كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

ضيفنا

الشاعرة سهام الشعشاع لـ Checklebanon: أعذب الشعر أكذبه!

Mon,Jun 30, 2014

في ثورة الأنوثة المتفتّحة كلاماً ولحناً تجدها، في شبق الأنثى المتعطّشة للحياة بصمتها وصخبها تجدها، في الرومنسية الحالمة فوق بساط الريح تراها محلّقةً، وفي دهاليز الواقعية القاسية في حكمها على الأشياء تصدمك جرأتها!
هي شاعرة المرأة بامتياز، وشاعرة الوطن بامتياز أكبر.. هي الرجل في قلب الأنثى عندما "تختزله آدماً"، وهي الأنثى في عقل الرّجل عندما تتفوق عليه أماً وحبيبة وزوجة.. وهي شاعرة الأغنية السالكة إلى القلب دون استئذان بقوة شاعريتها، في زمن كثرت فيه الأغاني وقلّ الشعر...
هي الشاعرة السهام الشعشاع، التقاها موقعنا في منزلها "الزوجي" في مدينة عاليه، وعاد منها إليكم بزبدة الكلام:

- في زمن قلّ فيه متذوّقو الشعر، ما أهمية الشعر الملحّن أو المغنّى بالنسبة للشاعر؟
* الشعر في القدم كان لسان حال القوم وكان الشاعر أشبه بوزير إعلامهم. اما اليوم، فقد ابتعد الناس عن قراءة الشعر لمصلحة العولمة والمواد السريعة التي باتت بمتناول اليد، علماً أن للعولمة إيجابياتها لأنها سهّلت الوصول الى المعلومة. لكن للأسف معظم الناس يستخدمون الإنترنت لغايات التسلية والترفيه والتواصل عبر مواقع التواصل الإجتماعي، وقلّة يستعينون به لإغناء ثقافتهم. هنا يأتي دور الشعر المغنّى، لأن الموسيقى تساهم في تكريس النصّ الغنائي. فقد لا يكون شعري أفضل من شعر سواي، لكن الأغنية شكّلت ذاك الجسر الموسيقي الذي أوصلني وشعري للناس.
في الماضي كنت أنزعج من تسمية "شاعرة أغنية"، لكنّني ادركت بعدها ان الشعر يبقى شعراً، مهما كان الثوب الذي يرتديه، أكان فصيحاً أم عامياً. المهم ان يكون النص الشعري مدهشاً، وان يحمل موضوعاً جديداً واسلوباً مختلفاً ومادة دسمة. وفي المقابل، الأغنية سيف ذو حدّين بالنسبة للشاعر، لأنها لا تحتمل الكثير من الخيال، لأنها يجب أن تشبه يوميات الحياة دون ان تفقد جوهرها او روحها الشعرية.

- هل تجدين صعوبة في التخفيف من عمق وبلاغة الشعر لكي يصلح للتلحين والمغنى؟
* نعم لا شك بذلك. فللأغنية تقنيات معيّنة في الكتابة، وثمة كلمات شاعرية من الصعب ان تغنّى. وتبقى الخطوة الأهم في هذا المجال التقاط مطلع الأغنية من زحمة الحياة نفسها. فعلى سبيل المثال، أغنية "ما بدي قلك شو بني" مطلعها عبارة يردّدها كل منا بشكل شبه يومي. هكذا على سلاستها تحوّلت الى شعر على طريقة "السهل الممتنع"، الذي اعتمده في شعري لأتواصل به مع الناس.

- نلاحظ أنك تتجهين نحو الشعر المغنّى حتى في الامسيات الشعرية. أيعني هذا ان الشاعر بات اليوم عاجزاً عن "تسويق" شعره بعيداً عن الغناء؟
* لقد خضت تجربة الموسيقى المرافقة للأمسية الشعرية مؤخراً، ولكنني لا أعتمد عليها وحدها. في المقابل، لا أنكر أن الشاعر يبحث اليوم عن بديل ما يدعم شعره. لكن في الوقت نفسه، النجومية ليست صفة متاحة لدى كل الشعراء، بل ثمة شعراء نجوم وآخرين "باهتين" في أداء شعرهم.

