كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

ضيفنا

خاص: غازي العريضي: التسوية إنجاز لا ضعف!

Fri,Oct 30, 2015

كشف عضو "اللقاء الديمقراطي" النائب والوزير السابق غازي العريضي عن "محاولة جدّية من قبل رئيس المجلس النيابي نبيه بري، ونحن طبعاً إلى جانبه، لسلوك طريق البحث عن اتفاق سياسي كامل، بتفاهم سياسي لبناني أولويّته انتخاب الرئيس، شرط ان تشكل بعده فوراً الحكومة التي تقر قانون الانتخاب المتّفق عليه من قبل، وتجري الانتخابات النيابية على أساسه لينتج تركيبة سياسية معيّنة لا بد أن يوافق عليها كل من وافق على قانون الإنتخاب"

         

واعتبر العريضي، في حديث خاص للزميلة غنوة غازي، ان "التسوية ليست ضعفاً، بل في لبنان التسوية هي الإنجاز"، ورأى أنه "في النهاية، عندما تتلاقى المواقع الكبرى، تتغيّر المواقف الصغرى، أو بالأحرى تتعدّل المواقف الكبرى في لبنان لتصبح مواقف صغرى". ورأى أن "انتخاب الرئيس أولوية الاولويات، لكن في ظل العجز علينا تحريك ما تبقّى من عقلنا لاستنباط الأفكار والبرامج. وهذا يأتي من الحوار العام والحوار الثنائي وغيره، ومن مبادرات يطلقها ناشطون أو سياسيون أساسيون موجودون في البلد، على قلّتهم، علّنا نتلمّس الطريق ونصل الى ضوء ما في هذا النفق المظلم".

 

وإذ ذكّر العريضي بأن مؤسس الحزب التقدمي الإشتراكي كمال جنبلاط هو اول من نادى بالنسبية في قانون الإنتخاب شدد على أنه "إذا وضعنا امام أعيننا مسؤولية إنجاز قانون انتخاب على أساس النسبية، نستطيع أن ندوّر الزوايا بهذا الموضوع وان نتوصل لاتفاق حوله"، لافتاً إلى أن "أحداً لن يستطيع وحده الحصول على كل شيء من خلال قانون الإنتخاب".

 

أما بالنسبة للتدخّل الروسي في سوريا وانعكاسه على لبنان، فقال العريضي ان "ما يحصل في سوريا هو لعبة أمم فيها كل الكذب والنفاق، لا فيها أخلاق ولا عواطف، ولا أحد أتى إلى سوريا من أجل سوريا أو من أجل لبنان"، وأكّد ان "كل ما يحصل في سوريا اليوم عشناه على أرضنا في لبنان في زمن الحرب. وبالتالي لسنا بحاجة لنتعلّم منه على أرض سوانا"، جازماً بأن "المستفيد الأكبر من كل ما يحصل في سوريا اليوم هي إسرائيل، لأنها تحقق ما تريد من غير ثمن، من خلال الإقتتال العربي العربي، وتدمير وانهاء وفكفكة كل الدول العربية وجيوشها ومؤسساتها، وبهدر الثروات والاموال العربية في كل هذه الحروب. ولذلك تتفرّغ إسرائيل لما تقوم به في فلسطين، وهي همّها الأول وهدفها الأول"!

 

تفاصيل الحديث مع الوزير العريضي في الحوار الآتي نصّه:

 

- كيف قرأت ما وصلت اليه الأمور من تعطيل وشلل على مستوى المؤسسات في لبنان؟

 

* إنهيار في مستوى القيادة السياسية، وغياب العقل الجماعي اللبناني، بكل بساطة.

