كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

ضيفنا

خاص: الشيخ حسين الخشن: الجنّة ليست حكراً على المسلمين!

Fri,Oct 23, 2015

أكّد مدير المعهد الشرعي الإسلامي وأستاذ الدراسات العليا في مادتيْ الفقه والأصول في المعهد، الشيخ حسين الخشن، أنه "عندما نعود إلى عاشوراء لا نريد أن نعود لنتجمّد في التاريخ او في الماضي، بل نريد لعاشوراء ان تدخل الى بيوتنا وساحاتنا، الى واقعنا المعاصر وحياتنا بما تمثّله من قيم الإنتصار للحق والوقوف في وجه الظلم، وبما تمثّله من دروس في العزّة والإباء، ولما تمثّله من قيم إسلامية وإنسانية"، وشدّد على أن "عاشوراء لا تُحيَى في وجه المذاهب الإسلامية الأخرى على الإطلاق، بل تُحيَى لأجل التلاقي مع المذاهب الإسلامية الأخرى، لأن الحسين يمثّل قيمة وإماماً لكل المسلمين".

كلام الشيخ الخشن ورد في حديث خاص للزميلة غنوة غازي، لفت خلاله إلى أن "كل عمل يأتي به بعض الناس باسم الحسين والشعائر الحسينية، ويكون مثيراً للفتنة، وموجباً للفرقة بين المسلمين، أو لتنفير الناس من الحسين كبعض الأعمال المقزّزة التي ينزل فيها الناس الى الشارع بعملية إدماء، أو ما يسمّى التطبير، فكلّها إحياءات لا نوافق عليها، لأننا لا نعتقد انها تخدم القضية الحسينية ولا تفتح قلوب الناس على الحسين (عليه السلام) ولا على الثورة الحسينية ولا على أهل البيت (عليهم السلام)".

وتوجّه الشيخ الخشن للمسلمين المتخاصمين من السنّة والشيعة قائلاً: عليكم، إذا كنتم فعلاً تنتمون إلى هذا الإسلام، عليكم أن تقرأوا تراثكم وأن تغربلوه من كل هذا الرّكام، ومن كل الأحاديث المكذوبة التي تشوّه صورة الإسلام!

واعتبر الشيخ الخشن أن "الجنّة ليست حكراً على المسلمين وحدهم"، شارحاً أنه "من منطلق إيماننا بعدالة الله، فإننا نعتقد أن الله لا يعذّب أحداً لمجرد أنه غير مسلم، إلا إذا كان هذا الشخص قد قامت عليه الحجّة بالإسلام، ومع ذلك جحد وأنكَر".

    وإذ رأى سماحته أن "الكثير من رجال الدين هم أصحاب مصالح ومطامع سياسية، ضيقة، فئويّة، وقد دخلوا في العصبيّات"، أكّد ان "أخطر ما أُفسد به الدين، وأخطر ما تمّ تخريب الدين به هي العصبيات، وأخطرها العصبيات المذهبية. وللأسف ان الكثير من واقعنا العربي والإسلامي تحرّكه العصبيات وليس الدين"!

    تفاصيل الحديث الشيّق مع الشيخ حسين الخشن في الحوار الآتي نصّه:


- ماذا تعني لكم مناسبة عاشوراء؟ وكيف على المسلم أن يحيي ذكرى عاشوراء بينه وبين خالقه بما هو أبعد من المظاهر والطقوس؟
* بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وعلى اهله الطاهرين وصحبه المنتجبين. عاشوراء هي حدثٌ تاريخي، ولكنّنا عندما نتعامل مع هذا الحدث، نتعامل معه من خلال المنطق القرآني الذي يقول "لقد كان لكم في قصصهم عبرة". فنحن عندما نعود إلى عاشوراء لا نريد أن نعود لنتجمّد في التاريخ او في الماضي، بل نريد لعاشوراء ان تدخل الى بيوتنا وساحاتنا، الى واقعنا المعاصر وحياتنا بما تمثّله عاشوراء من قيم الإنتصار للحق والوقوف في وجه الظالمين، وبما تمثّله من دروس في العزّة والإباء، ولما تمثّله من قيم إسلامية، لأن عاشوراء في اعتقادنا حملت العناوين الإسلامية وانطلقت منها. فعندما نحيي عاشوراء نحييها بهذه الخلفية، لا بخلفية من يريد التعارك باسم التاريخ ورجالاته، فيكفينا ما نحن فيه من المشكلات المعاصرة حتى نأتي ونضيف اليها مشكلة جديدة. ونحن نريد لعاشوراء ان تشكّل مادة مشتركة تجمع المسلمين، وليست مادة للخلاف او الخصام فيما بينهم. ولهذا فإن عاشوراء لا تُحيَى في وجه المذاهب الإسلامية الأخرى على الإطلاق، بل تُحيَى لأجل التلاقي مع المذاهب الإسلامية الأخرى، لأن الحسين يمثّل قيمة لكل المسلمين، الذين ينظرون اليه كلّهم نظرة إجلال واحترام وإكبار. فالإمام الحسين مثّل الحق ضد الباطل، والإستضعاف ضد الإستكبار. ومن هنا، عندما نحيي هذه الذكرى لا نعيد نبش الماضي، بل كما يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم {تلك أمّة قد خلت لها ما كبست ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عمّا كانوا يعملون}. عاشوراء مدرسة نستلهم منها الدروس، وفيها محطّات مشرقة للإنسانية جمعاء.

