كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

ضيفنا

أسرار وحقائق حول الموحدين الدروز في لقاء خاص مع الشيخ سامي أبي المنى

Mon,Jul 28, 2014



ضمن سلسلة لقاءاتنا الدينية خلال شهر رمضان المبارك، حظي "Checklebanon" بفرصة التعرّف، عن كثب، على واحد من أكثر المذاهب الإسلامية غموضاً.. هو مذهب الموحّدين "الدروز"، الذي سرَت في فضائه، ولا تزال، الكثير من الشائعات والتحليلات والإجتهادات. بعضها نفى عنه صفة الإسلام، بعضها نسب إليه وابلاً من صفات التقوقع والإنغلاق على الذات ورفض الآخر، وبعضها الآخر نظر إليه من منظار السلوك الإجتماعي والوطني لأبنائه، فاعترف للموحّدين "الدروز" بوفائهم للإسلام، كما للوطن والإنسان بشكل عام!


ولعلّ نموذج المذهب التوحيدي في لبنان هو الأصدق في التعبير عن جوهر هذه الطائفة المنبثقة من كنف الإسلام، المتعايشة مع الآخر في محيطها بسلام تام اليوم، وإن كانت الحرب اللبنانية قدّمت صورة "مشبوهة" عن أبنائها، لناحية قوّتهم في الحرب وشجاعتهم وإقدامهم الإستثنائييْن في الدفاع عن أرضهم وعرضهم وطائفتهم، إلا ان ذلك لا ينزع عن هذا "المسلك" صفة الغموض، خصوصاً إذا ما علمنا أن للموحّدين بشكل عام، ولمشايخهم على نحو خاص، نظرتهم الخاصة، المنفردة، والفريدة، في فهم الإسلام، تبصراً وتعمّقاً، وفلسفةً، وتطبيقاً، وكأنك بهم أمام أشباه فلاسفة لا أمام رجال دين عاديين. أما فلسفتهم فمدرسة في "الفقه الإنساني"، حيث "الإنسان غاية الغايات" .. أمّا الدين، فما هو إلا وسيلة لبلوغ هذه الغاية، في أرقى مستوياتها وتجلّياتها!


فأيّ دين هو دينهم؟ من هو رسولهم وأي الإئمّة إمامهم؟ هل لديهم كتابٌ غير القرآن؟ ثم ما هو الحلال والحرام في "اجتهادهم"؟ لماذا يرفضون تعدّد الزيجات؟ ويف يفسّرون رفضهم المطلق للزواج من خارج طائفتهم؟ وكيف ينفتحون على الآخر رغم بعض محاذير الإختلاط التي يحرصون على تطبيقها؟ وطبعاً ماذا يعني شهر رمضان بالنسبة لهم؟ ولمَ لا يرون أنفسهم ملزمين بصيامه؟!


إجابات مهمّة على هذه الأسئلة وسواها الكثير، ننقلها إليكم ضمن لقاء مثير وشيّق أجراه موقعنا مع رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي الدرزي، وأمين عام مدارس العرفان التوحيدية، فضيلة الشيخ سامي ابي المنى، في منزله في بلدة شانيه بجبل لبنان، تتابعون تفاصيله في الحوار الآتي نصّه:


