كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

زمان وحلا لبنان

مهنٌ من الذاكرة تعود مع السوريين إلى شوارع لبنان!

Wed,May 21, 2014

 
 
يعيد النزوح السوري إلى الواجهة معه مهناً كنّا ظننّا انها زالت مع تطور العصر والتقنيات. مهنٌ بات مسرحها شوارع لبنان بمختلف أرجائه، ولأزقة الضيعة الحصّة الأكبر منها.
فهاك يونس هلال، نازحٌ من منطقة القنيطرة السورية، يعمل في تبييض النّحاس. مهنة قديمة انقرضت من لبنان تقريباً، بسبب ندرة النحاسيات من الأواني المنزلية الأكثر استعمالاً كالطناجر ومصبّات القهوة وغيرها. والتبييض يشمل الأدوات المصنوعة من الألمنيوم كذلك، لكنّها بدورها إلى انقراض، إلا من بعض المناطق الريفية شبه النائية.

 

استوقفني صوت يونس قبل أن أراه: "مبيّض مبيّض"... وإذ بدأ الصوت يقترب شيئاً فشيئاً، نزلت إلى الشارع لملاقاته. بدا مبتهجاً لمجرّد أنني ناديته. ربما ظنّ أن " الرزقة إجت". وبعد التعارف استمعت إلى تفاصيل مهنته، "غرامه" بها، ومعاناته معها.

 

"فَلْش عدّة الشغل" استغرق دقائق معدودة. أكياس تحتوي أنواعاً مختلفة من المواد على شكل بودرة. محرّك مزوّد بفرشاة مدوّرة، مياه، وبعض الخرق. لم أجد في بيتي ما "أبيّضه" من النحاس أو الألمنيوم، فاستعنت بالجدة أم أمين لاستعارة حلقات الغاز القديم من عندها. لم تكن متّسخة لكنّ نحاسها خسر لونه الذهبي اللامع. ولا شكّ بأن الجدّة كانت شديدة الإمتنان إذ أعدتها إليها "طقّة إبرتها"، وهو تعبير تقليدي للدلالة على جودة القطعة ومظهرها الجديد!

 

سألت يونس ما هي المواد التي استعملها وما سرّ مهنته، فقال "أستخدم القصدير والتوتية وروح الملح للتبييض، بعد دهن القطع بنشاء ماء البحر، ثم أغسلها بالماء العادي وأي سائل للجلي. هكذا تستعيد لونها الأساسي. وبعدها أستخدم بودرة للبوليش أو التلميع، وهي مصنّعة من الكيماوي، وأمرّرها تحت دولاب التلميع هذا الموصول الى "موتور متطوّر" يحرّكه.

 

هنا يقف التطور لدى يونس، الذي ورث وإخوته السبعة مهنتهم هذه أبّاً عن جدّ. "ففي الماضي كنّا نستخدم التراب وحامض الليمون للتبييض ولم نكن نحصل على هذه النتيجة المثالية"، قال. لكن مع نزوحهم إلى لبنان، لم تعد المهنة "تطعم خبزاً"، ولم تعد حتّى تعوّض تكاليف المواد المستقدمة من تركيا. في سوريا ما زالت النحاسيات وأواني الألمنيوم "موضة". فهناك التراث لا يندثر لأنه جزء من هويّة ثابتة لا أحد يستبدلها أو يستعيض عنها بأخرى مستوردة! والامر في تركيا سيّان رغم التطوّر. هكذا روى يونس، وهو ما تؤكّده الدراما التركية والسورية التي تنقل الواقع حتماً.

 

لكنّ يونس لم يكتفِ بـ "خبريات" عن مهنته، بل ذهب بنا إلى أبعاد أعمق. فحسب قوله، إن "الاعتماد على آواني الستانلِس والكروم يعدّ سبباً للكثير من الأمراض، لأن الطعام يتأكسد فيها ويتشرّب منها مواد مضرّة، وبعضها مسرطنة، ولذلك يمرض الناس في أيامنا هذه أكثر من أيام زمان، لأنهم كانوا يعتمدون من قبل على الفخار والنحاس والألمنيوم". واضاف ان "النحاس والألمنيوم يحفظان الطعام على جودته لأكثر من يوميْن خارج البراد، فيما الستانلِس والكروم يؤكسدان الطّعام في البراد تماماً كما يفعلان على درجات الحرارة العالية"!
ويبدو يونس "مغرماً" بمهنته. تشي بذلك تعابير وجهه بُعيْد الإنتهاء من كل قطعة. يحملها ويتأمّلها مفاخراً "رجعت جديدة"!

