كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

زمان وحلا لبنان

رحلة في عالم "المونة" (1) !

Sun,Sep 21, 2014


همّ الصيف بالرحيل، ليقترب ببرده ومتطلباته واحتياجاته.
إنه شهر أيلول. إنه موسم حرف "الميم" بأثقاله الثلاث: مونة. مدارس. مازوت!


أعباء ثلاثة لا مفرّ منها. تكاليفها باهظة! إلاّ ان للمونة خصوصيتها. متعبة، لكنها ممتعة. غير طازجة، لكنها صحية! والأهم من هذا كلّه، إنها تقليد اجتماعي- تراثي درج اللبنانيون، وربّات المنازل على وجه الخصوص، على تكريس وافر الوقت والجهد لإعداده في أواخر فصل الصيف وبداية فصل الخريف. تراث لم تقوَ وسائل التكنولوجيا الحديثة بأزرارها وتقنياتها على محوه. فعلى الرغم من اكتساح الاطعمة المعلبة والمثلجة الاسواق اللبنانية، ما زال الكثيرون يفضلون المنتوجات اللبنانية لايمانهم بصحتها وسلامتها ولما لها فيهم من ذكريات تردّهم الى القرى وارضها والتراب.

وكما إبن الريف، فإبن المدينة عاد اليوم الى "الثقافة البلدية"، ثقافة تتبين في اقباله على المنتوجات المحلية المنتشرة على رفوف السوبرماركات والموزعة في مرطبانات تحمل روح الضيعة وتراثها. وفي المقابل ازدهرت صناعة المونة في القرى اللبنانية خصوصاً في مناطق الجبل الذي بات مقصد المغتربين والسيّاح فانتشرت المحال والبيوتات المخصصة لبيعها، ما شكل موسماً اضافياً وباب رزق لعائلات كثيرة امتهنت تحضير المونة أبا عن جد.

في فترة الموسم، تتحوّل ربات البيوت وفي معظم المناطق اللبنانية، الى خلايا نحل تعمل بدأب على إنجاز أنواع المؤونة لفصل الصقيع، من البرغل والحبوب المختلفة والكشك، الى "القاورما" وزيت والزيتون ورب البندورة، ورب الرمان، ناهيك بالمخللات والمقدّدات والمربيات على أنواعها، فضلاً عن مختلف انواع العصير والمثلجات من الخضار والفواكه.

في الماضي، كان تحضير المؤن هاجساً أساسياً لدى ربة المنزل، نظراً لصعوبة التنقل في فصل الشتاء وأيام الثلج في الجبال تحديداً، فضلاً عن عدم توافر الخضار والفواكه في غير مواسمها التقليدية، وصعوبة تأمين اللحوم بشكل يومي، وكذلك الامر بالنسبة إلى مشتقات الحليب على أنواعها. اما في المدينة فقد تلاشت هذه العادة نسبياً بعدما درج أهلها على "التموّن" آخر كل شهر ليسلك "المعاش" طريقه المحتوم الى صناديق "التعاونيات" وكبار المحال التجارية! المونة باتت من الكماليات لدى معظم هؤلاء، وفي المقابل فان بعض العائلات ما زالت تصر على شرائها جاهزةً من الجبال بشكل خاص. هناك، حيث تنهمك معظم السيّدات في الموسم بعمل متواصل لا ينتهي إلاّ عندما تمتلئ "النملية" كما كانوا يسمّونها قديماً، وهي الخزانة المخصّصة لتوضيب وحفظ المؤن. ويمتزج العمل مع عرق الجبين و"بركة" الأيادي، في البيوتات التي تعتمد بيع المونة البلدية مصدراً للعيش. وعدد المحال التجارية، أو "الاكواخ" و"الخيم" المخصّصة لهذه الغاية الى تزايد مستمر خصوصاً على طول الطريق المؤدي الى قضاء الشوف من جهة عين دارة، وفي منطقة المتن الأعلى، وكذلك في مناطق راشيا وحاصبيا في البقاع الغربي.


بين المدينة والريف


ابن المدينة لا يستشعر دورة الفصول كابن الأرياف. لا يصنع المربيات من فواكه البستان. لا يطبخ ربّ البندورة من ثمار الحقل. ولا يكبس بيديه الزيتون الأخضر في خوابي الفخار. غصن الغار وقشرة الليمون "ابو صفَيْر" والرائحة التي تفوح من خابية الزيتون النائمة في آخر القبو العقد في زمهرير الشتاء كلها لا مكان لها في قاموسه. إلاّ انه اليوم عاد يحنّ الى تلك المنتوجات البلدية بعدما كسحت المستوردة المطاعم والسوبر ماركات، والدكاكين الصغيرة. جولة صغيرة في إحدى "المولات" كفيلة بإظهار هذا الحنين من خلال المنتوجات البلدية الموضبة باسم شركات متنوعة. معروضات من كل الأصناف تحتل الستاندات والرفوف في "مرطبانات" مزينة بشيء من القرية والتراث، وهي وإن كانت أغلى ثمناً في بعض الاحيان من غيرها إلاّ أنها تلقى اقبالاً لدى المستهلكين، ولعلّ في ذلك دلالة واضحة على عودة ثقافة "البلدي" الى أذهان الناس. كثيرون عادوا اليوم الى اعتماد هذه المنتوجات علّهم يبعدون شبح المواد المصنّعة والملوّنة التي تضاف الى المعلّبات وتهدّدهم بالامراض. كثيرون منهم ايضاً يفضلون الابتعاد عن تلك التي تباع في المدن فيلجأون الى القرى، حيث باتت عائلات كثيرة تعتمد على موسم المونة وصناعتها كمصدر رزق لها، ايمانا منهم بان المنبع أسلم من الرافد، وبذلك يؤمنون مونتهم للعام كله خصوصاً من الفواكه التي تبقى لها حصّتها من "عالم" المونة. منها ما يتم تجفيفه تحت اشعة الشمس، مثل المشمش والتين والزبيب والجوز الاخضر واللوز. وتتفنن أم هاني باضافة اصناف أخرى، فتجفف التفاح والكرز والخوخ والموز والمانغا بعد تقطيعها قطعاً صغيرة. تقدمها في الشتاء "كوكتيلاً" شتوياً مميزاً. وتتفنن كذلك بتحضير أنواع متنوعة من العصير، كالتوت البري وليمون "ابو صفير" وغيره، بالاضافة الى اصناف "الكومبوت" مثل الدراق والعنب والكرز وغيره.