- بدايةً، ماذا يعني لكم شهر رمضان المبارك؟


* نحن كموحّدين "دروز"، جزء من الطائفة الإسلامية الكبرى، أما اسم "الدروز" فلا علاقة له بروحية المذهب، ونسعى لإزالة هذه التسمية عن الطائفة. كتابنا المرجعي الإساس هو القرآن الكريم، ونحن مسلمون، وإن كانت لدينا تفسيرات واجتهادات واختبارات عرفانية وروحانية يتميز بهو الموحّدين ويعوّلون عليها، إلا أن الكتاب هو القرآن، وديننا هو الإسلام، كما ورد في القرآن الكريم، إن الدين عند الله الإسلام. إضافة الى ان تقاليدنا إسلامية، فزيّنا إسلامي، وعمامتنا إسلامية أقرب إلى عمامة الأزهر الشريف. من هنا نحن لا نخرج عن الإسلام أبداً، بل نحن نقول أننا دخلنا في عمق حقيقة الإسلام، لأن للإسلام حقيقة أبعد من المظاهر، على أهميتها. ونعود بذلك إلى حديث شريف، حيث يقول الرسول (عليه الصلاة والسلام) بأن }الإسلام هو الإقرار والشهادة بالله وبالنبي محمد والأنبياء، وبإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة...{ ونحن نشهد بأن لا إله إلا الله وبأن محمّداً رسول الله، وهذا هو المستوى الأول من الإسلام.

أما المستوى الثاني في الإسلام فهو الإيمان، أي ان يعتقد الإنسان ويؤمن بقلبه - وليس فقط أن يشهد ويقرّ بلسانه– بأن الله واحد أحد، وبالأنبياء والرسل والكتب المقدّسة وبالقيامة واليوم الآخر، وبالقدر. أما الإحسان، وهو المستوى الثالث كما يعرفه نبي الله (ص) بقوله: إن }الإحسان هو أن تعبد الله  كأنك تراه، فإذا لم تكن تراه فهو يراك{. هذا هو التوحيد. الإحسان هو التوحيد. أي أن تعيش مع الله، أن تعبد الله وكأنك تراه، أي أن تكون صادقاً مع الله دائماً وأن يكون الله معك دائماً. إذاً مذهب الموحّدين الدروز هو مذهب إسلامي، إلا أن فيه تعمّقٌ بحقيقة الإسلام، وسعيٌ حثيث ودائم لعيش هذا الإسلام وهذا الإيمان. فعلى كل مسلم وكل موحّد أن يسعى للوصول إلى درجة الإحسان التي أشار إليها الرسول (ص).


من هنا، وكموحّدين فإننا نحترم ديننا الإسلام وكل ما ورد فيه، لذلك فشهر رمضان الكريم بالنسبة لنا هو شهر الخير والبركة، بدايةً، لأنه الشهر الذي }أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان...{، كما ورد في الآية الكريمة. وهذا الشهر فضيل لأن فيه ليالي القدر، ولأنه مرتبط بفريضة الإسلام المتمثلة بالصيام. وفي الصيام عبرة وتجربة واختبار للإنسان، لأن معاني الصيام هي معاني الصبر والإرادة وترويض النفس والثبات على الأمر. فصيام نهار بكامله لمدة شهر كامل نوع من التجربة القاسية التي تروّض النفس. وفي شهر رمضان أيضاً المحبة والزكاة والخير، لأن الصيام وحده لا يكفي، بل على الإنسان أن يزكّي من ماله على الفقراء والمحتاجين، كما في كل أيام السنة طبعاً، لكن في شهر رمضان تتضاعف عند المسلم حسنات الزكاة.


- لكن يقال أن ثمة فلسفة خاصة لدى الموحّدين الدروز فلسفة خاصة فيما يتعلّق بمسألة الصيام تحديداً، وبأن الصيام عن الطعام والشراب ليس مفروضاً على المسلم الموحّد لا في رمضان ولا في غيره من الأيام.. فما هي حقيقة هذا الأمر؟


* من حيث المبدأ، لا نستطيع أن نقول أن الصيام غير مفروض، كما الصلاة والزكاة والشهادة، وهي كلّها فرائض من أركان ديننا الإسلامي، ولا يمكن القول أنها رُفعت عن أحد من المسلمين. لكن بالنسبة لنا، يعطى الإنسان الحرية، ولا يجبر جبراً. فلا إكراه في الدين. ومن جهة ثانية، نحن نعتقد بأن الأجر يأتي من عند الله إذا كان الإنسان مخيّراً غير مجبر على أمر ما، ولا أجر في حال الإجبار. في الوقت نفسه، الفريضة تبقى فريضة، والصيام يجب أن يبقى سرّاً بين الإنسان وخالقه، وهو سبيل لترويض النفس. وفي النهاية، التوحيد مسلك وليس ديناً أو ديانة.

