كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

حماية النساء من العنف الأسري: المشكلة تكمن في عقول بعض القضاة!

Thu,Apr 02, 2015

منذ عام، نجحت المنظمات المدنية في الضغط على المجلس النيابي لإقرار "قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري". صدر القانون في نيسان الماضي بعد أن أُدخل عليه بعض التعديلات ونشر في الجريدة الرسمية في 15 أيار 2014. وعلى الرغم من أن إصدار القانون شكل خطوة لافتة في مسار مواجهة العنف الأسري، لا سيما العنف ضد النساء، الا أن التعديلات التي أدخلها المجلس النيابي على النص الأساسي للقانون، نتج منها "ثغرات كثيرة تسمح بتعدد أوجه التفسير"، بحسب جمعية "كفى عنف واستغلالاً" التى أطلقت، أمس، الدليل القانوني حول "تحدّيات تطبيق القانون رقم 293"، ضمن إطار مواكبة الجمعية لمسار القانون.

المبادرة التي قامت بها الجمعية هدفت الى "توضيح الأسباب الموجبة لهذا القانون والعمل على تفعيل مضمونه وتطبيقه من قبل الجسم القانوني". من هنا، أعلنت الجمعية وضع "الدليل القانوني" بين أيدي القانونيين تحقيقاً للهدف المرجو.
يعرض الدليل الخلاصات التي تم التوصل اليها نتيجة النقاشات التي قامت بها الجمعية مع غالبية القضاة والقاضيات، الذين أصدروا قرارات الحماية خلال عام 2014، كذلك يوثّق قرارات الحماية الصادرة في هذه الفترة. وبحسب الجمعية، تم تقديم 36 طلب حماية أمام قضاة الأمور المستعجلة، منذ تاريخ نشر القانون في أيار 2014 حتى نهاية العام. جميع هذه القرارات مقدمة من قبل نساء، وقد صدر على إثرها 30 قرار حماية وتم ردّ 6 طلبات منها.


قرارات الحماية هذه تكشف جملة من التحديات المطروحة في معرض تطبيق القانون، والناتجة من "طريقة صياغة القانون والتعديلات التي أدخلها المجلس النيابي على النص الأساسي للقانون دون مراعاة لأسبابه الأساسية الموجبة". ترى الجمعية أن "هناك ثغرات لا يمكن تخطيها الا بتعديل النص القانوني، إلا أن هناك ثغرات أخرى استطاع بعض القضاة تخطّيها من خلال الاجتهاد".


أبرز هذه التحديات هي "مدى قراءة القانون على ضوء العنف القائم على النوع الاجتماعي واعتماد علاقات السلطة كمعيار للنظر في طلبات الحماية"، إضافة الى مدى إمكان حماية الضحية من جميع أنواع العنف، لا سيما المعنوي والاقتصادي منها.


يبرز في هذا الصدد التحدي الذي يواجهه القاضي في التعامل مع المادة الثالثة من القانون، التي نصّت على تشديد بعض العقوبات على جرائم منصوص عليها في قانون العقوبات من دون أن تحدد ماهية جرائم العنف الأسري. فهل يقتضي حصر الأفعال العنفية بالأفعال المجرّمة في هذه المادة الذي سيتبع حصولها إصدار قرار بالحماية؟


بحسب الجمعية، فإن النقاش يدور بين اتجاهين مختلفين لدى قضاة الأمور المستعجلة في قراءة المادة. الاتجاه الأول يرى أن المادتين الأولى والثانية حدّدتا نطاق تطبيق القانون لناحية الأشخاص الذين يشملهم والضرر الذي يجب أن نتفادى وقوعه على الضحية من خلال قرار الحماية، سواء أكان هذا الضرر نفسياً أو جنسياً أو معنوياً أو اقتصادياً، الأمر الذي يجعل نطاق تطبيق القانون أشمل من المادة 3 التي اقتصر دورها على تجريم بعض الافعال.


أما الاتجاه الثاني لقضاة الأمور المستعجلة، فينطلق من قاعدة أن الاجتهاد لا يعني الخروج عن النص، ويرتكز أصحاب هذا الاتجاه على ما نصّت عليه المادة 2 من القانون، والتي عرّفت العنف الأسري، إذ أشارت الى حصر الأفعال "بالجرائم المنصوص عليها في هذا القانون". وبالتالي يجد أصحاب هذا الاتجاه أن المقصود هو الأفعال المحددة في المادة 3 منه على سبيل الحصر. وبالتالي فإن المادة 3 من القانون هي التي تحدد نطاق تطبيقه.


يعلّق أحد القانونيين على هذا الاتجاه بالقول "هذا الأمر لا يمنع قاضي الأمور المستعجلة من إصدار القرار الحمائي استناداً الى صلاحياته العامة المنصوص عليها في بعض النصوص القانونية أو عن طريق اللجوء الى الاتفاقيات الدولية في حال وجد أن الفعل غير منصوص عليه في القانون رقم 293".