- هل تعتبرين نفسك إذاً شاعرةً نجمة؟
* لست نجمة، وإن كنت أتمنّى أن أكون نجمة بنظر الناس دون أن اضطر لارتداء نظّارات لأختبئ منهم خلفها كما يفعل معظم النجوم في عالمنا العربي. أتمنى أن أصل لطموحي، لا أن أكون نجمة لمجرّد أنني تحت الضوء بمضمون سخيف. ومشكلة الشاعر في عالمنا أن سبب محبة الناس له تكون في غالب الأحيان سوء فهمه. فثمة شعراء كثيرون نقرأهم ولا نفهمهم. والأصعب أن هذا النوع من الشعراء الذين يتجهون نحو "سقف العالم المثقوب" ويصعّبون شعرهم ويجلسون في برجهم العاجي، يظنهم بعض الناس عظماء ويصنعون منهم نجوماً، فيما الشعر الحقيقي هو إبن الحياة، هو أقدم فنوننا، وأقدم أشكال التعبير المكتوب عند العرب، وهو موجود في كل شيء، في السينما، في اللوحة، في المسرح، كل هذه الفنون تتّكئ على الشعر لتطل من خلاله على الناس.

- برأيك إذاً أن الشاعر يكون أنجح كلّما اقترب من الناس؟
* القرب من الناس ليس شرطاً وثمة من الشعراء من يفضل الحفاظ على خصوصيته بعيداً عن الناس لكنّه ينجح ويسطع شعره. أما أنا فأفضّل أن أحتفل بشعري، بنجاحي مع الناس. وكان الشاعر الكبير أنسي الحاج يقول لي لديكِ حالة إحتفالية بشعركِ ليست موجودة لدى جميع الشعراء، وكنت أفرح كثيراً بكلامه، فأنا أفرح كثيراً عندما أرى ردة فعل الناس على شعري. وأعتقد أن الأغنية فتحت لي هذا الباب.

- هل تكتبين الشعر للناس، أم للشعر نفسه، أم لتفريغ حالة نفسية تعيشينها؟
* كل هذه الاحتمالات خاطئة. بالنسبة لي، وُلدت لأكتب الشعر، وقد كتبت في عمر سبعة سنوات، فلم يكن لدي قرار ولا حالات أريد تفريغها ولا رغبة بالكتابة للناس. أنا خلقت لأكون شاعرة. والشعر هو تقنية في التعبير تخفّف من حالات الوجع والحزن والأشياء السوداء وكل حالات الشجن التي تصادفنا فنرميها على بياض الورق، لنتشاركه مع الآخرين. وأروع ما في الشعر هو نشوة النص الجميل التي يعيشها الشاعر بعد انتهاء قصيدته.

- هل تكفي الموهبة لكتابة الشعر؟
* كلا طبعاً. فكل شيء لا ينبع ينضب. الموهبة اساسية لكنّها تتطلّب صقلاً ومتابعة وقراءة واطلاعاً على كل ما يحصل في العالم من تطورات في الأجواء الشعرية العربية والعالمية. فثمة من الشعراء من لديهم موهبة في المعلومات والإطلاع تضاهي شعرهم أهميةً.

- لكن ألا تساهم الثقافة في تعقيد الشعر في بعض الاحيان؟
* هنا التحدّي بالضبط، إذ على الشاعر ان يقرأ كثيراً، ثم أن ينسى وأن يتقن التحرّر من ذاكرته لكي لا يطلّ ما قرأه في شعره، ولكي يبقى شعره حاملاً روحه هو وحده.

- أين أنتِ من شعراء الصف الأول اليوم؟
* لست أدري من هم شعراء الصف الأول، وكل ما أعرفه هو انني اتمنى لشعري أن يكسب مكانته وحضوره. وانا مقصّرة بحق نفسي، وبامكاني أن أكون في موقع أهم مما أنا عليه اليوم، إلا انني أتّكل على موهبتي وحدها حتى الآن. لكن هذا لا يعني أن الشعر ليس مشروع حياة بالنسبة لي، إلا أن الحياة نفسها قد تأخذنا أحياناً. وبالنسبة لي أفضّل العيش في صلب الحياة لا على هامشها، لذلك أهمل النص بعض الشيء لأضع نفسي في كل تفاصيل الحياة الأخرى.

