كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

زمان وحلا لبنان

صيدا القديمة: مَن يعرف ماذا يجري في العتمة؟

Mon,Oct 24, 2016

عاد ريمون عودة، وهو رئيس مجلس إدارة بنك عودة، إلى بيته في مدينة صيدا القديمة في حي الشارع في العام 1992 حاملاً معه حلماً. "يحب صيدا كما لم يحبها أحد"، يقول المهندس المعماري الصيداوي جان- بيير زهار. مع ذلك، لم يستطع عودة تحقيق حلمه لصيدا وأهلها. لأنهم، أي أهالي صيدا، وفق زهار، لم يريدوا لهذا الحلم أن يتحقق.

أراد عودة إنشاء حي يضم وِرش عدة، تعرِضُ كُلّاً منها حرفة قديمة اشتُهِرَت بها المدينة تاريخياً مثل صناعة الصابون، الحياكة والنجارة، بالإضافة إلى إنشاء فندقٍ في الحي نفسه. لكن كل ما حقّقه عودة في حي الشارع، كان ترميم منزله بعدما استرجعه من مدرسة كانت أقيمت فيه بعد إنشاء مبنى مدرسة على حسابه الخاص كبديل لها. وكان عودة قبل إجهاض حلمه اشترى متاجر كثيرة في الحي واستورد الحجارة لبناء الفندق من سوريا، ليتوقف بعد ذلك مشروعه على أثر رفض الصيداويين له وعرقلة مشاريعه، خصوصاً رفض بيعه عقاراً مساحته 90 متر مربع. وهو العقار الذي يوصل الزائر إلى فندقه.

مأزق المدينة القديمة
لعل في قصّة عودة صورة سلبية عن ليونة سكان المدينة وقابليتهم للتغيير. لكن هذه التجربة تقودنا إلى السبب الذي يجنب صيدا، على عكس معظم المدن المتوسطية التاريخية، من القضاء على طابعها السكاني، وتحويلها إلى "معرض" أو إحداث تغيير طبقي جذري فيها. إذ يقيم في المدينة القديمة (البلد) اليوم، من لا بديل له، أي الأقل فرصاً، إقتصادياً واجتماعياً.

في الواقع، إن الظروف الحياتية في المدينة القديمة صعبة جداً. فمن الناحية التجهيزية، تقتصر البيوت على غرفتين، مع غياب التجهيزات الصحية والبنى التحتية الضرورية من ماء وكهرباء، إذ تعاني المدينة من انقطاع الماء والكهرباء باستمرار. ومن الناحية الاجتماعية، ينتشر الفقر والبطالة وتعاطي المخدرات بشكل واسع. ما يؤدي إلى تكرر حوادث الموت والاعتقال. ومع مغيب الشمس، يصبح الدخول إليها مخاطرة لا يمكن توقع نتائجها في ظل العتمة وما تخبئه من ممارسات غير شرعية. وديموغرافياً، يشكل اللاجئون الفلسطينيون نحو نصف السكان أو أكثر، على ما تفيد المهندسة هيفا الأمين، المشرفة على مشاريع ترميم "مؤسسة محمد زيدان" في المدينة والمنخرطة في المدينة منذ سنوات كثيرة، مع غياب الإحصاءات الرسمية. "أما اللجوء السوري إلى مدينة صيدا القديمة فيساوي في نسبته نسبة اللجوء إلى مختلف المناطق اللبنانية"، وفق الأمين، مضيفة أن "اللجوء السوري لم ولا يشكل أزمة حقيقية في المدينة القديمة". وهو تصريح يتضارب مع تصريحات بلدية صيدا، التي تبرر مشاكل المدينة بالأزمة السورية.

ومن الناحية التراثية، تشهد المدينة تعديات كثيرة على مبانيها عبر الهدم وبناء الطوابق بالإسمنت. وعلى صعيد السياحة، تنتشر في المدينة "حركة سياحية عابرة"، على ما تصِفها الأمين. إذ إن "زوار صيدا ليسوا نشيطين بشكل كافٍ، ولا ينفقون المال فيها"، معيدة ذلك إلى "أسباب نفسية وأمنية. فصيدا مدينة جنوبية. ما أدّى إلى اندثار الحِرف وتراجع الخدمات السياحية فيها".