إثبات الضرر

التحدي الثاني الذي يطرحه القانون، هو إثبات الضرر عبر المستندات المطلوبة. في حال كان العنف المرتكب قد تسبّب في إيذاء جسدي، وقد سبق للضحية أن تقدمت بشكوى أمام النيابة العامة فتح على ضوئها محضر للتحقيق، عندها يمكن الاستعانة بتقرير الطبيب الشرعي أو بصورة عن محضر التحقيق لإثبات العنف المرتكب. ولكن، إذا لم يكن التحقيق قد ختم بعد ولا يزال مفتوحاً، هل يفيد محضر التحقيق بحالته الحاضرة كإثبات للعنف المرتكب أمام قاضي الأمور المستعجلة للحصول على أمر بالحماية؟
هنا، يتبين أن محضر التحقيق يكون مهماً لإثبات العنف، لكن ليس على قاضي الأمور المستعجلة بالضرورة تبنّي توجه النيابة العامة وموقفها من الشكوى، باعتبار أن القاضي يستطيع أن يكوّن اقتناعه الخاص عن طريق التحقيق الذي يجريه بنفسه، وهو يملك صلاحية لإجراء ذلك. بل إنه مضطر الى ذلك في حال لم يكن هناك شكوى قدمتها الضحية، سيما أن القانون رقم 293 ينص على حق الضحية في اللجوء بكل الأحوال الى قاضي الأمور المستعجلة للحصول على أمر حماية من دون اشتراط وجود شكوى سابقة (المادة 13).
ويتجلّى اجتهاد القضاة هنا عبر استنادهم الى محضر التحقيق، حتى لو لم تكن النيابة العامة قد اتخذت موقفاً من الشكوى بعد وختمت التحقيق، على اعتبار أنه يمكن الاكتفاء بالإفادة المعطاة في متن المحضر لاتخاذ القرار بأمر الحماية بدلاً من استدعائه للاستماع اليه (وهو ما سيتطلب تأجيل بت قرار الحماية الذي يجب أن يصدر خلال 48 ساعة، ما قد يعرّض الضحية للخطر). وبذلك يكون القضاة قد تصدّوا لهذه المسألة تفادياً لأي تأخير في تأمين الحماية للضحية وعدم تعريضها للخطر.

تفسير "الفروع المعرّضين للخطر"

لقد نصّت المادة 12 من القانون على أن أمر الحماية يهدف الى حماية الضحية وأطفالها، أما باقي الفروع وسائر المقيمين معها فيستفيدون من أمر الحماية إذا كانوا معرضين للخطر. إلا أن الفقرة الأخيرة من المادة نفسها عرّفت الأطفال المقصودين بالحماية بـ"الذين هم في سن الحضانة القانونية وفق أحكام قوانين الاحوال الشخصية وسائر القوانين المعمول بها".


هذا الأمر أدى الى تباين في قرارات الحماية الصادرة عن قضاة الأمور المستعجلة بين ملتزم بحرفية النص ومن توسع في تفسير "الفروع المعرضين للخطر" ليشمل بذلك الأطفال بغض النظر عن سن الحضانة. وبعد مناقشة آراء القضاة تبين أن هناك سبلاً عديدة لمواجهة هذه الثغرة منها:


-عدم إمكانية تناول مسألة الحضانة إذا لم يكن هناك طلاق بين الزوجين.
-ان موضوع الحضانة لا يمكن بتّه بعملية حسابية تتناول عمر الطفل فقط، فضلاً عن أنه في حال كان الطرفان متزوجين بموجب عقد زواج مدني لا يتبع لأي من قوانين الأحوال الشخصية المعمول بها.
-ثمة اتفاقيات دولية تعنى بحقوق الطفل يجب عدم تجاهلها بل الالتزام بمضمونها.
إلا أن النقطة الأهم التي يمكن الاعتماد عليها لسدّ هذه الثغرة الى حين تعديل المادة 12، فهي تفسير القاضي لمصطلح "المعرّضين للخطر" ومدى اعتبار الطفل الموجود في بيئة عنيفة ضحية عنف ومعرضاً للخطر لمجرد أنه شاهد على هذا العنف، حتى لو لم يقع عليه مباشرة، فالتوجه العالمي يعتبر الطفل الشاهد على العنف "معنفاً ثانوياً" وليس "شاهد عنف".


لا تقتصر التحديات التي ولدتها الثغر، المتعمّدة (ربما)، في صياغة القانون، على هذه النقاط فحسب، بل تشمل عدداً من البنود الأخرى، كآلية تنفيذ القرار وملاحقة مخالف القرار وكيفية تفعيل الدور التكاملي المقصود في القانون بين قاضي الأمور المستعجلة والمحامي العام للأسرة وغيرها...
إلا أن صيغة القانون تبقى من الأمور التقنية التي من واجب القضاة (باعتبارهم السلطة المؤتمنة لاسترداد الحقوق) أن يتجاوزوها لتحمّل مسؤولياتهم.


"المشكلة لا تكمن في القانون، المشكلة تكمن في العقلية السائدة لدى بعض القضاة الذين يستطيعون تجاوز جميع الثغر التقنية نصرة للضحية". هذا ما يقوله قاضي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف، الذي أصدر أول قرار حماية في 31/5/2014، أي بعد مرور أسبوعين فقط على نشر القانون. يقرّ معلوف بـ"غياب هيبة القانون المطلوبة لردع الشخص المعنّف"، ويؤكد أن قضاة الأمور المستعجلة "الذين يملكون الصلاحيات التي تخوّلهم حماية ضحايا التعنيف، يستطيعون أن يساهموا في تفعيل هذا القانون، ويمكنهم تجاوز الامور التقنية سعياً لإعادة الهيبة إلى هذا القانون".


هديل فرفور- الأخبار

POST A COMMENT