- ما هي أبرز القيم التي تجسّدها هذه المدرسة؟
* عندما نتحدث عن عاشوراء الحسين فإننا نتحدث عن قيمة مواجهة الظالمين. فالإمام الحسين رفع شعار مواجهة الظالمين والمستبدّين، عندما أكّد على ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعاشوراء الحسين هدفت إلى الإصلاح الإجتماعي والسياسي. يقول الحسين:{إنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمّة جدّي.. أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي وأبي} وما أحوج مجتمعاتنا اليوم للإصلاح. والذي هو عنوان قرآني بامتياز. فالله يحدّثنا عن نبي الله شعيب أنّه قال {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت}. فشعارات الإمام الحسين لم تكن شعارات مذهبية، بل كانت شعارات قرآنية إسلامية، شعارات الوقوف في وجه الظالم.

في كلمة أخرى يقول رسول الله (ص) {من رأى منكم سلطاناً جائراً فلم يغيّر عليه بقول أو فعل، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله}، ومواجهة الظالمين والمستبدين هي شعار القرآن أيضاً فالله سبحانه وتعالى يقول {ولا تركنوا إلى الذين ظَلَموا فتمسّكم بالنار}. من هنا نعتبر ان الشعارات التي رفعتها مدرسة الإمام الحسين شعارات قرآنية إسلامية بامتياز.

- هذا المبدأ والمثال. أما في الواقع، فنشهد الكثير من الحقد وبعضاً من التحجّر ربما في الماضي، خصوصاً عندما نشهد حروباً تخاض باسم الإمام الحسين (عليه السلام)، وعندما نشهد اقتتال المسلمين فيما بينهم باسم الدين وأئمّته. فما هي الرسالة العاشورائية التي توجّهونها لهم؟
* نحن نعتقد ان الإحياءات العاشورائية يجب ان تحمل عنوان حفظ الإسلام، وأن تشكّل رسالة سلام للإنسانية جمعاء. وأن تكون جاذبة لقلوب الناس إلى القضيّة الحسينية وإلى الإسلام عموماً. فالحسين ليس لديه دكّانٌ خاص، بل هو تابع لدين جدّه المصطفى (ص). وشعار أهل البيت (عليهم السلام) ان {حبّبونا إلى الناس وجرّوا إلينا كل مودّة}. فكلّ الإحياءات أو الشعائر لا بد أن يحكمها هذا العنوان. أي أن تفتح قلوب الناس على الحسين، لا أن تنفّر الناس عن الحسين وقضيّته. هذا العنوان حاكم. وبالتالي، كل عمل يأتي به بعض الناس باسم الحسين والشعائر الحسينية، ويكون مثيراً للفتنة، وموجباً للفرقة بين المسلمين، أو لتنفير الناس من الحسين كبعض الأعمال المقزّزة التي ينزل فيها الناس الى الشارع بعملية إدماء، أو ما يسمّى التطبير، فكلّها إحياءات لا نوافق عليها، لأننا لا نعتقد انها تخدم القضية الحسينية ولا تفتح قلوب الناس على الحسين (عليه السلام) ولا على النهضة الحسينية ولا على أهل البيت (عليهم السلام).