ومن الفواكه تصنع ايضاً المربيّات. فالحلوى ضرورية في الشتاء، لتضفي على الجسد طاقة ودفئاً. والمربيات انواع، بدءاً بالتين والمشمش، مروراً بالتفاح والسفرجل والفريز والكرز، انتهاءً بمربى القرع والباذنجان، وحتى البندورة الصغيرة! تحرّك أم ربيع مربّى المشمش في الـ"لكن". زوجها يوقد النار بالحطب. "لنار الحطب ميزتها في المربيات والرب"، تقول، "فهي تمنح الأصناف نكهة لا بديل منها". ويتحدّث أبو ربيع عن الطلب الهائل على المربيات وسائر اصناف المؤن في محلّه التجاري في بلدة الباروك في الشوف، مشيراً الى "ان الناس يتجهون الى اعتماد الطعام الصحي، وارتفاع الاسعار لا يغني عائلات المدن تحديداً، عن شراء اصناف المؤن البيتية التي نبيعها". ويلفت الى ان "معظم العائلات الجبلية ما زالت تتقن صنع المؤن، باستثناء عائلات المغتربين الذين يوصون بتحضير حاجياتهم من المؤن فور وصولهم الى لبنان، ويحضرون لشرائها قبل سفرهم".


بحساب الطقس والمواسم


لكل فصل في الريف موسمه وطعامه. فطبخة "زنغل" بالـ "حصرم" مثلاً لا يمكن تناولها في الشتاء، ولو كانت "الحاجة صفاء" تكبس الحصرم بالماء والملح المغلي. توضبه في "مراطبين" زجاجية وتضيفه الى محتويات "النملية" لاستعماله في الشتاء عوضاً عن عصير الحامض للتبولة والسلطات على انواعها. الحصرم هو العنب الاخضر شديد الحموضة قبل نضوجه. و"الزنغل" اكلة جنوبية قديمة. تحتوي على صلصة الحصرم مع البصل والثوم. تضاف اليها كرات البرغل المنقوع بالنشاء والماء والملح. صلصة الحصرم تبث في الدم نسمة باردة حلوة في الصيف. اما اللبن الساخن مثلاً، فيمنح الانسان دفئاً محبباً خلال فصل الشتاء. فتصبح طبخة "الزنغل" باللبن الساخن ضرورية للتنويع في الاطعمة شتاءً. وفي كلتا الحالتيْن، "البرغل" من اركان المونة الرئيسية. وهو يدخل في الكثير من انواع الطعام المطبوخ.

لذلك لا بد من "تموين" البيت بالبرغل. ولهذه الغاية ما زال الشيخ ابو كمال (97 عاماً) من بلدة ابل السقي - قضاء مرجعيون، يزرع حقله بالقمح. منه يؤمن المونة لطبخة "الفريكة" وهي حبوب القمح الناضج الخضراء، تشوى على النار، ثم تفرك باليدين لـ "تخلع" قشرها، وتضاف الى اصناف المونة بعد تجفيفها. اما حبوب القمح الذهب فيحصدها ابو كمال ليوفر المونة منها القمح له ولابنائه وعائلاتهم. هم بدورهم يسلقونه بالماء ويجففونه بتعريضه للشمس، ثم يطحنونه. منه يصنعون نوعيْن من البرغل، الناعم والخشن. الاول للتبولة والكبة، اما الخشن فلانواع الطعام الاخرى ومنه يُصنع "الكشك الطعام الرئيسي للشتاء، فهو صحي ومفيد للجسم، خصوصاً اذا اضفنا اليه البصل والثوم. ورغم ان تحضيره مكلف ومتعب جداً، فان ربّات البيوت يعمدن الى تحضيره قبل كل شيء.

رحلة الكشك معاناة تطول تبدأ قبل نقعه بأيام. فاللبنة ضرورية، ليس للكشك وحده بل لمونة الشتاء منها أيضاً. واللبنة "المكعزلة" من اشهى انواع الطعام مع خبز الصاج الساخن على سطح "وجاق" الحطب في الشتاء. وكلمة "المكعزلة" او "المقرّصة" تعني تحويل اللبنة المجففة جيداً الى كرات او اقراص، توضع في أوان زجاج شفافة، وتغْمر بزيت الزيتون لكي تدوم فترة طويلة. وهي تضاف الى مجموعة من اصناف المونة يتم تحضيرها من مشتقات الحليب، كالجبنة البلدية البيضاء، والقريشة والشنكليش.

غنوة غازي – Checklebanon

POST A COMMENT