 

- لماذا وصلت الأمور الى هذا المستوى من الإنهيار؟

 

* للأسف، إن قصر النظر، وسوء التقدير وسوء التدبير. ومن مميّزات الحياة السياسية اللبنانية اليوم عموماً، أن قلّة قليلة جدّاً يمكن اعتبارها سياسية بما للكلمة من معنى. فعدد العاملين في السياسة كبير ولايحصى، أما عدد السياسيين فقليل جداً جداً جداً. وهذا بحد ذاته يؤدي الى ما نحن عليه. فقراءة الامور تتم من منظار وحسابات ضيقة، وبحسابات شخصية وفئوية ومذهبية، ولا مكان للحساب الوطني العام في تقدير الامور. قلة خبرة وسوء تقدير وسوء تدبير. فالخبرة تأتي من أمريْن، الممارسة اولاً، والتعلّم من التجارب ثانياً. ولكي نتعلم من التجارب يجب أن تكون ذاكرتنا حيّة وان نمتلك الشجاعة وأن نقرّ بالوقائع والحقائق. أما أن نعيش حالة إنكار وأن ندير ظهرنا لكل التجارب، فهذه أكبر مشكلة، مهما كان عد العاملين في السياسة ومهما وجدت أناساً، لأن البلد باقٍ في النهاية، وسيبقى ثمة من يتعاطى في السياسة. أن يقرّر من يعمل في السياسة ان يتعلّم فهو أولاً يمارس الشجاعة على ذاته وينتصر على ذاته. وبرأيي ان هذا أبرز عنصر من عناصر تكوين الشخصية السياسية. إذا تعلّمنا نرى بكل بساطة أنه ليس ثمة تجربة لم نمرّ بها في لبنان، وليس ثمة أمر لم نستخدمه. واليوم إذا عدنا بالذاكرة قليلاً إلى الوراء لأدركنا اننا تقاتلنا أبشع أنواع القتال في حرب الحروب في لبنان، واستخدمنا كل شيء في وجه بعضنا البعض، واستُخدِمنا في كل شيء في وجه بعضنا البعض، وكانت النتيجة أن ذهبنا الى طاولة حوار والى تسوية.

 

وإذا أردنا ان نتعلّم بدون مكابرة ومغالاة وغرور واستكبار واستقواء، وإذا أردنا أن نتعلّم بواقعية سياسية، فلم تضييع الوقت؟ فلنذهب الى تفاهمات. هذه المسألة تحتاج شجاعة وإقداماً لا إحجاماً. تحتاج انفتاحاً. لكن للأسف ما نعيشه اليوم معاكس لكل ذلك. لهذا السبب أقول لا يمكن أن ننتظر إلا ما هو أسوأ.

 

- لكن ثمة ميدان مختلف بجوار لبنان اليوم وبناء عليه تتحدّد موازين القوى المستقبلية. ألا يبرّر هذا الواقع برأيك حال الإنتظار التي يعيشها لبنان؟

 

* لقد انتظرنا في السابق. كل هذه الظروف عشناها من قبل وليست جديدة علينا كي نعيش هذه الحال من الضياع. نحن نضيّع أنفسنا وأناسنا، ونكاد نضيّع بلدنا. الآن ثمة لعبة دول وأمم أوسع ممّا كانت عليه في لبنان في زمن الحرب اللبنانية، فماذا ننتظر. لقد انتظرنا من قبل، وتخاصمنا وتقاطعنا وانغلقنا على بعضنا من قبل، لكنّنا في النهاية عدنا إلى طاولة مشتركة. لبنان بلد مختلف عن كل دول المنطقة. وإذا أردنا أن نحافظ عليه علينا حماية هذه التركيبة اللبنانية، وهذا الامر لن يتمّ إلا بالتعلم من التجارب. والتعلّم من التجارب يقول بتحكيم العقل والذهاب الى التسوية. والتسوية ليست ضعفاً. في لبنان التسوية هي الإنجاز.

 

- لكن حتّى التسوية يجب أن تراعي موازين القوى الجديدة المقبلة على العالم.. فأين الإنجاز؟

 

* لا يستطيع أحد أن يكسر أحداً. أما إذا أراد كل فريق أن يعطّل التسوية حتّى تنقلب موازين القوى لصالحه، فلا حلّ طبعاً. وفي النهاية، عندما تتلاقى المواقع الكبرى، تتغيّر المواقف الصغرى، أو بالأحرى تتعدّل المواقف الكبرى في لبنان لتصبح مواقف صغرى.

