كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

زمان وحلا لبنان

البحث عن «ساحة البرج» في مربع «سوليدير»!

Wed,Apr 22, 2015

Iـ لأول مرة البرج بلا ساحته
كانت الساحة أولاً، وتكنّت بالبرج ثانياً، فصارت «ساحة البرج». تغيّرت كنيتها مراراً، ولكن لفظ الساحة ظلّ يصاحب المكان. جمعية الاتحاد والترقي التركية، حاولت تغيير هويتها، أطلقت عليها «ساحة الاتحاد»، وبعد تعليق الوطنيين على المشانق وتنفيذ قرار جمال باشا بالإعدام، سماها الأمير فيصل ساحة الشهداء... بعد الحرب اللبنانية، أطلق عليها اسم أجنبي بلكنة عقارية، فدعيت «سوليدير»، وهي المرة الوحيدة التي انتزع فيها اسمها الذي كان أولاً: الساحة.

الساحة؟
يسيء اللبنانيون إلى مفردة الساحة كثيراً. سمعتها ليست حسنة في خطابهم السياسي. يعيبون عليها حضورها، كونها ملتقى «حروب الآخرين»، ولأنها مرادف سيئ للبنان كساحة الصراعات الإقليمية ولاعبي الدمى في الخارج ومحط مخططات «المؤامرات». لكن لفظ الساحة بريء تراثياً من هذه الاتهامات. فالساحة في العرف اللبناني العريق، هي الباحة الواسعة، وملتقى الناس، وهي موجودة في كل بلدة وقرية ومدينة، وهي مكان الاجتماع الطبيعي تاريخياً.
هكذا كانت ساحة البرج. كانت الفسحة الوحيدة على مستوى الجغرافيا، التي يلتقي فيها لبنان كله واللبنانيون كلهم.

IIـ العاصمة التي فقدت روحها
لا تشبه ساحة البرج اليوم، ما كانت عليه قبل الحرب. ثمة غياب للصورة وفقدان للحياة. لا شيء في «سوليدير» يمتّ بصلة إلى ماضي الساحة. أسماء الشوارع التي اعيد توزيعها على بعض المواقع الجديدة، استلاب. اسم الشارع القديم لا يشبه الناس في المواقع الجديدة... الناس يومذاك، المحتشدون في الساحة والمتفرع منها، بقصد التسوق أو المعرفة أو الثقافة أو الفن أو التسلية، لا يشبهون العابرين فيها اليوم. كانت ساحة البرج أمّ الفقراء، كما كانت مرتع الأغنياء، والميسورين. كانت ساحة بملكية عمومية، وباتت اليوم عقاراً بملكيات محظيّة مسوّرة ومطوّبة ومتعسكرة، أو عقاراً للإيجار الباذخ القادم من «فتوحات الخليج» النفطية.

الحرب دمرت الساحة وما فيها... إعادة الإعمار ألغت الساحة، بل محتها. لا أثر لساحة البرج. لم يبق من حجرها ما يدل على جسدها الطاعن في التاريخ. ليس في فضائها ما يومض من روحها. بيروت، قلب لبنان، وبيروت لا قلب لها، لا اليوم ولا بعده. لقد فقدت العاصمة روحها عندما أفقِد لبنان ساحته بالحربين، حرب «النار» وحرب «الإعمار».

يطيب لجيل لبناني ذاق مرارة فقدانها وتجرّع خسارتها، أن يستعيد روح المدينة، عبر استعادة شريط من الذكريات الخصبة بالوقائع والمشاهد والاحداث والروايات والشخصيات والأمكنة. لكل مكان في الساحة حكاياته. لكل زاوية، مهما كانت ضيقة أسطورتها، ولكل محطة أصحاب يؤمونها من بلداتهم وقراهم ودساكرهم، البعيدة والقريبة، ليتزودوا من المدينة، ما يلبي حاجاتهم وما يغذي حشريتهم في تتبع الجديد والحديث، لنقله أو فقده.

يصعب التذكر بلا حسرة. يشعر روادها القدامى باليتم والخسران. تنتابهم الحسرة، ويتمنون لو يعود الزمان، لتستيقظ المدينة من تحت الركام القديم ومن تحت الرخام الجديد. انما، ليس في التاريخ «لو»... ولو لمرة واحدة.