- هل صدرت فتاوى تمنع التطبير؟
* نعم بالفعل هناك الكثير من الفتاوى التي صدرت لتنهى عن التطبير، في الماضي وفي الحاضر. فالسيد محسن الأمين العاملي، منذ بداية القرن الماضي وقف في وجه التطبير وحرّمه، ووافقه جمع كبير من علماء فقهاء الشيعة. واستمر هذا المنحى الرافض لعملية الإدماء هذه الى زماننا هذا، فحرّمه السيد فضل الله في لبنان ، والسيد الخامنئي في إيران وغيرهما من الفقهاء. لكن ثمة رأي فقهي آخر يدافع عن هذه الظاهرة. وأنا لست ضد هؤلاء الأشخاص الذين يقومون بهذا العمل، لكني أقول لهم ببكل محبّة: أنا أعرف أن الكثيرين لديهم مشاعر وعواطف طيّبة، وانا اقدّر مشاعركم، لكن هل هذا هو الأسلوب الأفضل في التعبير عن المشاعر؟! نزولكم الى الشارع يعني أنه عمل شعائري له وظيفة وتريدون إرسال رسالة معينة. هل رسالتنا هي إخافة الناس ؟! هل بهذا العمل يتفهم الناس قضيتنا؟! هل هذا هو الأسلوب الأمثل للدعوة إلى الإسلام؟! بكل محبّة أقول لكم: لا أعتقد أن اسلوبكم هذا يخدم الإسلام ولا القضية الحسينية، بل إنّه ينفّر الكثير من المسلمين ومن غير المسلمين من هذه القضيّة.

طبيعي أنّ العاطفة الجياشة على ما جرى للحسين هي شيء جميل ومبارك، ولا يمكن أن نفصل بين الإمام الحسين والعاطفة. فالشاعر المسيحي بولس سلامة في إحدى قصائده يقول "أنا المسيحي أبكاني الحسين", فإذا كان المسيحي يبكي على الحسين، فحري بالمسلم، أيّا كان مذهبه، أن يبكي على الحسين. ونحن لا نعتقد ان انساناً مسلماً يعي ما جرى في كربلاء، على سبط رسول الله، الذي قال عنه الرسول (ص) وعن أخيه الحسن: {الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة}، لا يمكن لمسلم إلا أن يذرف الدمع على ما جرى في كربلاء. لكن في الوقت عينه، علينا ألا نحوّل الإمام الحسين إلى حالة بكائية فحسب، ونغفل عن قيم النهضة الحسينية وهي قيم إنسانية، ناهيك عن أن نحوّل عاشوراء إلى مشكلة مع المذاهب الإسلامية الأخرى. هذا ما نصرّ عليه في خطاباتنا.

- لديكم كتابات كثيرة تجمع بين الدين والحب أو المحبّة. برأيكم الى اي مدى نحن بحاجة اليوم لهذا الكم من العاطفة والحب في الدين؟
* نحن نقولها بكل أسف ومرارة، ان ثمة صورة معتمة مظلمة قُدّمت عن الإسلام وأنه دين القتل والسفك والذبح وكم الأفواه. والحال أن من يقرأ هذا الدين في نصوصه الأساسية، في تجربته الأساسية من خلال تجربة نبيّنا الأكرم (ص)، سيجد أن الإسلام هو دين المحبة والرحمة. وقد قالها بعض الأئمة من أهل البيت، وهو حديث مروي عن رسول الله: {وهل الدين إلا الحب؟}

في هذه المفهوم، فإننا معنيّون كمسلمين أن نبرز الصورة الحقيقية والمشرقة للإسلام. فالإسلام دين المحبة. والله هو الرحمة المطلقة، وليس جلّاداً. الله يحبّنا حتّى ونحن نعصيه. إنه" يحبّ التوّابين ويحب المتطهّرين". الله لا يقطع لطفه عنّا حتى عندما نغفل عنه، ورسوله أيضاً رسول الرحمة {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. لم يبعث رسول الله محمد (ص) كما يقول بعض الناس بالذبح، هذا تزوير وافتراء على رسول الله. فالرسول الذي يقول عنه الله {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، كيف له أن يقول {لقد جئتكم بالذبح}؟ هذا تزوير على رسول الله (ص).