 

وفي مسألة التسوية، كان في لبنان وهذا الشرق رجل كبير إسمه كمال جنبلاط. كان يقول "علّمني حبّ الحقيقة – أيّاً تكن – جمال التسوية". قال أيّاً تكن هذه الحقيقة، لأنها قد لا تعجب البعض ولا تكون لمصلحة البعض، لكنها حقيقة لا يمكن تجاوزها، وتبقى البراعة في كيفية التعاطي معها. لذلك أقول أن التسوية جميلة إذا أحسنّا إنتاجها، لأنها تبنى على حقائق. وعندما ندرك الحقيقة الكبرى الأكثر ثباتاً، والملاصقة لإسم لبنان وميزته وتكوينه ونكهته، ندرك أن هذه التركيبة السياسية اللبنانية الخاصة وذات النكهة الإستثنائية في المنطقة تبنى على تسوية. فتعالوا لنذهب إلى تسوية. وفي التسوية ثمة تنازلات نعم لحماية التركيبة، وهذا إنجاز وإقدام. وفي التسوية ثمة حقائق يجب أن نقرّ بها. فلبنان الذي كان قائماً تغيّر، والمجتمعات تتغيّر. فكيف يتفاعل العقل السياسي الكبير مع هذه المتغيّرات، بما لا يسقط التركيبة السياسية اللبنانية.

 

- لكن التسوية لطالما أتت في لبنان على حساب المسيحيين، الامر الذي لم يعد ممكناً ولا مقبولاً اليوم. فأي تسوية قادرة على الحفاظ على التركيبة وإعطاء المسيحيين حقوقهم اليوم؟

 

* ومن قال أن التسوية ستأتي على حساب المسيحيين؟ وإذا حصل شيء من هذا القبيل ذات مرّة، فهو بُني على أمريْن أساسييْن، أولاً على متغيرات واقعية كان يجب أن تقرّ وتؤخذ بعين الإعتبار في إصلاح النظام السياسي، ومرّة بسبب الأخطاء في إدارة هذه المسألة من قبل كثيرين. ولا بد هنا من التعلّم من التجارب والإستفادة منها. اليوم الوقائع تغيّرت، ولا بد من أخذ ذلك بعين الإعتبار طبعاً.

  

- ما هو مدخل الحل اليوم إذاً؟

 

* أولاً، ليس ثمة إمكانية لأن يفرض أي فريق من الفرقاء رئيساً للجمهورية، وإن استقوى بأي حالة من الحالات. هذا يعني ضرورة الإتفاق على الرئيس، لكن هذا لا يعني الإتفاق على شخص الرئيس فقط.

 

- تعني المواصفات؟

 

* المواصفات في النهاية ستؤدي الى اتفاق سياسي كامل. فهي ليست مواصفات شخصية.

- البند الأول من المواصفات يشترط أن يكون الرئيس مقبولاً من الطرف الآخر. هل يلغي التوافق على هذه الصفة حظوظ كل من العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع؟

 

* بطبيعة الحال، وفي ظل الإنقسام العامودي القائم والشرخ المذهبي بين فريقيْن أساسييْن هما الطائفتيْن الشيعية والسنية الكريمتيْن، فإنه لا يمكن في واقع الحال انتخاب رئيس للجمهورية لا يقبل به أحد الطرفيْن، السنة أو الشيعة. لكن بما يتجاوز هذه المواصفات التي نُشرت، لا بد من التنبة الى أننا نمر في محنة سياسية عنوانها الرئيسي عدم انتخاب رئيس، لكن تحت هذا العنوان هناك عناوين أساسية تعبّر عن حقيقة الانقسام السياسي في البلد. فاليوم لو انتخبنا رئيس، هل نحن متفقون على قانون للإنتخاب لكي نذهب الى انتخابات جديدة؟ وبالتالي انتخاب الرئيس قد يكون خطوة على طريق المزيد من المجهود. فبعد انتخاب الرئيس وتشكيل حكومة جديدة، إذا حصل هذا الأمر، هل نستمر في التمديد للمجلس النيابي في ظل تعذر الإتفاق على قانون انتخابي؟! عندها ماذا يستطيع أن يفعل رئيس الجمهورية او اية حكومة ستأتي في ظل هذا الواقع؟!