وبالنسبة لنا، النبي محمد (ص) هو خاتم الأنبياء، والقرآن الكريم هو آخر الكتب المنزلة، ولا كتاب بعده. لكن بالنسبة لنا، ثمة اجتهادات وتعمّق في معنى الإسلام. وعلى الموحّد المؤمن كذلك أن يتعمّق بمعنى الصيام. فثمة صيام عن المأكل والمشرب، وصيام عن الشهوات والملذّات، وصيام أرقى عن الفكر الفاسد والعقيدة الفاسدة. وهذا المستوى الثالث هو ما يطمح إليه الموحّد وما يسعى إليه. أما إذا لم يكن صائماً عن أي فكر ونية فاسدة، وعن أي معتقد فاسد، وإذا لم يكن صائماً عن الشهوات والملذّات، فما ينفعه صيامه عن المأكل والمشرب؟ وكما تقول السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام): }ماذا يصنع الصائم بصيامه إذا لم يصُن سمعه وبصره وكل جوارحه{. فإذا لم يصن الإنسان كل هذه الحواس، ماذا ينفعه صيامه عن الطعام؟


إذاً الصيام بالنسبة لنا يرتبط بهذه الفلسفة التي تربط الصيام بالاختيار والحرية والإقتناع، وليس فقط ليتباهى بصيامه أو لينفذ فريضة وكأنه مجبر عليها دون أن يكون راضياً تماماً بها. هذا ما نسمّيه العيش مع الله، وهو يتطلب الصدق، تماماً كما أن الصيام يتطلب الصدق مع النفس ومع الله. فإن يكن الصيام اجتناب المحارم. فعلى الإنسان أن يصوم عن الحرام طوال حياته، عن الطعام الحرام... وليس فقط في رمضان.


- أي الطعام هو الحرام بمفهومكم؟


* بالنسبة لنا، كل مصدر مشبوه للطعام يعتبر حراماً. الشبهة في تفسيراتنا واجتهادات مشايخنا أقرب إلى الحرام. فالطعام الذي لا يعرف مصدره أقرب إلى الحرام. وهذا لا يعني أن كل الموحّدين ينجحون بإبعاد أنفسهم عن الشبهة، إلا أن المشايخ الملتزمين يمتنعون عن تناول الطعام لمجرّد الإشتباه بنسبة 1 % بمصدره. أما الحلال الصافي بالنسبة لنا، فهو ما ينتجه الإنسان من كدّه وتعبه، ومن أرضه، لأن مصدره معروف تماماً. على الموحّد أن يسأل من أين أتى هذا؟


- وأي المصادر حرام؟


* كل مال يأتي من سرقة أو ربا أو بطريقة محرّمة أو غير شرعية، فهو مال حرام. فالذي يعمل في الدعارة، ويقتنص مال الناس، او يديّن الناس بالربا والفائض... كل هذه المصادر حرام، والتاجر الذي يوظّفها، كذلك بضاعته كلها حرام. وثمة مقولة كانت موجودة لدى الموحّدين الدروز، وتدل على التشدد في مصدر المال، هي مقولة أن مال الدولة كلّه حرام. ففي الماضي، عاش الدروز تحت أمر دولة ظالمة، تحت سلطة الإقطاع وتسخير الناس، ومن هنا صدر اجتهاد مفاده أن مال الدولة والسلاطين وكل من يعملون تحت جناح السلاطين، كله مال حرام. وهذا نوع من التشدد والإحتراز فيما يتعلق بمصادر المال، وما زال معتمداً من قبل بعض المشايخ المتشدّدين، فيما يرى آخرون أن موظّف الدولة يتعب وينال ماله بتعبه...