لهذا أقول للمسلمين المتخاصمين من السنّة والشيعة: عليكم، إذا كنتم فعلاً تنتمون إلى هذا الإسلام وإلى هذا الرسول، عليكم أن تقرأوا تراثكم قراءة نقدية وأن تغربلوه من كل هذا الرّكام، ومن كل الأحاديث المكذوبة التي  لا قيمة لها، والتي تشوّه صورة الإسلام وصورة النبي محمد (ص). نعم نحن معنيّون في هذه المرحلة بأن نظهر هذا الجانب. حتّى علاقتنا مع الله يجب أن تُبنى على أساس الحب لا على أساس الخوف. فبعض الخطاب الديني يصوّر الله سبحانه وتعالى وكأنه جلّاد. علاقتنا مع الله تُبنى على أساس الحب لا على اساس الخوف. ولماذا نخاف من الله؟ وماذا في الله حتّى يخيفنا؟ هو الرحمة الشاملة  والعدل المطلق، فهل نخاف من العدل؟

- وهل الله بحاجة لفداء دائم بالأرواح والشهداء، حتّى نشهد هذا الكم من الإقبال على الشهادة في عصرنا؟
* الله سبحانه وتعالى ما كان ولم يكن ولن يكون بحاجة إلى دمائنا ولا أموالنا. نحن بحاجة الى الله تعالى، وهو الغني المطلق. وما يريده الله منّا هو أن نكون أناساً يتمثّلون أسماءه وصفاته. {تخلّقوا بأخلاق الله}. فهو الرحمة، فلنكن أصحاب رحمة. وهو العدل فلنكن العادلين. الله لا يريد قرابين تقدّم على مذبح دينه.ولا يريد حروباً تخاض باسمه، والأساس في الإسلام هو السلام. وتحيّة المسلمين هي السلام {السلام عليكم}. والأصل في العلاقات بين البشر وفي العلاقات الدولية بين الدول هو السلام، أما الحرب فهي استثناء، عندما تُفرض عليك فمن الطبيعي أن تدافع عن نفسك، أو لغير ذلك من الإعتبارات المنطقية والضرورية. لذلك نحن معنيون بأن نبشّر برسالة المحبة والسلام بين الناس. ونحن نعتقد أن الإسلام لا ينتشر إلا في ظل السلام. وحتّى في التاريخ، ما يقال عن الإسلام انتشر بالسيف ليس دقيقاً. فالإسلام وصل إلى ماليزيا واندونيسيا والى غيرها من الدول، زمعلوم أن المحارب المسلم لم يصل المسلم بسيفه، بل وصل التجّار المسلمون، لأنهم كانوا يحملون أخلاق الإسلام، والناس كانت عطشى الى إلى تلك البلاد.

هذا الدين. وفي ضوء ذلك فنحن معنيون بأن نحقن دماءنا. والله سبحانه وتعالى يمقت رؤية دم الإنسان وهو يسيل، ويغضب لذلك. وثمة مبدأ في التشريع الإسلامي ألا وهو مبدأ عصمة الدم. فالدم له عصمة واحترام وقدسية، وهذا ما أكّده القرآن الكريم، عندما حرّم القتل وسفك الدم، واعتبر أن {من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعاً}.

- ماذا إذاً عن الذي يختار الشهادة، ويقتل نفسه في سبيل بلوغها؟
* هناك نوعان من الناس. هناك من يختار الإنتحار ليفجّر نفسه في مساجد المسلمين أو في وسط الأبرياء وأسواقهم بصرف النظر عن دينهم. وهذا إنسان مضلّل، وهو ضحية عقل تكفيري مظلم، والذين يقتلون على يديه هم ضحايا. وهناك من ضاقت به السبل فيلجأ في سبيل الدفاع عن نفسه وتحرير أرضه إلى تحويل جسده إلى قنبلة ، كما يحصل اليوم في فلسطين المحتلة. فلا تجد المرأة الفلسطينية او الشاب الفلسطيني، ليدافع عن بيته وارضه وعرضه ويرفع صوته، إلا ان يحمل سكيناً ويطعنه في ظهر المحتل أو يحمل قنبلة ويفجّر نفسه. هذا عمل استشهاد وفداء وبطولة. أما من يفجّر نفسه في الأبرياء، فهو يرتكب عملاً وحشياً، والمؤسف أنّ يقدّم ذلك باسم الدين، والدين من هذا الفكر وهذا الفعل براء.

