كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

زمان وحلا لبنان

" رمضان في تاريخ بيروت" (الحلقة الأخيرة)

Tue,Jul 29, 2014



احتفالات العيديْن في بيروت



ان الاحتفالات بعيديْ الفطر السعيد والأضحى المبارك، في بيروت والبلدان الشامية والاسلامية الأخرى، فيها الكثير من العادات والتقاليد والمشتركة، غير أن فيها بعض السمات المميزة أيضاً. ويقول المؤرخ اللبناني الدكتور حسان حلاق، ضيف "Checklebanon" في سلسلة لقاءات "تاريخ رمضان في بيروت": في عيد الفطر السعيد، يؤدي المسلمون زكاة فطرهم وزكاة أموالهم، ويبتهجون بفطرهم السعيد بعد قضاء الصوم في شهر رمضان المبارك والقيام بلياليه، ولا سيما ليلة القدر.

في حين أن الاستعداد لعيد الأضحى المبارك، كانت تسبقه مشاركة أهل بيروت، في قافلة الحج الشامي، والمشاركة في تأدية مناسك الحج. كما يحرص بعض المسلمين على ذبح الخراف وتضحية الله تعالى، واقتداء بسيدنا ابراهيم عليه السلام، الذي أرسل الله سبحانه وتعالى له كبشاً افتداء وتضحية عن ابنه سيدنا اسماعيل عليه السلام.

وتوزع هذه الأضاحي على الفقراء والمعوزين كما جرت العادة، ويعتبر الوقوف في عرفة، يوم التاسع من ذي الحجة، حدثا ًهاماً ليس للحجاج المسلمين البيارتة فحسب، انما لذويهم وأقاربهم، ولجميع المسلمين، الذين يتوجهون بالدعاء لله تعالى بالعفو والعافية والمغفرة. أما العاشر من ذي الحجة فهو عيد المقيمين، وعيد الحجاج في آن معاً.

وتكون أيام العيد وما بعدها فترة استعداد لاستقبال الحجاج القادمين من الاراضي الشريفة المقدسة، حيث تنصب لهم الزينات والأقواس. ويستقبلون استقبالاً حاراً وسط الأهازيج والأناشيد وضرب الطبول والصنوج من قبل الفرق الصوفية. ومن ثم يبدأ الحجاج باستقبال المهنئين من الأهل والجيران، وسط تبادل الهدايا بما فيها التمور والحراير والقماش ومياه زمزم، والسبحات والمصاحف.

والعيد بصفة عامة، سواء عيد الفطر السعيد او عيد الأضحى المبارك، هو عيد الأطفال والأولاد، الذين يلبسون أجمال الألبسة الجديدة، وبعد ان يجمعوا "عيدياتهم" من الأب والأم والجد والجدة والاعمام والعمات والأخوال والخالات، يتوجهون  ليعيدوا على طريقتهم وأسلوبهم مع رفاقهم وأصحابهم.

ويقول د. حلاق ان "بيروت في العهد العثماني، عرفت مناطق تجمّع للأطفال والأولاد في الأحياء والأزقة، غير أن أهم مناطق تجمع البيارتة في بيروت العثمانية، كانت تتمثل في ساحة السور، وحرج بيروت، والساحة الحميدية، والساحة المجيدية، والبرج (ساحة البرج)". ويضيف: ففي ساحة السور، كانت تنصب المراجيح والقلابات، وما كان يعرف باسم "الجنزوقة" مع مختلف أنواع الألعاب والاطعمة المحببة للأطفال.

أما عن الاحتفالات العامة لمناسبة عيديْ الفطر السعيد والأضحى المبارك، فيشير د. حلاق الى انها "كانت تستقطب أبناء بيروت والمناطق الاسلامية الأخرى في لبنان"، ويقول: كانت تقام في حرج بيروت، حيث تنصب المراجيح متعددة الألوان، وتنشر الألعاب، وتقام المسارح التي يتولى عدد منها بعض الممثلين المصريين واللبنانيين، كما كان الساحر يقوم بدور بارز في حرج بيروت، حيث يتجمهر الناس حوله، يتفرجون على ألعابه المسماة بـ "السيما"، وكان يضع بين يديه الكثير من الأجهزة والأدوات السحرية، مثل  الايحاء للناس بأنه يأكل شفرات الحلاقة، أو يبلع شجرة، بالاضافة الى ألعاب عديدة. كما كان يقوم "السعدني" أو "القرداتي" بدور هام في حرج بيروت، حيث كان يضطحب "السعدان" ويقوم بألعاب بهلوانية، فيتجمهر الناس حوله، يرمون له الموز والترمس وفستق العبيد وسوى ذلك، فيقوم بتقشيرها وأكلها. وكانت حركاته تثير الضحك والسعادة والفرح في نفوس الأطفال.