 

أعدت حلقات الغاز إلى الجدّة أم أمين، فشكرتني وتحسّرت على "أيام النحاس"، مبدية فرحتها بعودة هؤلاء المتجوّلين إلى أحياء الضيعة. فقبل أيام استقبلت في منزلها منجّداً سورياً يدعى أبو محمد. والمنجّدون حالهم حال مبيّضي النحاس في لبنان أيضاً. لا يحظون بـ "باب رزق ولا طاقة" إلا في منازل العجّز. وحدها ما زالت تحتوي على الأغطية والفرش العربي القديم، المصنوع من القطن أو الصوف الطبيعي. 
ومهمّة المنجّد تقوم على "فرط" الفراش، "نكش" صوفه لكي يتخلّص من الغبار ويستعيد حجمه "المنفوش" من جديد، ومن ثمّ تنجيده، أي "تقطيبه" بطريقة معيّنة تضمن عدم تمزّقه على المدى البعيد، وحفاظه على توازنه ومتانته. 

 

"خبرية" الجدة عن ابو محمّد أعادت إلى ذاكرتي مشاهد كنت قد نسيتها تماماً. تذكّرت المنجّد علي، اللبناني من بلدة الخيام الجنوبية. كنت أجلس بجانب جدّتي في بلدتنا إبل السّقي، نراقبه وهو يمارس عمله في دار منزلها. وكانت رائحة الصوف "المنكوش" تعبق في المكان مع كل "لفحة شمس"، مستحضرةً معها نَفَس الطبيعة وارتباطاً وثيقاً بالأرض والهويّة نفتقده اليوم. وأروع اللحظات كانت لحظة النهاية، إذ يعود الفراش "جديداً" بكل معنى الكلمة، "مقطّباً" على شكل مربّعات متناسقة. ولن أنسى فرحة جدّتي العارمة بـ "تجديد فراشها"! 

 

تذكّرت بائع "الدخان الطازج". لم أعد أقوى على تذكّر اسمه، لكنّني أتذكّر صوته تماماً "طازا يا دخّان"! وتذكّرت كيف كان جدّي (رحمه الله) يشتري منه رقائق ورق السيجار، وبعض التبغ "البلدي"، وينبري إلى لفّ السجائر والتباهي بها أمام ضيوفه!
كما تذكّرت "مصلّح الآستيك" جيّداً. كنت أنتظره في طفولتي ليصلح ما فسد من أحذيتي ويلمّع الصالح منها. حتّى الآن ما زلت لا أفهم معنى كلمة "آستيك" التي كان ينادي بها، لكن والدتي كانت تقنعني بأنها تعني الأحذية. وقد يكون هذا معناها في إحدى اللغات او اللهجات. وقد حدّثتني صديقتي أن شاباً من الاخوة النازحين مرّ بها منذ مدّة، ويمتهن "تصليح الآستيك"!

 

وثمة أصوات كنّا بدأنا نفتقدها منذ الخروج السوري من لبنان في العام 2005، إلا أنها عادت تقطع هدوء الشوارع في قريتنا، وعاد "أربابها" يملأون الأرض في شتّى المناطق. هم باعة الكعك "العصروني" الشهير في سوريا، وغزل البنات .. والبوظة! يتجوّلون على دراجات نارية، يطلقون "الزمامير" (تيتو تيتو على قول إبني الذي لم يتجاوز عمره السنوات الثلاث) ويصرخون منادين على بضاعتهم، فيهلّل الأولاد لقدومهم تماماً كما كنّا في صغرنا!

 

هي مهنٌ عنوانها التجوال والإرتحال، قديمة قدم الزمان نعم، لكنّها وفيّة لأصل الثقافة الشرقية، والعربية بوجه خاص. قد يظنّها البعض دليل جهل أو تخلّف عن التطوّر، إلا أن التمعّن بها والإستماع إلى حكاياها يوقظ فينا الحسرة على زمن ارتباط الانسان بأرضه، ومعها بهويّته .. هوّية أضاعها جيلنا حتماً، وسط تكاثر الصناعات والإبتكارات، ولهاث الجميع خلفها غير آبهين بأثرها السلبي في نفوسنا ومشاعرنا الإنسانية .. وصحّتنا قبل كل شيء.

 

مهنٌ نحترمها لأن الحاجة إليها منعت اندثارها في موطن النّازحين. وإن كانت الحاجة تدعوهم لاستحضارها معهم إلى لبناننا، فلا عجب ولا ضير، شرط ألا تتعدّى حدود المنطق كحال طبيب الأسنان المتجوّل بحقيبة مثلاً .. او "المطهّر"!!
 
 
غنوة غازي
 
POST A COMMENT