كان المسلمون يتحاشون في بعض الحالات عملية عسكرية معينة، خشية أن يذهب فيها ضحايا أبرياء. هذا هو ضمير المسلم، فهو يعلم أنّه حتّى الحرب المشروعة - في الإسلام -  لها أخلاقياتها وآدابها. فقد كان النبي (ص) يوصي أمراء السرايا بأن {لا تقتلوا شيخاً كبيراً ولا طفلاً ولا تقطعوا شجرةً ولا تضعوا السمّ في مياههم...}. الحرب في الإسلام لها قيم. ونحن نتعلم من مدرسة عاشوراء تلك القيم والاخلاقيات. فالإمام الحسين كما تذكر السيرة قد قدّم الماء وسقى بعض خصومه.

- بعض الشباب من الأخوة الشيعة ينشرون صوراً لهم على مواقع التواصل الإجتماعي يرتدون خلالها زياً عاشورائي. ولفتنا عباءات كتب عليها رقم 313. فهل يصحّ أن تصبح هذه المناسبة الجليلة عنواناً للموضة والأزياء والتداول السطحي هذا؟
* لدي تعليقان: الأول الأول: أن الطقوس التي تؤدّى في عاشوراء لا يصحّ أن تكون مجرّد شكليات استعراضية. ومع الأسف أقول أننا، نحن المسلمين، أصبحت حتى العبادة لدينا تمثّل طقوس جامدة، فيما العبادة روح، لقد باتت الصلاة مجرّد ركعات نأتي بها بقلب لاهٍ ، وهكذا كل الشعائر والطقوس الإحيائية بما في ذلك ما نقوم به في عاشوراء أو في غيرها، تصبح أعمالاً جوفاء لا قيمة ولا روح فيها. إنّ الشعائر هي بمثابة الجسد، ولها روح وروحها هي التواصل مع الله وأولياء الله، وروحها المحبة والعاطفة والأخلاق، التي نتعلّمها في ظلال هذه الأعمال. وحتّى اللباس الأسود. فإذا أردت أن تلبس الأسود، لا بدّ ان يظل قلبك أبيضاً ناصعاً كنصاعة قلب الحسين، لأن القلب إذا اسودّ فلا ينتج إلا الحقد.

لبس السواد هو مجرّد تعبير رمزي عن التفاعل العاطفي. لكن لا يجوز لمن يلبس السواد أو غيره أن يحمل الحقد على الآخرين. وفي حديث عن الإمام الصادق وقد سئل عن اللباس الأسود قال: "بيّض قلبك والبس ما شئت!"

المهمّ إذاً أن تكون قلوبنا بيضاء وأن نحمل الحب لكل الناس. وإن كان السواد تعبيراً رمزياً عن الحداد والتفاعل العاطفي، غير أن المبالغة في ذلك ليست مطلوبة، كما أنّ الجمود على هذه المظاهر الشكلية ليست محبذة، لأن هذه الطقوس يجب أن تكون نابضة بالروح وليس مجرّد طقوس باردة جوفاء.

التعليق الثاني: فيما يتعلّق بالرقم 313، وهو إشارة الى أنصار الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه) حيث ورد في بعض الأخبار أنّ عددهم هو 313 رجلاً، كعدد أصحاب بدر الذين كانوا مع رسول الله (ص)، فنحن نقول إن هذه العناوين الإسلامية هي عناوين لها قدسيتها، ونحن وإن كنّا نحبّذ تفاعل المسلمين مع العناوين الإسلامية والعناوين القرآنية، فهذا أمر جيّد، لكن بشرط ألا يكون الأمر مجرد استعراض، هذا أولاً، وثانياً: بشرط أن لا يوظّف ذلك في سياق الإساءة الى القضيّة نفسها من خلال استغلال الشعارات والعناوين المقدّسة لاجل استفزاز الآخرين. حذار أن يتم توظيف العناووين الإسلامية في لعبة الفتن أو العصبيات المذهبية.