- وماذا عن تحريم الخمور لدى الموحّدين الدروز، تحديداً في مسألة تحريم كل ما هو موجود في مكان توجد فيه الخمرة، وليس تحريم الخمرة وحدها؟


* نعم صحيح، والمشايخ يتشدّدون في هذا الأمر كثيراً. فلدينا تحريم قطعي للخمر، ومن يشربه يخالف الدين، الذي يحرّم شرب الخمر وشراءه واقتناءه وإنتاجه والمتاجرة به. من هنا يبتعد الموحّدون إجمالاً عن الاسواق والمحلات التجارية التي تسوّق الخمر تطبيقاً لما ورد في القرآن الكريم. والموحّدون يتشدّدون في موضوع الخمر. ففي زمن الحاكم بأمر الله، أي زمن انطلاق مذهب التوحيد في العصر الفاطمي منذ أكثر منذ العام  408 هـ، والإمام الحاكم هو الإمام الأخير عند الموحّدين الدروز، الذي يعتبرون أنه كما النبي محمد (ص) هو خاتم الأنبياء، فإن الإمام الحاكم هو خاتم الأئمة الذين بدأوا بعلي بن أبي طالب (ع) وصولاً إلى الإمام الحاكم الإسماعيلي الفاطمي. ففي زمن الإمام الحاكم، حُرّم الخمر، وحرّم حتى زرع الكرمة لفترة محددة لكي يقطع الخمر كلياً.


- وهل ما زلتم تعتبرون العنب محرماً حتى اليوم؟


* لا طبعاً، فنحن إمامنا الاول هو العقل. فالإنسان أشرف المخلوقات لأنه تميّز بعقله. فلمَ تحريم حبّة العنب المفيدة لصحة الإنسان؟ يكفي تحريم الخمرة، لأنها تضر بصحة الإنسان وتذهب عقله، وما الأمر الذي أشرنا إليه بمنع زراعة الكرمة سوى رسالة ودرس بالتشدد بتحريم الخمرة ليس أكثر.


- هل نستنتج من كل ما سبق ان مسلك شهر رمضان هو مسلك دائم بالنسبة للموحّدين الملتزمين بقواعد الدين؟


* مسلك التوحيد مسلك دائم. فلا يوجد يوم للحلال وآخر للحرام. بنظرنا أن كل أيام السنة أيام للطاعات والعبادات ولكسب الخير والإبتعاد عن الشر. فالإنسان عليه أن يعيش مع الله كل أيامه وأن يكون صادقاً في طاعته لله. لكن الإنسان بحاجة إلى شحن دائم بالإيمان، وهنا يأتي دور رمضان لتجديد انطلاقته ولإعادة النهوض والتوبة والسعي. والتوبة لا تكون مرة واحدة في الحياة، بل التوبة سعي دائم. فحتى الشيخ الملتزم بأوامر الدين يحتاج لتجديد دائم لتوبته، وإلى الإرتقاء. مسلك التوحيد هو مسلك الإرتقاء، أي أن يرتقي الإنسان من درجة إلى درجة في عبادة الله، أما أن يراوح الإنسان مكانه، فكأنه يعيش في مستنقع يمكن أن تأسن مياهه مع الوقت. أما الجريان والإرتقاء الدائم، فهو المطلوب.


- ذكرت الصيام عن الملذات والشهوات. لكن القرآن يقول }للمؤمن ثلاث ساعات{ من ضمنها ساعة لنفسه وملذّاتها..