- اية حالة تحفّزك على الكتابة؟
*عندما أشعر بالحزن أتّجه صوب الورق. أما حالة الفرح فتغريني لأعيشها بكل تفاصيلها.  أحياناً أشعر بشيء يحرّضني على استرجاع أشياء موجعة عشتها في حياتي، وعندها فقط "أنكّد" حياتي وحياة زوجي وأفتعل حالة من الحزن أو الشجن لأكتب.

- هل سرقك الزواج من شعرك؟
* لا شكّ بأن الزواج أخذ حيّزاً كبيراً من حياتي الخاصة، لأنه التزام اخلاقي واجتماعي يحدّ نوعاً ما من حرية المرأة في التعاطي مع نفسها ومع نصها وعملها. في الوقت نفسه بدأت أعتاد على أن بإمكاني أن أنظّم وقتي وأن أجد الوقت لنفسي وشعري. لكن وضع المرأة الشاعرة أصعب من وضع الرجل الشاعر دون شك.

- كيف تمكّنت سهام الشعشاع، الأنثى الثائرة على نفسها وعلى مجتمعها الذكوري أن "تختزل" نفسها إلى زوجة مقيّدة نوعاً ما بواجبات الحياة الزوجية؟
* لست مقيّدة على الإطلاق. وإن كنت عشت مقيّدة في بداية زواجي بعض الشي فلأنني أنا فرضت تلك القيود على نفسي لأعيش الحالة الزوجية بكل تفاصيلها وأستغلّها كنوع من فترة راحة ونقاهة، لكنني بعد حين اكتشفت أن بإمكاني أن أتحرر من كل تلك القيود بحجّة الشعر. في المقابل، أعتقد ان كتابة الاغنية هي التي سرقتني من الشعر أكثر من الزواج.

- هنا نسألك، هل يبقى الشعر شعراً حقيقياً عندما يتحول إلى مجرد مهنة؟
* الشعر لا يطعم خبزاً في وطننا العربي. لذلك قرّرت أن أستفيد من نعمة منحني اياها ربي بالقدرة على كتابة الأغنية وبكافة اللهجات، علماً أنني لا أساوم على جوهر شعري ومستوى نصّي بصورة عامة. ولا أنسى نصيحة أنسي الحاج عندما كان يقول لي لا تفكري في الثوب الذي سيلبسه الشعر، ولا تفكري أكانت القصيدة ستصدر عنك بالفصحى او بالعامية أو بالزجل، لأن المهم أن تبقى شعراً وتدهش الآخرين. هذا العملاق الذي أسس لقصيدة الحداثة ولمدرسة في الشعر الحديث علّمني الكثير. وما زلت حتى الآن أشعر بأنني طفلة في الشعر، وأرتضي الإستماع للكثير من النقد فيه، على الرغم من قناعتي بأن علي التركيز أكثر على عملي من السعي لإرضاء المنتقدين.

- لكن الاستماع إلى النقاد ضروري في مكان ما...
* لا يوجد نقّاد أصلاً. وغياب النقد هو الذي أضاع وجود الأعمال الجميلة والكبيرة في عالمنا العربي. النقد الحقيقي يكرّس الأعمال الكبيرة ويلفت النظر الى الأخطاء، أما النقد في بلادنا، فهدفه التشهير وهدم الأشياء الجميلة وبث الشائعات.

- هل يغريك أن تكتبي نقداً في يوم من الأيام؟
* لا أبداً، لا أتقن النقد وبرأيي أن من أكبر المسؤوليات ان أتّخذ على عاتقي تشريح نصوص غيري. فانا بنت الشعر ولست بنت تشريحه و"فصفصته"، وأشعر بأن الشعر أكبر من ذلك وله أناسه المتخصصين، وإن كانوا غير موجودين أصلاً. فحتى النقاد الموجودين اليوم معظمهم تجار.

