كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

زمان وحلا لبنان

"رمضان في تاريخ بيروت" (الحلقة الخامسة)

Sat,Jul 19, 2014

عادات "البيارتة" خلال رمضان المبارك!

يحتفظ البيروتيون حتى يومنا هذا ببعض العادات والتقاليد التي تترافق مع شهر رمضان المبارك، وتبرز في خلال عيديْ الفطر السعيد والأضحى المبارك.
فمن مظاهر رمضان المبارك مثلاً تجوال أطفال بيروت بفوانيسهم بعد صلاة المغرب في الشوارع والأحياء، ينشدون الأناشيد الدينية والأغاني الشعبية المحببة. وهذه العادة تتلاشى يوماً بعد يوم وتتبدل مع غيرها بحسب متطلبات العصر.

 وكان من عادات البيروتيين أيضاً أنه إذا ما صودف أن رزقت عائلة بيروتية بطفل ذكر في هذا الشهر، فإنها تسميه رمضان تقرباً، كما حملت بعض الأسر لقب "رمضان" اسماً لها، وهي من العائلات البيروتية المشهورة منذ ما قبل العهد العثماني.

ويقول د. حسان حلاق، ضيف "Checklebanon" في سلسلة لقاءات "رمضان في تاريخ بيروت"، من عادة البيروتي أنه في أواخر رمضان المبارك، يبدأ بممارسة "التوحيش" في العشر الأواخر منه، تعبيراً عن تمسكه بهذا الشهر الكريم، وعن حزنه بسبب قرب انتهائه، فيبدأ الصائمون والفرق الدينية بالانتقال الى المساجد يصلون ويبتهلون لله تعالى، وينشدون الأناشيد التي تعبّر عن وحشة المسلم لرمضان المبارك. وما تزال هذه العادة مستمرة حتى اليوم في بعض العواصم والمدن العربية.

أما فيما يختص بالاستعداد لعيد فطر السعيد الذي يصادف في الأول من شوال، فيلفت د حلاق الى ان "الاستعداد له كان يبدأ قبل أسبوع من انتهاء رمضان المبارك، حيث كان الأب يصطحب أولاده معه الى باطن بيروت أو البلد (وسط بيروت اليوم) لشراء الألبسة والأحذية الجديدة من أسواق البلد المتعددة. كما تشتري المرأة لبناتها الاحتياجات اللازمة للعيد، من سوق الأساكفة، سوق البزركان، سوق بوابة يعقوب، سوق الساحة، سوق سرسق، سوق الأرمن (برج حمود اليوم)، سوق الطويلة، سوق أياس، سوق باب ادريس، سوق الدلالين، سوق الخياطين، وسواها من الأسواق".

وتجدر الاشارة الى ان بعض هذه الأسواق لم يعد موجوداً في العاصمة اللبنانية اليوم، كما أن بعضها الآخر تغيّر اسمه وانمحت معالمه بالكامل.
ويضيف د. حلاق: كان أفراد الأسرة ينهمكون بتحضير لوازم وحوائج حلوى "المعمول" من سكر وخميرة وطحين فرخة وسمن بلدي وسميد وتمر وجوز وفستق حلبي، وماء الورد ماء الزهر. وذلك لصناعة المعمول بأنواعه الثلاثة: معمول بالجوز، معمول بالتمر، ومعمول بالفستق. وقبل يومين او يوم على الأقل من قدوم العيد، تقوم النسوة البيروتيات بتحضير المعمول وإرساله الى الفرن. وبعد الانتهاء من خبزه، يعيد صانع الفرن "الصواني والصدور" الى المنزل، ويأخذ الفران أجرته عادة بعض الحلوى من المعمول او بعض القروش. وبذلك تصبح الأسرة جاهزة للعيد السعيد.
ويشار هنا الى ان حلوى المعمول باتت تباع بشكل دائم في محلات بيع الحلويات، ولم تعد حكراً على عيديْ الفطر السعيد ورمضان المبارك، كما كانت فيء السابق في لبنان.

يحرص المسلمون في بيروت على توزيع زكاة الفطر وزكاة أموالهم في شهر رمضان، وقبل صلاة العيد، حتى تتم الفرحة للفقراء والمعوزين. وبحسب د. حلاق انه "كان يتم الاعلان عن أول أيام العيد في المساجد والزوايا، ثم يتم الاعلان والاحتفال بالعيد بطلقات عدة من المدفعية بواسطة "المدفعجي" (أي المسؤول عن اطلاق المدفع في اللغة العامية اللبنانية)، وذلك في بيروت وصيدا – جنوباً، وطرابلس – شمالاً، ومختلف المناطق والمدن الاسلامية في لبنان. وكان أطفال بيروت ينتشرون في الشوارع، ينشدون "بكرا العيد ومنعيّد، ومنذبح بقرة السيد. والسيد ما عندو بقرة، منذبح بقرة الشقرا". ويقول الدكتور حلاق أنه في العهد العثماني، وفي صباح أول أيام العيد، كان والي بيروت يتوجه الى منزل مفتي بيروت، ليصحبه معه الى المسجد العمري الكبير في داخل البلد (وسط بيروت)، ويكون بانتظارهما العلماء ورجال السياسة والقادة، والجماهير البيروتية، وسط احتفال رسمي مهيب كان يقام وسط الموسيقى العثمانية المميزة، بقيادة "الجوسقي" أي قائد الفرقة الموسيقية، كما قال د. حلاق.

وكان المفتي يؤم المصلين في صلاة العيد ثم يلقي الخطبة. وبعد ذلك، تبدأ المعايدات وتبادل التهاني بالعيد السعيد بقول عبارة "كل عام وأنتم بخير"، أو "كل عام وأنتم سالمون". وفي هذه الأثناء، كان المسجد الكبير وبقية المساجد تعج بجمهور المصلين والمهنئين، كما تتوافد قيادات وأعيان الطوائف المسيحية والاسلامية لتقديم التهاني في هذه المناسبة السعيدة.

ومن العادات البيروتية القديمة، بحسب الدكتور حلاق، ان "المسلمين في بيروت كانوا يحرصون، بعد الانتهاء من صلة العيد، على زيارة قبور موتاهم، ووضع أغصان خضراء عليها، لا سيما الاغصان المعروفة باسم "الآس"، وهي أغصان شبيهة بأغصان "الحنبلاس" التي باتت قليلة في هذه الأيام، وذلك اقتداء بما كان يفعله الرسول (صلعم). وفي المقابر، يبدأ الزائرون بقراءة الفاتحة عن روح المتوفي والدعاء له.

وكان اللبنانيون عموماً، والمسلمون خصوصاً، يحرصون على زيارة الآباء والأمهات والجدود والجدات وكبار أفراد العائلة، امتثالاً لأمر الله والرسول بضرورة العمل بصلة الرحم.

واليوم الأول من العيد يكون عادة يوم "العيدية"، وكم تكون هي عظيمة فرحة الأطفال بقدوم العيد، الذي يسمونه "عيد المصاري" أي عيد النقود. فبعد تبادل التهاني، يقوم الكبار بمعايدة الصغار ببعض النقود. ولا ينسى أهل بيروت في هذه المناسبة إعطاء "العيدية" للمسحراتي، الذي يسهر الليالي لإيقاظهم عند السحور. فيقوم مسحراتي الحي أو الطبّال، في أول أيام عيد الفطر السعيد، بالتجوال بين البيوت والحارات لقبض "عيديته"، وبذلك تعم الفرحة جميع المسلمين.

(في الحلقة السادسة: "ذكرى أربعة أيوب": تقليد انفردت به بيروت)

POST A COMMENT