* نعم نحن نقول "ساعة لك وساعة لربّك". والقرآن فرض الصلاة خمس مرّات في اليوم وترك للإنسان ساعات كثيرة لغير العبادة. لكن في قاموسنا أنه، حتّى في ساعات العمل والراحة والتسلية، يجب ألا يخرج الموحّد عن المألوف، وإطلاق العنان للشهوات والملذات خارج عن المألوف، حتّى في المأكل. فحتّى لو كان الإنسان يمتلك في حديقته كل انواع الفواكه، لا ينبغي ان يتخم معدته بها. فكما أن نظام الكون يجب أن يبقى قائماً محافظاً على التوازن، كذلك نظام الجسم يجب ان يبقى متوازناً. والموحّد هو من يعتدل في تصرفاته، في مأكله ومشربه وملذّاته.
- لكن حتى في الزواج لديكم خصوصية بتحريم الزواج بأكثر من زوجة واحدة..


* التوحيد لم يحرّم الزواج، وهو سنّة الله... طبعاً الزواج بأكثر من زوجة في الوقت نفسه حرامٌ عندنا، لعدم إمكانية العدل بين الزوجات، وثمة شروط محدّدة لاتصال الزوج بالزوجة، وليس كل شيء محللاً، بل ثمة نظام، وكل ما يرفضه العقل محرّم. وعندما يقود العقل الإنسان، يعرف الصواب من الخطأ. في الوقت نفسه، نحن لسنا دعاة زهد بكل الحياة ولا دعاة انزواء، لأن الإنسان كائن إجتماعي، وبالإنزواء لا تكتمل عبادته. فبالنسبة لنا، ركيزتا التوحيد هما الصدق، والأخوّة، أي محبة الناس وخدمة الناس ومعاملتهم بالتي هي احسن.


- لكن ثمة نظرة قديمة عن الطائفة بأنها منغلقة على نفسها، بمعنى أنكم غير منفتحين على الناس من خارج طائفتكم. فهل محبة الناس بمفهومكم تنحصر بأخوتكم في التوحيد دون سواهم؟


* قطعاً لا. لكن مسلك التوحيد، الذي دعي اليه في العصر الفاطمي تعرّض لنوع من الإضطهاد، لأنه شكّل فكراً جديداً، متقدماً، عقلانياً، في فهم الإسلام. لذلك حورب وتعرّض للمضايقة. وبعض دعاة هذا المسلك أساؤوا التصرّف وطردوا من مهمّتهم، مثل نشتكين الدَّرَزي، الذي أبعد ومن ثم قُتل. لعل هذا الأمر أدى إلى نوع من مداراة الآخر. والمداراة تعني التقيّة. والتقيّة موجودة في كل المذاهب، حيث ليس كل ما يعرف يقال، ولا ينبغي على الإنسان أن يفصح عن كل الإختبارات الروحية التي يعيشها، لأن بعض الناس قد لا يستوعبها. الإنغلاق ربما أتى إذاً نتيجة الإضطهاد الذي عانى منه هذا الفكر المتقدّم في العصر الفاطمي، والذي دعا إلى الدخول إلى عمق حقيقة الإسلام وليس الإكتفاء بالظاهر والباطن فقط، بل أن ندخل إلى حقيقة الإسلام لنعيشها واقعاً، وليصبح الدين وسيلة وليس غاية. فبالنسبة لنا ان الدين وسيلة لتحقيق إنسانيتنا وليس غاية بحد ذاته. لكننا في المقابل دعاة انفتاح على العالم. إن ما يميّز الموحّدين هو أنهم محدودون في عددهم، ولا يقبلون بأن ينتمي أحد رسمياً إلى مسلكهم. فقد يقتنع أحد بالمسلك لكن لا يسمح له بالانتماء الى الطائفة رسمياً..


- أوليس هذا نوعاً من الإنغلاق؟


* كلا على الإطلاق. هذا نوع من المحافظة على الهوية والذات، مع الدعوة للارتقاء كلٌّ في مذهبه ودينه.


- وهل هذا المنع وارد في أية آية تحرّم الدخول إلى الطائفة؟


* لا أبداً، فنحن في النهاية مسلمون. وبالتالي ليس أحد بحاجة للتحوّل عن دينه ليدخل ديناً جديداً. بل يمكن لأي مؤمن أن يرتقي في دينه ليفهم هذا المسلك التوحيدي، دون الحاجة إلى الإنتماء الرسمي لطائفتنا.


