كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

زمان وحلا لبنان

خاص: "رمضان في تاريخ بيروت" (الحلقة الأولى)

Sun,Jul 06, 2014



يتحسر المسلمون في لبنان، كما في مختلف المناطق العربية عموماً، على رمضان أيام زمان، حيث كانت البركة هي سمة العيد الرئيسية، وحيث البهجة كانت تملأ قلوب المسلمين المفعمة بالايمان والتقوى، بعيداً عن مشاغل الحياة الضاغطة في أيامنا هذه، التي تسير كالنهر الجارف، قاضية في طريقها على معظم عادات وتقاليد ذاك "العصر الجميل".

وإذا كان شهر رمضان المبارك، شهر التقوى والفضيلة، يحتفظ لنفسه بمعالم خاصة ومعان دينية واجتماعية وإنسانية فريدة لا يمكن لأي تطور القضاء عليها بالكامل، وإذا كانت شريحة كبيرة من المسلمين في العالم تحاول الحفاظ على الأصول الدينية المترافقة مع حلول هذا الشهر الكريم، إلا أن الأعراف والتقاليد الاجتماعية التي اتسم بها الشهر الفضيل تاريخياً، والتي طبعت عيد الفطر السعيد، تكاد تمحى أمام تطور العصر والتكنولوجيا، وتبدّل اهتمامات الانسان وأولوياته، وتغيّر أنماط العيش والمأكل والمشرب، التي انسحبت على كل شيء، وقضت على أصغر التفاصيل وأروعها التي كانت تميّز هذه الأيام المباركة.

فمأكولات رمضان تبدّلت، وباتت تشترى جاهزة في اللحظة الأخيرة قبل موعد الافطار، بعد أن كانت ربّات البيوت ينهمكْنَ بالتموّن لها قبل أشهر ويجتهدْن في تحضيرها طيلة أيام الصوم المباركة، لنيل رضى أفراد العائلة ومكافأة صومهم بأشهى المأكولات البيتية.

كذلك العادات والتقاليد الرمضانية، تراها تضمحل شيئاً فشيئاً في بعض المناطق اللبنانية، فتلاشت "استبانة رمضان" التي يطلق عليها البيروتيون بالعامية البيروتية تسمية "سيبانة رمضان"، وغابت احتفالات "ذكرى أربعاء أيوب" عن روزنامة البيروتيين. وفي خلال شهر الصوم الفضيل، لم يعد التحلق حول طاولة الافطار من عادات العائلات الاسلامية جميعها، كما بات يلاحظ غياب المسحّراتي عن بعض الأحياء البيروتية واستبداله بساعة منبّه تعتمد عليها بعض الأسر للاستيقاظ قبل موعد السحور.

والأسوأ في الأمر هو أن تيار التطور والحداثة سرق من الأطفال فرحة العيد. فالملابس الجديدة باتت عادة يومية لا يهجن لها الأطفال يوم العيد، والألعاب غابت عن حرج بيروت لتحل محلّها أجهزة الكومبيوتر التي تحتل زاوية كل غرفة من غرف الأطفال، والالعاب الالكترونية التي تنحو بالطفل نحو التوحّد، وتحرمه من أسمى وأجمل لحظات الفرح الطفولي بـ "العيدية" ونزهات العيد المميزة...

وإذا كانت هذه العادات والتقاليد تذهب نحو الاضمحلال يوماً بعد يوم، إلا أن ذكراها تبقى خالدة في تاريخ اللبنانيين، كما يبقى الابحار في تفاصيلها متعةً في حد ذاتها، تمنح الصائم فسحة من الفرح والاستمتاع، وتعود به في الذاكرة الى أيامٍ يتمنى كل مسلم لو يمكن إحياؤها من جديد.

هذه الحكايا الرمضانية العتيقة وما تحمله من ذكريات، كانت موضوع سلسلة لقاءات حوارية أجراها موقعنا مع المؤرخ اللبناني الدكتور حسان حلاق تحت عنوان " رمضان في تاريخ بيروت"، ليتبين لنا الفارق في العادات والتقاليد والسلوكيات المرافقة لهذا الشهر الفضيل، بين حقبة الاحتلال العثماني للبنان تاريخياً واليوم...

يذكر أن الدكتور حسان حلاق يشغل منصب أمين سر مجلس أمناء وقف البر والإحسان في بيروت، القيّم على الجامعة العربية في العاصمة اللبنانية، بالاضافة الى مشاركته الفاعلة في عدد من الجمعيات والمجالس الإسلامية الهامة في لبنان. ومن مؤلفاته "بيروت المحروسة: بيروت الانسان والحضارة والتراث"، دراسات في تاريخ الحضارة الاسلامية، ملامح من تاريخ الحضارات، دراسات في تاريخ الحضارة الاسلامية، وغيرها.

كانت الاحتفالات بقدوم شهر رمضان تبدأ مبكرة في الماضي. فمنذ اليوم الأول من رجب المعروف باسم "الهلة"، كان يبدأ الصوم ليوم واحد، وكان بعض البيروتيين يصومون في أيام أخرى تقرباً لله تعالى، ثم يصوم المسلمون في النصف الثاني من شهر شعبان تقرباً الى الله عز وجل، واستناداً الى السنة المطهرة.

وفي هذا اليوم، كان المسلمون في بيروت ينشغلون في العادة بإعداد الوجبات والحلويات مثل أيام شهر رمضان تماماً. غير أن ما كان يميز هذا اليوم هو شغل وصناعة "المشبّك"، وهو حلوى متعددة الألوان كان يحرص بعض الأبناء على اهدائها للأهل والأقارب، والمشبك هو تعبير اجتماعي وفلسفي عن تشابك وتوطيد أواصر القربى، وعن تعميق صلة الرحم.

ويشير الدكتور حلاق الى ان "أكلة" المشبّك لم تعد حكراً على هذا العيد اليوم، بل باتت في متناول اليد وتباع في محلات الحلويات في مختلف المناطق اللبنانية، فيما ما زالت تمتنع بعض المحلات في العاصمة عن تقديمها بخلاف هذا اليوم الطاهر".

وكان المسلمون في بيروت ومختلف المناطق في الحقبة العثمانية يحرصون، قبل قدوم شهر رمضان المبارك بأيام، على إعداد ما يلزم لاستقبال هذا الشهر الكريم. فينهمكون في إعداد المأكولات والحلويات وأنواع العصير والمشروبات، ويتحضر الحجاج لزيارة الاراضي المقدسة، كما تملأ الزينة الشوارع والمنازل، وتصدح الاناشيد الدينية في كل مكان.

(في الحلقة الثانية: ما هي سيبانة رمضان في التاريخ البيروتي؟)

POST A COMMENT