في لبنان الى 23%. وفي الإطار نفسه، تشير الدراسة الى أن النساء يشكّلن 6.5% من الكوادر العليا والمديرات، و%11.5 من الموظفات الإداريات. وفي المهن التي تتخذ غالباً طابعاً ذكورياً، تتبيّن مشاركة واسعة النطاق للبنانيات، حيث يشغلن 21% في مجال الهندسة، و41% في القضاة و42% في الصيدلة. وتلفت الأرقام الى أن نسبة الفتيات المتعلّمات وصلت الى 80.8%، في حين أن 4% منهن لم يلتحقن بالمدرسة أبداً.

عملها يفقد زوجها السيطرة؟

دوافع اجتماعيّة وخبايا نفسيّة قد تكمن وراء عدم تحبيذ الرجل دخول المرأة مجال العمل. فتشير الأستاذة في علم النفس الاجتماعي، جمال باز، الى ان "مفهوم السيطرة الذي يحبّذه الرجل في حياته الزوجيّة، يجعله يرفض فكرة عمل زوجته لأنه يفقده السلطة نظراً إلى عدم إمساكه جميع الأمور الماديّة، وفي هذا الشعور عمليّة نفسيّة لا إراديّة. بيد أن هذه النظرية التي يتبناها الذكور خاطئة، لأن مفهوم السيطرة يرتبط بالطبائع وليس بالعمل. في حال كان زوجها ضعيفاً ستتملّك سيّدة المنزل القرار. الا ان أي ثنائي واعٍ ومتفهّم، لن ينظر الى الأمور بهذه الطريقة". وحول الجماهيرية التي تتمتّع بها الفتاة اللبنانيّة على حساب العنصر الذكري في الحصول على عمل، تلفت الى ان "المرأة تتمتّع بمستوى ذهني أهمّ من الرجل، ما يجعلها ناجحة في عملها بعد تطوّر مفهوم الوظائف في لبنان من يدوي الى اعمالٍ ذهنيّة بحتة. كما أن الأجور المنخفضة تلقي بثقلها على الذكور حيث يرفضون العمل مقابل 800 دولار التي يعتبرها غير كافيةٍ لتأسيس عائلة، في حين تجد الفتاة هذا المبلغ ضمن طموحاتها المطلوبة نظراً لاختلاف نوعيّة مصاريفها".

المجتمع لن يتغيّر

"لن يبدّل الرجل اللبناني بشكلٍ عام نظرته المتهكّمة بحقّ المرأة، لأن العقلية الذكورية تحتاج إلى عمر كامل كي تُكسر". بهذه العبارة تختصر باز توقّعاتها حول تطوّر موقف الرّجل المستقبليّ من المرأة العاملة ضمن وظائف غير اعتياديّة. وتضيف: "الحلّ يكون عبر تنشئة الأولاد وفق أسسٍ تربويّةٍ صالحة، تنبذ مظاهر التمييز بين الجنسين، كما يبرز دور الإعلام في طرح المواضيع ومناقشتها بما يعود بالمنفعة والتوعية على المجتمع".

لا شكّ في أن دخول المرأة اللبنانيّة مجال الأعمال التي لطالما أخذت طابعاً ذكورياً، أضفى روحيّةً جديدة في تلك المجالات نحو التقدّم والتطوّر الاقتصادي والاجتماعي. نبذ الرجال لهذا الواقع المستجدّ غير منطقي. الا ان ظاهرةً أخرى أشدّ إثارةً للسخط من رفضهم عمل زوجتهم، وهو الافراط في الاعتماد على المرأة لكسب مظاهر العيش. قد يختار بعضهم الجلوس في المنزل طوال النهار بانتظار التنعم بأموال الزوجة في كلّ نهاية شهر. في هذه الحال تنتقل القصّة الى مضمارٍ آخر، عنوانه الاستغلال. وبين ظاهرتي التعصّب والاستغلال، ما أجمل أن يختار الرجل ويتبنّى منطق المساواة!


مجد بو مجاهد- النهار

POST A COMMENT