- "هيهات منّا الذلّة"، هذا النداء الحسيني الشهير، ماذا يعني؟ وهل يجوز استخدامه في نوع من الإستقواء على الآخر؟
* نحن نعتقد أن هذا الشعار هو من جملة الشعارات القرآنية رفعتها الثورة الحسينية والتي تحدثنا عنها، فالله تعالى يقول: {ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين}. فالمجتمع الذي ينتمي الى الإسلام لا بد ان يكون مجتمعاً عزيزاً. بل نحن نؤمن بأن الإنسان، أياً كان مذهبه او دينه له الحق في أن يعيش كريما عزيزاً. الله خلقنا اعزّاء، وحق العزّة والكرامة حق لكل إنسان. {لقد كرّمنا بني آدم}، ولا يجوز لأحد إذلال الإنسان وسلبهم هذا الحق. ونحن نعتقد ان كرامة الإنسان وعزّته هي قدس الأقداس. إنّ شعار" هيهات منا الذلة" هو شعار رفض الاستعباد وكل محاولات الإذلال، ولذا لا يجوز لأحد أن يستخدمه في سياق إذلال الآخرين. أو تخويفهم والتهويل عليهم، بل على المسلم أن يرفض الذلّة لكل الناس.

- ماذا عن الفرح في الإسلام، وقد يرى البعض أن الإسلام بات دين بؤس، ثقافته ثقافة موت، وأنه بات دين الحزن والبكاء على الشهداء؟
* الإسلام هو رسالة الحياة {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}. من هنا فإن الفرح والمرح واللهو البريء الذي يقوم به الإنسان هو حاجة لكل إنسان ولا يمكن للإسلام أن يحرّمها. {قل من حرّم زيتة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} وقال تعالى أيضاً: {خذوا زينتكم عند كلّ مسجد}. فالتجمّل والتزيّن له باب كبير في الفقه الإسلامي. والإسلام ليس دين الكآبة، ولا هو دين المعقّدين نفسياً. فالإنسان المسلم لا بد أن يكون منشرحاً. عندما ننظر الى التعاليم الإسلامية حول البيئة، حول نضارة الحياة وجمال الطبيعة وزرع الأشجار نُذهَل حيث نرى أننا أمام دين يركّز، حتى في تعاليمه الفقهية، على السلامة النفسية للإنسان. المسلم يجب أن يكون لديه حسّ مرهف، وأن يتذوّق الجمال والشعر. وإننا من خلال جمال الكون نكتشف جمال الله سبحانه وتعالى. ومن هنا نجد في الإسلام فسحة كبيرة في مجال الفن والمتعة المحلّلة، المتعة بالنظر والسمع واللمس. لدينا أحاديث رائعة في هذا المحال كالحديث التالي:{ثلاثة يجلين البصر: النظر إلى الماء، والنظر الى الخضرة، والنظر الى الوجه الحسن}، هو حديث شريف وارد عن بعض الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ومروي في بعض الروايات عن رسول الله. والعناصر الثلاثة  التي ورت في هذا الحديث هي العناصر التي تشتمل عليها الجنة، فقد حدّثنا القرآن عن الجنّة بما تشتمل عليه من الماء، والخضرة، والوجه الحسن، وكأن الله سبحانه وتعالى أراد أن تكون الأرض على شاكلة الجنّة. لذلك، حتّى في حالات العبادة والتواصل مع الله، فإنّ المسلم لا يبتعد عن الفرح لكنه فرح من نوع آخر. هو فرح روحي خالد، وإننا ندعو الجميع لاختبار هذا النوع من الفرح أو اللذة.

- نسألك عنوان احد كتبك: "هل الجنّة للمسلمين وحدهم"؟!
* الجنّة ليست حكراً على المسلمين وحدهم! للأسف، أنا طرحت هذا السؤال في عنوان كتابي وذلك قبل سنوات. ولكننا اليوم أصبحنا بحاجة إلى أن نبدّل السؤال لنقول: هل الجنّة للشيعة وحدهم او للسنّة وحدهم؟ لقد ضاقت الدائرة، وكأنما أصبح محسوماً أن من ليس مسلماً فهو مطرود من الجنّة، وبدأنا بتخريج المسلمين. وضاقت الدائرة إذ حتّى في داخل المذهب الواحد،أصبحت كل فرقة، كل أمير وجماعته يخرجون سائر المسلمين وغيرهم من الجنّة.