رغم هذه المشاكل، وتلبية لرغبة أبيه، عاد زهار في العام 2009 مع زوجته من براغ إلى مدينة صيدا القديمة، وتحديداً إلى منزل عائلة أبيه، بعدما اشتراه من قريبتهم، فسكنا فيه وعملا على ترميمه. وخلال السنوات التي أمضاها زهار في المدينة، خاض رحلة التعرف إلى عائلته والعودة إلى جذورها، والتعرف إلى مدينة صيدا وجذورها أيضاً. "ما فيكي تفوتي ع صيدا بلا ما تتعرفي ع قبضايات صيدا. بصيدا ما في شي ببلاش: كل واحد بيدفع حسب شو مكتوب ع جبينو، لونه، دينه والطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها. هكذا تعرفت على أشخاص كثيرين في البلد وحاولت فهم ديناميكيته عقارياً". ويشرح زهار مدى تعقيد التركيبة العقارية وصعوبة الاستملاك فيها، نظراً إلى توزع ثلث الملكية فيها على 5 أوقاف هي الوقف السني الوقف، الوقف الماروني، الوقف الكاثوليكي، الوقف الأرثوذوكسي والوقف اليهودي، وما يرافقها من إيجارات قديمة.

مع ذلك، ماذا ترسم الأقطاب الصيداوية الكبرى لصيدا؟ وهل تتفق جميعها على مشروع واحد، أم أن لكل منها مشروعاً خاصاً للمدينة؟ أما السؤال الأهم: هل يمكن أن تتحول مدينة صيدا القديمة إلى "مشروع سوليدير" جديد؟

بحسابات رياضية بسيطة يجريها الزهار، فإن المدينة القديمة التي تبلغ مساحتها 160 ألف متر مربع، 20% منها مساحات عامة، وعلى ارتفاع 3 طوابق، وباعتبار أن المتر الواحد في المدينة القديمة يساوي 500 دولار، ستبلغ تكلفة شراء المدينة القديمة ملياري دولار. نظراً لضخامة هذا المبلغ، لا يعتقد زهار أن في صيدا مقومات قد تدفع أحداً إلى دفع هذا المبلغ لشرائها. مع العلم أن شراءها لن يكون كافياً، فهي تحتاج إلى تصليحات كثيرة وإلى الترميم والتجهيز، مع الأخذ بالاعتبار طبيعة صيدا المحافظة جداً، التي لا ترفض المشروبات الكحولية فقط بل الحفلات والسهرات أيضاً. ما يتضارب مع المشاريع السياحية.

ورغم ورود المدينة القديمة في البرامج الانتخابية، دورة بعد أخرى، بهدف إعادتها إلى الخريطة السياحية في لبنان، وزياراتها من قبل بعض الوجوه السياسية في المدينة، يبقى تأثير هؤلاء على واقعها محدوداً. لكن المدينة شهدت مبادرات من أفراد وجمعيات لتنفيذ مشاريع تركزت في معظمها على الترميم، فتحسنت المدينة بصرياً أو جمالياَ في جزء منها فقط، وبقيت على ما هي عليه اجتماعياً وعلى المستويات الأخرى.

البلدية تهمل
في الخطاب العام، تتمسك البلدية وما تمثله من اتجاه سياسي داعم لها بعدم قدرتها على حل مشاكل المدينة، "بسبب انتشار السلاح فيها ودعم السكان من قبل الأطراف السياسية. وبالتالي، عدم قدرتنا على ردعهم وضبطهم من أجل تطوير المدينة وصلاحها"، على ما يقول عضو المجلس البلدي علي دالي بلطة في حديث إلى "المدن". لكن المنخرطون بالمدينة وسكانها، مثل زهار والأمين، الذين أمضوا سنوات فيها، يؤكدون أن سكان المدينة بسيطون وطيبون، "وقد تصل البلدية إلى حلول معهم إذا وجدت أشخاصاً مخلصين يكرسون وقتهم للتواصل معهم والوصول إلى تسويات"، يقول زهار. ومقابل الخطاب البلدي، واقع يشي بالإهمال المتعمد. إذ لا نرى مبادرات حقيقية من قبلها لضبط المدينة أمنياً، من خلال إنشاء مخافر على حدودها مثلاً، أو مصحات للمعالجة من الإدمان أو مؤسسات اجتماعية إصلاحية أو مؤسسات تمكينية أو فرص عمل، رغم شدة حاجة المدينة القديمة لهذه المؤسسات.

لم تعد المدينة تخبئ بين أزقتها سوى العتمة والحزن. أما تراثها فيقتصر على المباني التاريخية. سوق النجارين خال إلا من نجار أو اثنين يعرضان منتجاتهما بيأس، إذ أغلق النجارون الحرفيون الآخرون متاجرهم أو استبدلوا حرفتهم ببيع المنتجات البلاستيكية. وهذا ما ينطبق أيضاً على الحياكة والتطريز وغيرها من الحرف. وصناعة الصابون تقتصر على ما ينتجه معرض عودة. لتبقى صناعة بعض الحلويات كالراحة والقزحة والسحلب، الذي يشتهر به أبو زهير، الذي سيفتتح فرعاً آخر خارج المدينة القديمة، آخر المظاهر التراثية في المدينة.



المدن

POST A COMMENT