 

لذلك نقول ان عامل الوقت مهم، ولا بد من الإستفادة من هذا العامل لبلورة اتفاق سياسي كامل حول قانون الإنتخابات ورئيس الجمهورية ...

 

- بهذا المعنى أتعتبرون أن قانون الإنتخاب يجب أن يحظى بالأولوية قبل انتخاب الرئيس؟

 

* ليس أولوية لا، لكن لا يمكننا البقاء في عقلنا المتحجّر. فنستطيع أن نقول الى ما شاء الله ان الأولوية هي لانتخاب رئيس للجمهورية. لكن هل نجمّد كل شيء في البلد ونحن عاجزون عن انتخاب الرئيس؟ بالطبع انتخاب الرئيس أولوية الاولويات، لكن في ظل العجز، هل نعطل الحكومة والحياة اليومية للبنانيين ومواضيع مهمّة كثيرة، هل نستسلم؟ لا. علينا تحريك ما تبقّى من عقلنا لاستنباط الأفكار والبرامج. وهذا يأتي من الحوار العام والحوار الثنائي وغيره، ومن مبادرات يطلقها ناشطون أو سياسيون أساسيون موجودون في البلد، على قلّتهم، علّنا نتلمّس الطريق ونصل الى ضوء ما في هذا النفق المظلم. وعندها نصل الى امكانية اختراق هذه الحالة بتفاهم سياسي لبناني أولويّته انتخاب الرئيس، شرط ان تشكل بعده فوراً الحكومة التي تقر قانون الانتخاب المتّفق عليه من قبل، وتجري الانتخابات النيابية على أساسه لينتج تركيبة سياسية معيّنة لا بد أن يوافق عليها كل من وافق على قانون الإنتخاب.

 

- من خلال مشاركتك في جلسة الحوار الأخيرة، هل تلمّست شيئاً من الضوء وسط هذا الظلام؟

 

* ثمة محاولة جدّية من قبل رئيس المجلس النيابي نبيه بري، ونحن طبعاً إلى جانبه، لسلوك طريق البحث عن هذا الإتفاق السياسي.

 

- لماذا إذاً لا ينتقل الحوار الى التباحث في مسألتيْ الرئاسة وقانون الإنتخاب في آن معاً؟

 

* بدأنا بطرح هذه المسألة فعلاً، لكن بعض القوى السياسية ما زالت غير متحمّسة. لكن للأسف ليس لدى هذه القوى بديل واقعي. اليوم نحن والرئيس بري نحاول الدخول في هذه العملية وإقناع الاطراف بضرورة الدخول في هذه العملية، على الأقل لكسب الوقت في إنتاج الحلول بدل الإكتفاء بالتفرّج. نحن نطرح فكرة وبديلاً لكننا للأسف لا نرى تجاوباً من البعض مع هذه الفكرة، وبالمقابل لا نجد أي بديل واقعي عملي.

 

- من هو هذا البعض الذي يعطّل كل فرص التسوية؟

 

* ثمة فريق أساسي في 14 آذار يرفض النزول الى المجلس النيابي إلا لانتخاب رئيس، وثمة فريق آخر يرفض الحضور إلا لإقرار قانون الإنتخاب وقانون الجنسية، وهو يناقض نفسه في الواقع. فقانون الجنسية تم التوافق عليه وسوف يقرّ في أول جلسة تشريعية. والتناقض يكمن في أنه من جهة يرفض تشريع الضرورة ويرفض بحث أي مسألة قبل انتخاب الرئيس، ومن جهة ثانية يشرط حضوره جلسة تشريع الضرورة بكون قانون الإنتخاب مدرجاً على جدول أعمالها! لماذا لا تناقشون قانون الإنتخاب على طاولة الحوار إذاً؟ وما الفارق بين قانون الجنسية وقانون الإنتخاب؟