- ومن يمنع الإنتماء للطائفة؟


* القانون والنظام العام للطائفة يمنع هذا الامر، لأننا نتشدّد في بعض الأمور، من ضمنها مثلاً مسألة تعدد الزوجات، والحفاظ على تقاليد موروثة والتماسك الاجتماعي بين عائلات الطائفة.

- لكن القرآن يقرّ بحق الرجل في الزواج بأكثر من زوجة. فلم تخالفونه؟


* القرآن يقول }وانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ..وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة{، لكنّه يقول في آية أخرى }ولن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم{. فهذا النفي لإمكانية العدل نفسّره نوعاً من التحريم، خصوصاً ان الآية الثانية نقضت الأولى. ولذلك يميل الموحّدون إلى الآية الثانية، وهذا الامر وارد في نص قانون المحاكم المذهبية في طائفة الموحدين الدروز، بأنه يمنع تعدد الزوجات.


وما يميّز الموحدين أيضاً هو حرية الإيصاء. فالموحّد حرّ أن يوصي لوارث أو لغير وارث. إذا الموحّد حرّ بوصيته لمن يشاء، أكان ذكراً أم أنثى. اما إذا مات دون وصيّة، فيطبّق المذهب الحنفي في الشريعة الإسلامية.


- أين صعوبة مسلك التوحيد إذا كان يعطي كل هذه الحرية للإنسان بدءاً بحرية الصيام وصولاً إلى حرية الإيصاء وغيرها؟


* هو مسلك صعب لأن فيه تحدّ للذات وسعي دائم وارتقاء بلا مراوحة. إلا أنه يعطي الحرية للإنسان، لأن المُجبر لا يثاب ولا يعاقَب، أما الإنسان المخيّر فيثاب على عمل الخير ويعاقب على عمل الشر }فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرّةٍ شرّاً يره{. الإنسان إذاً يعاقب على كل عمل يقوم به. من هنا يعطى الإنسان الحرية الكاملة. حتى المرأة في مسلكنا تُعطى الحرية. ففي محكمتنا المذهبية، يحقّ للمرأة طلب الطلاق كما يحقّ للرجل. أما في مذاهب أخرى فالعصمة بيد الرجل. بالنسبة لنا، العصمة بيد المرأة كما الرجل، إلا أن الطلاق لا يصبح نافذاً إلا بموافقة وحكم القاضي، بعد أن يحاول جاهداً إصلاح ذات البَين ورأب الصدع. هذه الامور تميّز الموحّدين.


وبالعودة إلى الإنفتاح، فنحن أهل حوار وسلام ومحبّة وإنسانية، على عكس النظرة التي فرضتها الحرب عنّا. وانا بصدد التحضير لكتاب حول الرؤية الحوارية لدى الموحّدين الدروز. فمسلكنا مسلك جامع، مسلك عرفاني فيه ارتقاء ودعوة للسلام الداخلي والسلام مع الإنسان أياً كان. وتاريخ مشايخنا بالزهد والعرفان يعكس قلّة الطمع لدى أبناء هذا المسلك.


- كيف تفسّرون الإنفتاح على الآخر والتعايش معه، في حين أن مسلك التوحيد يرفض الزواج المختلط من خارج الطائفة؟


* هذه المسألة تقسم إلى عنوانيْن: ديني وإجتماعي. ففي العنوان الديني، العقيدة التوحيدية تنطوي على خصوصية معيّنة في بعض التفسيرات والإجتهادات، ترتبط بالفلسفة والتصوّف العرفاني، كما ببالكتب السماوية وفي مقدمتها القرآن الكريم. فمسلكنا قائم على تعاليم القرآن واجتهادات الأئمة، وعلى التأثر بالتصوّف والعرفان، إضافة إلى التأثر بالفلاسفة القدماء، الذين تحدثوا عن الحياة والحقيقة ووحدانية الله والإنسان. مذهبنا متأثر بكل هذه الامور، ومن هنا يأتي تميّزه بالإجتهاد الديني. ومن منطلق الحفاظ على هذا التميّز يفضّل الابتعاد عن الزواج المختلط.


