كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

زمان وحلا لبنان

" رمضان في تاريخ بيروت" (الحلقة السادسة )

Wed,Jul 23, 2014



"ذكرى أربعة أيوب": تقليد انفردت به بيروت



شهدت بيروت عبر تاريخها الطويل، كثيراً من العادات والتقاليد التي اندثر بعضها، ولم يبقَ في الأجيال المعاصرة من يعرف شيئاً عنها. ومن العادات البيروتية التي اندثرت "ذكرى أربعة أيوب"، حيث كان أهل بيروت يقيمون منذ ما قبل الاسلام الذكرى، تكريماً للنبي أيوب عليه السلام، لشدة صبره واحتماله المصاعب والأمراض والشدائد التي مرت عليه، واستمر مؤمناً صابراً مثلاً يحتذى في الصبر، وشاع في بيروت المثل القائل "يا صبر ايوب" ومن الآيات التي وردت في القرآن الكريم عن النبي أيوب (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب) سورة ص، الآية 41. وفي قوله تعالى (وأيوب إذا نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين*فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وأتينه أهله ومثلهم معهم رحمة من عنجنا وذكرى للعابدين) سورة الأنبياء، الآية 83-84، كما ورد في الآية 163، وسورة الأنعام، الآية 84.

وقيل أن النبي أيوب عليه السلام نُصح بالقدوم من فلسطين الى بيروت وجبل لبنان للاستشفاء في مناخه الملائم. ومكث مدة على شاطئ بيروت من الرملة البيضاء حتى حنتوس (الإمام الأوزاعي حالياً). وكل مرة كان يسبح على شاطئ الرملة البيضاء سبع مرات على سبع موجات/ لأن الرقم (7) من الأرقام المحببة والمباركة في جميع الأديان ومنها الإسلام، وبتكرار السباحة والاغتسال بالمياه العذبة بالقرب من "مية الدالية" مع الدعاء شفي النبي أيوب. ونصح فيما بعد بالتوجّه نحو جبل لبنان لاستكمال شفائه، فصعد الى منطقة نيحا في الشوف، حيث وجد المناخ الملائم، فأقام فترة يغتسل بمياه المنطقة حتى حصل الشفاء التام، ثم عاد الى فلسطين حيث توفي. وكما أهل بيروت عملوا على تكريمه لمئات السنين باحياء ذكراه، كذلك أهل منطقة نيحا أقاموا له ضريحاً ومزاراً باسم "النبي أيوب" يزوره اللبنانيون في الأعياد والمناسبات الدينية والاجتماعية.


ويقول المؤرخ الدكتور حسان حلاق، ضيف "Checklebanon" في سلسلة لقاءات " رمضان في تاريخ بيروت"، أن "ألبيارتة اعتادوا، في حال إصابة الرجال والنساء أو الشباب أو الأولاد بأي سوء (عدم الزواج، عدم القدرة على الزواج او الانجاب، القرينة، التلبّس...) أن يتوجهوا الى شاطئ البحر، على أن يسبح المصاب سبع مرات على سبع موجات، اقتداء بالنبي أيوب، مع تلاوة القرآن الكريم على نية الشفاء وتحقيق المبتغى. ويشير الى ان "اربعة أيوب ارتبطت بحلوى اعتاد البيارتة صنعها، ولا يزالون، وهي "المفتقة" المؤلفة من: أرز وطحينة، وسكر، وعقدة صفراء، مع رش الصنوبر فوق الصحون الممتلئة بها.


تصادف ذكرى أيوب الأربعاء الأخير من شهر نيسان/أبريل من كل عام. وبها يرتبط المثل اللبناني الشائع "مية نيسان بتحيي الإنسان"، للدلالة عن أهمية المياه في شهر أبريل. "كما اعتاد البيارتة عدم الكنس والمسح في بيوتهم في هذا اليوم، لئلا يفور النمل، مما يدعوهم للتشاؤم"، كما يذكر د. حلاق، الذي يقول: في أربعة أيوب، كان البيارتة يتوجهون، رجالاً ونساء بمأكولاتهم وفي طليعتها "المفتقة" إلى منطقة الرملة البيضاء، كما أن الأولاد كانوا يطيّرون طياراتهم الورقية في السماء. وحتى فترات قريبة قبيل العام 1958، كانت السيدة حدرج عيتاني (التي كانت تعرف بالست حدرج)، تقود العائلات البيروتية من مناطق رأس بيروت والحمراء وعائشة بكار والزيدانية ورمل الظريف، في تظاهرة حاشدة، الى الرملة البيضاء، لاحياء هذه الذكرى العظيمة لنبي زار بيروت ونزل فيها. كما كان يسبق ذلك، من ما بعد صلاة الفجر، تذكير الناس ودعوتهم للمشاركة في الذكرى.


ويضيف: وكان الملاحظ ان النساء البيروتيات اللواتي تميّزن بالقدرة والجرأة والقوة الشعبية هن من كنّ يترأسن هذه التظاهرات الشعبية، لأنهن أكثر قدرة على التعاطي مع نساء الأحياء والأطفال والأولاد.وبدون هذه المجموعات الاجتماعية لم يكن من الممكن اقامة مثل هذه الذكرى.


ويشير د. حلاق إلى أن "هذا اليوم يعتبر "ظاهرة شعبية" انفردت بها بيروت مع أكلة "المفتقة" دون سائر المدن والحواضر اللبنانية والعربية. ويسرق نظرة مطوّلة إلى دهاليز ذاكرته ليتابع: لقد شهدت هذه الاحتفالات عندما كنت طفلاً. كنا ننزل مع ذوينا وأقربائنا وجيراننا من منطقة الطريق الجديدة إلى الرملة البيضاء عبر الرمال والكثبان. ولم تكن في المنطقة أي أبنية أو بيوت. وأذكر أن آخر مرة احتفل أهل بيروت بهذه الذكرى كانت في نيسان/أبريل 1958، وفي أيار/مايو من العام نفسه وقعت أحداث 1958، وبدأت تتلاشى الذكرى، التي كانت من الأجمل في بيروت المحروسة.


وتشير معلومات الى ان ذكرى أربعاء أيوب ما تزال تقام في أكثر من منطقة في العالم الاسلامي، مثل منطقة العريش وفي مدن فلسطين، وما يزال قائماً حتى الآن ضريح النبي أيوب في استانبول تكريماً له ولذكراه.

ويُذكر أنه، نظراً لأهمية الذكرى، وتعميقاً لانتماء البيارتة الى تراث مدينتهم، وتنشيطاً للذاكرة التاريخية، تداعت بعض الجمعيات البيروتية بمساعدة نائب في البرلمان اللبناني، وعملت في السنوات الأخيرة على إحياء هذه الذكرى، مع إحياء مظاهرها القديمة، بما فيه توزيع حلوى "المفتقة" في منطقة الرملة البيضاء في بيروت.

(في الحلقة السابعة: استبانة رمضان وليست السيبانة!)

POST A COMMENT