ويتابع د. حلاق: وكان الأهل ينتقلون مع أولادهم وأطفالهم من مكان إلى آخر في طول حرج بيروت وعرضه، يتفرجون على التمثيليات المسلية التي تقام على مسارح خشبية متواضعة. كما يتحلق آخرون حول رجل الأفاعي والحيّات، التي يضعها على رقبته ويلعب بها دون خوف أو فزع.

ومن الأمور المرتبطة بحرج بيروت، وبعيد الفطر السعيد وعيد الاضحى المبارك، "صندوق الفرجة"، وهو صندوق خشبي يحتوي على صور متتابعة يحركها صاحب الصندوق قائلاً بصوت عالٍ: تفرّج يا سلام عالدنيا السلام، عنتر والشاطر حسن وفارس الأحلام...". والواقع فإن هذا الصندوق كان يبعث الفرحة والبهجة والسعادة في نفوس الأطفال الذين يتزاحمون لرؤيته.

ولا ينسى د. حلاق الاشارة الى أغاني الفتيات والفتيان، التي كانت تتعالى من أعالي المراجيح، وتثير حماسة الآخرين لركوبها، وهم ينشدون "يا أولاد بو شرشوبة (يويو) عيشة المخطوبة (يويو) يا من خطبها (يويو) ... يا ولاد محارم (يويو)..."، ويلفت الى انه "بين لعبة ولعبة، وفي وسط ازدحام الناس والعائلات البيروتية، كان بعاة المخلل (المخلّلاتي) ينصبون الفرش الخشبي والصدور على قاعدة خشبية، حيث يضعون في صحون صغيرة الكبيس المكون من الخيار والملفوف واللفت المصبوغ عادة باللون الأحمر. وينتشر في مكان آخر باعة الترمس والنعومة والفرسكو، والبوشار، والسمسمية والكرابيج وغزل البنات باللونين الأحمر والأبيض.

ويتابع: وكانت عربات الحنطور تنتشر خارج الحرج كي تقل الأولاد في مشوار قريب ذهاباً واياباً. أما بعد انتشار السيارات، فتراجع دور عربات الحنطور. كما كان الأطفال يستأجرون الحمير فيركبونها من منطقة الحرج الى حرج القتيل أو الى الأوزاعي ذهاباً وإياباً كما كانوا يستأجرون العجلات (الدراجات الهوائية)، حيث يتجوّلون خارج الحرج.

ويقول د. حلاق ان "الاطفال كانوا يسرّون كثيراً بعد انتشار التصوير بالكاميرات التي كانت تحمل على عكازة خشبية، وأكثر الذين كانوا يتولّون التصوير كانوا من الأرمن. وكانت الصور تعطى مباشرة، بعد أن يجففها المصور على حرارة الشمس أو الهواء. كما كان ينتشر في أجزاء من الحرج "الكركوز" وألعاب الدمى، وخيمة تقدم فيها المسرحيات، والأحصنة الجاهزة للايجار، وغيرها من وسائل التسلية والترفيه". ويشير الى ان "من الأطفال من كان يكرر زيارته للحرج في اليومين الثاني والثالث من العيد، ومنهم من يزوره في اليوم الثاني فقط او اليوم الثالث، وهكذا كان العيد يستمر طوال ثلاثة أيام في حرج بيروت، وكان يمتد في بعض الأحيان الى اليوم الرابع، أي في الرابع من شهر شوال، وهو ما يسمى عند العامة في لبنان "جحش العيد"، ويمتد الى خمسة أيام في عيد الأضحى المبارم أي إلى 14 ذي الحجة".

ويقول د. حلاق: هنا كانت تبرز مشاعر الاطفال والأولاد، حينما ينقضي العيد، فيحزنون ويتمنون لو أنهم ما زالوا في أول أيامه. ثم تراهم يتحمعون بعد ذلك في أحيائهم أو منازلهم أو مدارسهم، يتبادلون أطراف الحديث ويتذكرون كيف قضوا أيام العيد هناك، متأسفين على انقضائه، وكأنه حلم سعيد في عيد سعيد".

ويؤكد د. حلاق أنه "ولهذا كله، فإن أهل بيروت يتمنون بعد تحريج الحرج واعادة تأهيله مما لحق به من أضرار الحرب، أن يعود الى ما كان عليه قبل السبعينيات، وليس حديقة عامة يمنع الأطفال والناس من ممارسة ألغابهم في عيديْ الفطر السعيد والأضحى المبارك والمواسم الشعبية فيه، ويمنعون من إقامة هذا الكرنفال الديني والشعبي"، ويرى أنه "على المعنيين إعادة العمل بتراث العيد وتراث حرج بيروت بألعابه ومباهجه، لا جعله مجرد حديقة حديثة بألعاب "متفرنجة"، لا تثير فينا المشاعر والشجون، كما كانت بيروت أميرة العواصم، وكما كان حرجها حرج السعادة والفرح".

POST A COMMENT