أما من الناحية الإجتماعية، فمجتمعنا يتميّز بعادات وتقاليد خاصة على مستوى المجتمع الدرزي المحافظ، المتماسك. ونحن كمجموعة دينية ثقافية متميّزة يحقّ لنا المحافظة على تميّزنا وتماسكنا كأقلية أيضاً. وبنظرنا ان الزواج المختلط يعني التخلي عن هذا التماسك، وعن هذه الروابط القوية التي تربط العائلات الموحّدة بعضها ببعض. وبنظرنا إن التخلي عن هذه العادات يعني بداية تفكك المجتمع التوحيدي.


أنا لا أقول أن الوحدة الوطنية تبدأ من الزواج المدني وهذه المقولة خاطئة، وغالباً ما يرفعها دعاة الزواج المدني شعاراً. برأيي يجب العمل على إلغاء الأحزاب الطائفية، والعمل على إلغاء الطائفية السياسية لتحقيق الوحدة الوطنية. اما الزواج المختلط، فله سلبياته على مستوى العائلة والأولاد الذين سيضيعون حتماً بين هذا المذهب وذاك، وبين العادات الإجتماعية لكل مذهب، فيبعدهم أكثر عن جوهر الدين ككل.


في المقابل، ولأن ديننا دين تخيير وليس فيه إجبار، فإن الفرد يبقى حراً في خياره، وقد تطورت الأمور. ففي الماضي كانت الفتاة التي تتزوج من خارج الطائفة تُعاقب وربما تُقتل أحياناً، وكان الشاب الذي يتزوّج من غير موحّدة يُنبَذ، أما اليوم فلا، فنحن لا نعلّق المشانق، بل الحرية موجودة، لكن علينا كرجال دين أن نحذّر ونثقّف أبناء طائفتنا حول حسنات الزواج تحت مظلة الدين. فالدين جاء لخدمة الإنسان وسعادته، فلم التخلي عنه؟ وفي النهاية كل الطوائف تتمسّك بالحفاظ على الزواج الديني ولا تحبّذ الزواج من غير مذهبها.


- قلت في معرض حديثك أن الدين ليس الغاية بل هو وسيلة لراحة الإنسان، ووسيلة لتحقيق الإنسانية. لكن اليوم نرى الإنسان يقتل إخاه الإنسان باسم الدين وباسم الله. فما رأيك بهذه الظواهر العنيفة التي تحصل من حولنا؟


* الإسلام لا يقول بالعدوان حتماً. أما العنف فله تفسيراته وأسبابه. فاستعمال القوّة قد يكون نافعاً، وهو واجب لرد العدوان وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى }وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ{ .. فحتّى كلمة ترهبون وردت في القرآن الكريم، بمعنى ردع عدو الله، أي الذي يعتدي على الإنسان والدين. لكن هذا لا يعني الإرهاب ولا يجوز تبرير استخدام العنف. فمهما كانت القضايا محقّة، حتى لو كانت مواجهة لعدو غاصب، إلا أن ذلك لا يبرّر الإعتداء على الأبرياء. أنا أتحدث هنا عن العنف بمعنى ان يكون الإنسان شديداً في مواجهته ومقاومته إذا تعرّض لاعتداء. أما بخلاف ذلك، فكل الأنبياء يوصون بعدم التعرض للنساء والأطفال والأسرى الذين يستسلمون في الحرب. واليوم منظمات حقوق الإنسان تتحدث عن حقوق الإنسان حتّى في الحروب. فهل الحرب تبرّر الإعتداءات الجنسية والتصرفات اللاأخلاقية مثلاً؟ وهل يجوز تفجير الجسد بأبرياء؟ فقتل النفس حرام مهما كان الدافع...