 

الفارق أنه في قانون الجنسية ثمة مشروع واحد مقدّم أمام المجلس النيابي، كان يناقش في اللجان. وفي النظام الداخلي لا نستطيع نقله من اللجان الى الهيئة العامة، لكن ضمن القانون، يمكن للنواب ان يتقدّموا باقتراح قانون معجّل مكرّر فيصبح حكماً موجود، وهذا ما جرى. أما في قانون الإنتخاب، فلدينا 17 مشروع قانون. وبالتالي لا يمكن لرئيس المجلس أن يضع أحدها على جدول أعمال الهيئة العامة. لذلك نحاول إنشاء خلية صغيرة تدرس أي من بين القوانين السبعة عشر المقترحة هو الأكثر ملاءمة لطرحه بصفة معجّل مكرّر على هيئة المجلس. وعندها نكون قد مهّدنا الطريق للاتفاق السياسي الكامل، فنذهب اولاً لانتخاب الرئيس وننتهي من هذه الأزمة.

 

- وأي القوانين الإنتخابية هو الاكثر ملاءمة؟ ولماذا يرفض النائب وليد جنبلاط مبدأ النسبية؟

 

* نحن لم نرفض النسبية إطلاقاً، لكن هناك خلاف على نسبة النسبية في القانون الإنتخابي وعلى الدوائر، لكن يمكن الإتفاق عليها. لا أقول أن المهمّة سهلة، لكن إذا وضعنا امام أعيننا مسؤولية إنجاز قانون انتخاب على أساس النسبية، نستطيع أن ندوّر الزوايا بهذا الموضوع وان نتوصل لاتفاق حوله. وبكل الحالات، هي اول تجربة على مستوى النسبية سيخوضها لبنان، ولا ندري كيف ستكون إجرائياً وعملانياً، لكن المؤكّد ان أحداً لن يستطيع وحده الحصول على كل شيء من خلال قانون الإنتخاب.

 

أول من طرح فكرة النسبية في لبنان كان كمال جنبلاط، وقد قدّم مشروعاً متكاملاً على أساس النسبية في العام 1971. إذاً الحزب التقدمي الإشتراكي برئاسة كمال جنبلاط آنذاك هو من قدم الفكرة. وفي العام 1975، قدّم كذلك مشروع الحركة الوطنية اللبنانية المبني على فكرة النسبية. وطوال فترة الحرب، كان يطرح هذا المشروع، لكن لم نتوصل الى تفاهم بشأنه، ما يحتّم ضرورة التفكير بقانون آخر. المطلوب الإقتناع أولاً بضرورة الخروج من هذه الدائرة التي تحكمنا مع اقتراب موعد نهاية ولاية المجلس النيابي.

 

- أين مسؤولية الحوار الثنائي بين حزب الله وتيار المستقبل في تذليل العقبات للوصول الى مخارج مقبولة؟

 

* المسؤولية ليست عند هذيْن الفريقيْن هنا، لأنهما منذ البداية ابتعدا عن مقاربة القضايا الخلافية الأساسية الكبرى بينهما، وقد حدّدها الأسباب الموجبة للحوار بينهما باستمرار التواصل والتشاور، وعدم القطيعة، ومحاولة تجنيب البلد فتنة طائفية.

 

- لكن الحوار لم يضع حدّاً للإنفصام بين الخطاب الحوار وخطاب كلّ من الفريقيْن، بدليل استمرار التصعيد بينهما رغم استمرار الحوار..

 

* أنا لا أرى انفصاماً. طالما ان الفريقيْن اتفقا على عدم مناقشة هذه الأمور على طاولة الحوار، فطبيعي ان تناقش على المنابر والشاشات، لأن ليس ثمة فريق مستعد للتخلي عن قناعاته ومبادئه وحساباته وأفكاره من أجل الفريق الآخر.