لكننا نقول: لا لهذا المنطق. فالجنّة والنار لهما موازين. والله سبحانه وتعالى أعطانا الميزان: الإيمان والعمل الصالح. الإيمان به، وبرسله، وباليوم الآخر، والعمل الصالح. هذا هو معيار دخول الجنّة. وعليه، فمن كان قلبه نابضاً بالإيمان، وجسّد هذا الإيمان في سلوكه من خلال عبادة الله والعمل الصالح، فالله سبحانه وتعالى يضمن له الجنّة. ومن جحد الله او آمن به ولكنّه لم يعمل صالحاً، فهذا قد كتب على نفسه أن يكون من أهل الجحيم. إنّ كل الذين آمنوا بربّهم وعملوا صالحاً {لهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. وقد أوضحت هذا الامر بشكل مسهب في كتابي" هل الجنة للمسلمين وحدهم؟". وقصارى القول: إننا ومن منطلق إيماننا بعدالة الله، فإننا نعتقد أن الله لا يعذّب أحداً لمجرد أنه غير مسلم، إلا إذا كان هذا الشخص قد قامت عليه الحجّة بالإسلام، ومع ذلك جحد وأنكَر. أما إذا لم تبيَّن له الصورة الصحيحة عن الإسلام، فكيف ننسب الى الله، وهو العدل والرحمة، أنه يدخل مليارات الناس من غير الملسمين في النار؟

في النهاية نقول إن مفتاح الجنّة والنار ليس بأيدينا، بل هو بيد الله، ولنترك هذا الأمر لله سبحانه وتعالى.

- بين السياسة والإسلام، هل السياسة هي التي تضرّ بالإسلام أم العكس؟
* مع الأسف الشديد، السياسة كانت ولا تزال توظّف كل شيء في بازارها الرخيص. فلقد تم توظيف الدين ومذاهبه ورجالاته في بازار السياسة. أجل إنّ السياسة لا بد ان تستلهم من روح الدين، ومن أخلاق الدين. والسياسة التي تبتعد عن الأخلاق تتحوّل الى سياسة ظالمة جائرة، تتحول الى استبداد وعنف. السياسة تحتاج لروح، روحها الأخلاق، والدين جوهره الأخلاق. لذلك نحن نعتقد أن الدين لا بد أن ينشر روحه وأخلاقه في كل هذه الحياة بكل أبعادها ولا سيما الاجتماعية والسياسة والاقتصادية. ولكنّنا في الوقت نفسه نقول للمؤمنين والمسلمين والمتديّنين: حذار من أن تسيروا خلف بعض الشعارات السياسية التي تعمل على توظيف الدين واستغلاله في بازار السياسة. مشكلة الدين كانت هنا، أي في ان أصحاب المطامع وعلى رأسهم السلاطين عملوا على توظيفه واستغلاله، بل على تشويهه. نعم، إنّ ما أسمّيه في بعض كتاباتي بالعقل "الكسروي" أو العقل السلطوي قد عمل حتّى على تشويه المفاهيم الدينية وتفسيرها بما يخدم أطماعه ومصالحه، وعمل على استغلال رجال الدين وتوظيفهم في بلاطه لكي يعطوه غطاء، بحيث إذا صالح يعطوه الغطاء للصلح، وإذا قاتل يعطوه الغطاء للقتال.

الدين يجب أن يتنزّه عن آفات السياسة، وعلماء الدين الذي يدخلون في بازار السياسة الرخيص، إنما يخونون الامانة التي عُهدت إليهم. هم يجب أن يكونوا البوصلة التي تصحّح، يجب أن يكونوا صمّام الأمان في الأمة. لكن مع الأسف الشديد، الكثير من رجال الدين هم أصحاب مصالح ومطامع سياسية، ضيقة، وفئويّة، وقد دخلوا وأدخلوا الناس معهم في كهوف العصبيّات. وأخطر ما أُفسد به الدين، وأخطر ما تمّ تخريب الدين به هي العصبيات، وأخطرها العصبيات المذهبية. وللأسف ان واقعنا العربي والإسلامي تحرّكه العصبيات وليس الدين وتحركّه الغرائز أكثر مما تحركه القيم والمبادىء. قد يخيّل للكثيرين أنّهم يحملون راية الإسلام في الخط السنّي أو راية الإسلام في الخط الشيعي، والحال أنهم قد لا يحملون سوى العصبيات والغرائز المذهبية، والعصبيات هي أحقاد تقتل وتدمر وتفترس الإنسان في نفوسنا، ونحن بحاجة لمن يعمر ويبني وينشر الحب والسلام في ربوع الحياة.


غنوة غازي – النهار الكويتية - Checklebanon

POST A COMMENT