- حتى لو كانت الغاية منه الشهادة في سبيل الله؟


* في الحرب، قد يضطر الإنسان لاقتحام موقع معيّن وهو يعلم في قرارة نفسه أنه باقتحامه هذا الموقع سيستشهد. هذه الشهادة مبرّرة طبعاً لأن ظروف المعركة تستوجب ذلك. أما ما يحصل الآن من أحزمة ناسفة وتفجير للنفس وسط الأبرياء، فهذا سلوك جديد في الإسلام وهو مستنكر طبعاً. فليست هذه الوسيلة الفضلى لتحصيل الحقوق او لتحقيق السلام. على الإنسان أن يبحث عن الكلمة الطيبة اولاً. واستعمال القوة ممكن لكن في مكانه الصحيح.


- كأقلية طائفية، هل يتخوّف الموحدون الدروز ممّا يسمّى الخلافة الإسلامية وما تدل عليه من احتمال لتمدّد للتطرف الإسلامي؟


* معظم المسلمين يخشون هذه الظاهرة، التي تقوم على إجبار الناس على شيء معيّن، والعودة الى تقاليد قديمة. برأيي أن الخلافة الإسلامية يجب أن تكون قائمة في كل بيت ومحلّة وفي كل بلد بمعناها الروحي الحقيقي، بمعنى العدالة. فالخلفاء الراشدون والصحابة كانوا دعاة عدالة. فهذا أبوذر الغفاري، الصحابي الجليل، كان أول ثائر على الظلم، وكان يقول "أنا اعجب كيف ينام الناس جياعاً ولا يخرجون على الحكّام"، أي انه كان يدعو للثورة من أجل العدالة. الخلافة الإسلامية الحقيقية هي خلافة العدالة والألفة بين الناس والتضامن الاجتماعي ورفض الظلم وهذا يجب ان يكون قائماً. اما ان نحكم الناس بالسيف وان نعود القهقرى فلا. يجب ان نتقدم ونحمل في عقولنا وقلوبنا مبادئ الإسلام. ويجب أن نواكب العولمة والحضارة العالمية، بإيمان وانفتاح وفكر واسع. علينا ان نأخذ بروح الإسلام، لا أن نقيم دولة الإسلام كما يدعون إليها اليوم بالقوة والقهر وكبت الحريات.


- سؤالي الأخير في رحاب طائفة الموحدين الدروز. ما سرّ علم الطائفة المكوّن من خمسة ألوان؟ وما هو تفسير نجمة الحدود الخمسة؟

* لا يوجد أساس ديني للنجمة. لكن إذا شئنا أن نجتهد في تفسير معنى "الحد" بحسب الآية القرآنية الكريمة التي تقول } إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون {، نعتبر أن "حدّ الإرادة هو الحد الأول، والشيئية أو المشيئة هو الحدّ الثاني، والقول أو الكلمة هو الحدّ الثالث، والعزم في "كُن" هو الحد الرابع، فيما الفعل في "يكون" هو الحدّ الخامس. هذه الحدود الخمسة لهذه الآية ربما تفسّر العدد "خمسة". اما الألوان فهي مزيج من عدة أعلام تميّزت بألوانها وقد اعتمدتها العائلات والقبائل والعشائر الدرزية قبل تكوين مذهب التوحيد، عندما جاءت هذه القبائل العربية لتحمي ثغور الشرق العربي الإسلامي ثم تقبّلت الدعوة الى مذهب التوحيد. وعندها كان لكل عائلة علم، ومع الوقت دُمجت الأعلام ضمن علم واحد وكانت هذه الالوان الخمسة. أما بالنسبة للنجمة فلا تفسير لها في اجتهاداتنا.

 

خاص الموقع

POST A COMMENT