 

- ننتقل الى قضيّة النفايات..

 

* هذه فضيحة. وهي جزء من العمل اليومي الذي كان على الدولة اللبنانية ان تقوم به. لكن للأسف الموضوع متشعّب و"طلعت ريحته"، كما "طلعت ريحة" غالبية القوى السياسية بسبب سوء الإدارة وسوء استخدام المال العام وما إلى ذلك.

 

- وهل تنفع طاولة الحوار لحل مشكلة مزمنة عجزت الدولة عن حلّها؟

 

* لقد تداخلت الأمور. ورئيس الحكومة محقّ برفضه الإقدام على أية خطوة لا يوافق عليها الجميع. لذلك لا بد من أن تساهم كل القوى السياسية المعنية بالحل. فإذا رفضت هذه المنطقة انشاء مطمر فيها لأي سبب من الأسباب علينا البحث عن منطقة أخرى. فخطة الحكومة ليست منزلة وبعض المناطق محقّة في رفضها. فعكّار مثلاً، مجرد القول أن الدولة أعطتها 100 مليون دولار يعني أن الدولة تخطئ، لأن هذا حق لمنطقة عكّار، المحرومة بل المنكوبة على مدى عقود من الزمن، والتي لو عاشت الدولة اللبنانية عقوداً من الزمن وهي تعتذر منها و"تغدق" مالاً عليها، يبقى ذلك اقل ممّا تحمّله أبناء تلك المنطقة، منطقة عكّار، على مدى 60 عاماً من عمر النظام السياسي في لبنان، علماً أنها هي الخزّان البشري للمؤسسات الأمنية اللبنانية منذ قيام هذه المؤسسات. هذه إحدى المقاربات الخاطئة في خطة النفايات. وأنا عندما أتحدث عن عكّار اتحدث من منطلق تجربة في منطقة زرتها مرات عدة أثناء تولّي حقيبة الأشغال العامة. والامر ينسحب على البقاع الاوسط والشمالي وكل المناطق اللبنانية. لذلك طرح كمال جنبلاط شعار الإنماء المتوازن، وهو أم وأب هذا الشعار؟ لأنه شعر بالحرمان من كل المناطق اللبنانية التي زارها من باب المسؤول السياسي المعني بحقوق الناس. من هنا نقول ان من يعطي عكّار مبلغاً من المال هو حقّ لها، فهو لا يعطيها حوافز، بل عكّار وغيرها من المناطق اللبنانية هي التي أعطت الحوافز للدولة اللبنانية ولكل لبنان، من دم أبنائها وتعبهم وصبرهم..

 

- أليست أموال البلديات أيضاً حق لها ولا يمكن للحكومة التمنين بصرفها بموجب خطة النفايات؟

 

* طبعاً. لذلك أقول أن كل الإدارة لهذا الملف كانت خاطئة، من الحكومة ومن خارجها. أما وقد وصلنا الى هنا، فلا يزال لدينا الوقت، ويمكن التعاطي مع الجميع للتوصل الى حل.

 

- وهل الدولة قادرة على طرح المزيد من الحلول، بعد ان كسرت هيبتها بحيث لم تعد قادرة على فرض انشاء مطمر في منطقة لبنانية؟

 

* نعم كسرت هيبة القوى السياسية، بسبب الأخطاء الكبرى في إدارة ملفات الحد الادنى من شؤون الناس على مدى سنوات.