- بين الشعر والفن، أيهما الأنظف والأجمل والأرقى؟
* كلهم في الهواء سواء. كلمة الفن يفترض أن تعني فن التعاطي مع الغير، فن الحياة، فن الثقافة، الفن في كل شيء.  لكن للأسف الدخلاء على الفن يشوّهون إسمه. وفي الثقافة والشعر والأدب يوجد هذا النوع نفسه من الدخلاء، لأن المشاعر الإنسانية أحياناً تتغلّب على أوصافنا كفنانين أو شعراء. وانا اتعجب من الطاقة التي يمتلكها البعض على تشريح الآخرين واعتقد أن وجودهم يؤثر على الفن في أي مجال.

- لمن تقرأين من الشعراء؟
* أقرأ لكثيرين، في مقدمتهم نزار قبّاني، محمود درويش، حسن عبدالله، محمد علي شمس الدين، شوقي بزيع، الكتب القديمة كلّها للمتنبي وامرؤ القيس، وابو النواس، وعنترة بن شداد، وغيرهم كثيرين. كل هذه الكتب موجودة عندي وغالباً ما أعاود قراءتها مراراً وتكراراً لأستفيد منها، لأن الشعر القديم تبقى له خصوصيته وجماليته الفريدة.

- صفي لنا تجربتك بين الشعر والسياسة، بعد زواجك من رجل يتعاطى الشأن العام السياسي والإجتماعي، هو زياد شيّا المسؤول في الحزب التقدمي الإشتراكي...
* الحياة السياسية تعكس الجانب الأكثر قدرة على تعليمنا مختلف الأساليب الممكنة لعيش الحياة بشكل أكثر سلاسة. فالسياسيون هم الأشخاص الاكثر قدرة على التلوّن وتدوير الزوايا، ومنهم نتعلّم اننا بحاجة لهذا التلوّن أحياناً لكي ننجح بالتعاطي مع الآخرين. فنحن لسنا مجبرين على عكس مشاعرنا الصافية النقية للآخرين، لأنهم قد يسيئوا فهمها. واحياناً تفرض علينا الحياة تحمّل مواقف محرجة وصعبة. فأنا تعلّمت من زياد زوجي كيفية التعامل مع مثل هذه المواقف، وكيفية التزوّد بطاقة هائلة على عدم جرح مشاعر الناس وعدم صدّها.

- ألا تخشين على شعرك من هذا الجو، بحيث تغدين غير قادرة على عكس صورة صادقة من خلاله؟
* أعذب الشعر أكذبه. ففي الشعر نحتاج للكثير من الكذب عبر الإستفاضة في الخيال. والشاعر ليس بطل كل حالاته ولا بطل كل قصائده، لأن الشعر بحاجة لأفكار جديدة دائماً ومن الصعب بل المستحيل أن يعيش المرء كل الحالات الممكنة ليكتبها في شعره. فانا كتبت عن الطلاق قبل ان اتزوج مثلاً، وكتبت عن الخيانة ولم أعشها. مصداقية الشعر هنا تنبع من مدى تأثر الشاعر بالحالة التي يكتب عنها. بالنهاية الشعر إبن الحياة، يشبهها بكل زواريبها، بكل جمالياتها وسلبياتها وإيجابياتها، بهزائمها وانتصاراتها وانكساراتها، هذا هو الشعر.

- ما جديدك في الشعر؟
* أهم تحضير بالنسبة لي هو عمل أكتبه للفنانة آمال ماهر، وهي من أجمل الأصوات في العالم العربي. احضر عملاً لآدم أيضاً، وأتواصل مع الفنان الصديق وائل جسّار للتخطيط لعمل آمل أن يتمّ، بالإضافة الى اعمال أخرى. كان من المفترض ان يضم الألبوم الجديد للفنانة اليسا اغنية من كلماتي، إلا ان تطوراً طرأ على علاقتها مع الملحّن رحيم، وهو ملحن الأغنيتين من كلماتي، فأنجزت ألبومها دونهما. وبالنسبة لي اليسا صديقة مكانها محفوظ في حياتي على الدوام، وهاتان الأغنيتان بالذات كنت أفضّل ألا تكونا لأحد سواها.

POST A COMMENT