 

- هل يمكن التعويل إذاً على الحراك الشعبي والمدني في الدفع باتجاه تغيير جذري في لبنان؟

 

* الحراك لعب دوراً أساسياً في تحريك الامور، لكن للأسف بعض الاخوان اخطأوا بسبب حماسهم وعنفوانهم، واندفاعهم ومعاناتهم. هذه الأمور تحتاج للمزيد من الخبرة، ولا يمكن إحداث التغيير بمجرد إطلاق صرخة تلاقي استحسان الناس وتأييدهم. المسألة أكبر بكثير. لا شكّ أنهم ساهموا بتكوين مناخ معيّن، وفرضوا اتجاه معيناً للأمور، لكن المطلوب الآن هو الهدوء في التبصّر بالامور والإستفادة من هذه التجربة، والذهاب الى متابعة الأمور بدقة وهدوء، بشكل يسمح لهؤلاء الشباب – وفيهم نخبة مميّزة من شباب وشابات البلد – بأن يستقطبوا أكبر عدد ممكن بشكل حقيقي وواقعي، بعدم القيام بممارسات تستفزّ الناس، وبدون استخدام الشتيمة والسباب والتعميم. هذا خطأ، خصوصاً أنه من داخل من يتعاطون السياسة في لبنان ثمة رجال لا يتمتّعون بخبرة سياسية كبرى، لكن لا يمكن القول أنهم غير "أوادم"، ولا يمكن القول انهم "حراميي" أساؤوا إدارة الشأن العام والمال العام. هذه الاخطاء هي التي دفعت الكثير من الناس للإنكفاء عن الحراك. نعم الناس موجوعون، لكن لا يمكنهم ان يسلّموا وجعهم لطبيب غير كفؤ! لذلك أتمنى إعادة تصويب الأمور لأن الحراك كان في المبدأ ظاهرة إيجابية.

 

- ختاماً، إذا كانت الجهود المحلّية عاجزة عن التوصل لتسوية، فهل يمكن للتدخل الروسي الجديد في المنطقة الدفع باتجاهها؟

 

* التسوية ضرورة ملحّة للغاية، ولا يمكن الخروج من هذا النفق إلا بالتسوية. قد تكون التسوية غير متوفرة الآن، لكن لا بديل عنها، وسنصل إليها يوماً ما.

 

أما بالنسبة للتدخّل الروسي، فهو أكبر من لبنان وسوريا واكبر من المنطقة ككل. التدخل الروسي يبدأ في أوكرانيا وينتهي في موسكو، مروراً بجورجيا وبولندا، له علاقة بالعلاقات الدولية الكبرى بين الولايات المتحدة وروسيا في النظام العالمي الجديد، وله علاقة كذلك بتصفية الحسابات بين الدول  الكبرى، وبالدول الإسلامية داخل الإتحاد الروسي، له علاقة بالعقوبات التي فرضت على روسيا، وبدور روسيا والفضيحة الكبرى بالسياسة الأميركية على مستوى العالم... اليوم تٌستخدم الساحة السورية، ولا يفرحنَّ أحد لذلك. فليس هناك اعتبار لا لمواطن سوري ولا لمواطن عربي ولا لمصلحة عربية، والعرب غائبون ضائعون. هي لعبة أمم كبرى أكبر منّا جميعاً. ما يحصل في سوريا هو لعبة أمم فيها كل الكذب والنفاق، لا فيها أخلاق ولا عواطف، ولا أحد أتى إلى سوريا من أجل سوريا أو من أجل لبنان.

 

- لكن لا يمكن عزل لبنان عن انعكاسات هذه الحرب...

 

* أعود لبداية حديثي. كل ما يحصل في سوريا اليوم عشناه على أرضنا في لبنان في زمن الحرب. وبالتالي لسنا بحاجة لنتعلّم منه على أرض سوانا. ومنذ انطلاق الحرب السورية قلت: هذه حرب لبنانية على أرض أوسع من لبنان. والمستفيد الأكبر من كل ما يحصل في سوريا اليوم هي إسرائيل، لأنها تحقق ما تريد من غير ثمن، من خلال الإقتتال العربي العربي، وتدمير وانهاء وفكفكة كل الدول العربية وجيوشها ومؤسساتها، وبهدر الثروات والاموال العربية في كل هذه الحروب. ولذلك تتفرّغ إسرائيل لما تقوم به في فلسطين، وهي همّها الأول وهدفها الأول.

 

غنوة غازي – النهار الكويتية - Checklebanon

 

 

POST A COMMENT