IIIـ في ضيافة الماضي
الرغبة تلح بزيارة ساحة البرج، بعد أربعين عاماً على فقدانها، تدخل الساحة من بواباتها المفتوحة في الاتجاهات الأربعة، الساحة تستقبل الشوارع الآتية من بعيد. يستقيل الشارع عندما يصل إليها. في الساحة ترتاح الطرق، مخلية المكان لساحة فسيحة مزنرة بالأبنية العريقة القديمة المتسقة، المتآخية مع روح عصرها، تتوسطها أشجار نخيل وساعة تفترش فسحة خضراء، تدور عقاربها باتجاهات الأزمنة اللبنانية، وعلى مقربة منها، تمثال للشهداء، قيل يوم نصبوه، إنه يشبه وجوه الطليان.

أول ما يلفت القادم إلى ساحة البرج، معزوفة الأصوات واللهجات المتعددة. كل لهجة تدل على أصل الأمكنة القادمة منها. سوق عكاظ اللهجات اللبنانية، كانت ساحة البرج. أصوات لا تتوقف عن صيغة النداء.

تسمع اللهجة الطرابلسية من سائقي باصات «الأحدب» وركابها: «طروبليس، طروبليس، طروبليس». والمقصود طرابلس. تؤاخيه من الجهة الجنوبية للساحة، أصوات بلكنة بعلبكية: «بعلبيك، بعلبيك، بعلبيك»، مع حَدِّ الياء والكسر المصاحب لها. بعلبك، مع لطافة اللفظ والحركات الرشيقة الصحيحة، هي اختصاص سكان العاصمة... ومن على طرفي الساحة تنطلق أوركسترا أصحاب الباصات والتاكسيات بأنغام خاصة هنا، «عليه، عليه، عليه» (المقصود) وغالباً ما كان السامعون ينكّتون على «عليه». قريباً منها، تعلو لهجة مسترجلة وحادة تصرخ «زحلي، زحلي»، تصاحبها لهجة كسروانية، وفي أمكنة أخرى، لهجة صيداوية، وتحديداً قرب باصات «الصاوي زنتوت»، يضاف إليها لهجات سرفيسات البسطة والاشرفية والمصيطبة والحاووز.

كل لبنان موجود في الساحة. الساحة حاضنة اللبنانيين، ومحجتهم اليومية. ما كان اللبنانيون يومذاك، يسمون الساحة «سنتر فيل» أو «داون تاون». كان اسمها الساحة، ساحة كل الناس، من كل الأجناس، ولكل الحاجات ولأكثر الغايات.
بعد الحرب، فقدت البوسطات والتاكسيات ووسائل النقل الخاصة، وجهتها الواحدة واستراحتها في الساحة. توزع زوار الساحة المياومون. نشأت محطتان اعتباطيتان، بلا روح. المناطق المسيحية وجدت محطتها في الدورة، والمناطق الإسلامية وجدت ضالتها في فسحة «الكولا» الضيقة. اختلّت لغة الأصوات. ما كان يوحدها في الساحة، فرقته الحرب وبددته العصبيات والمخاوف المتبادلة من القتل والقتل المضاد، من الخطف والخطف المضاد.

يحضر إليها الوافدون من بعيد عند الصباح، ويتوزعون فيها وحولها. كل ما يحتاجه اللبناني موجود في محالها ومتوفر في أسواقها المرتبة والموزعة وفق الاختصاص. وهذا تقليد اتبع منذ العثمانيين، وموروث عن تقليد «الخانات».

أسواق البيع والشراء، إما متفرعة من ساحة البرج، أو محاذية لها أو متصلة بها أو مجاورة لها. لا يحتاج القادم من بعيد إلى التنقل الشاق، من حي إلى حي. الساحة وأسواقها تفي بالغرض. لكل حاجة أو بضاعة سوق: سوق أبو النصر، سوق السكاكر، سوق الذهب، سوق الصاغة، سوق الأوقية، سوق الخضار، سوق السمك، سوق القباقيب، سوق الطويلة، سوق أياس، سوق البازركان، سوق النجار (بما فيها التوابيت) سوق الحدادين، يحاذيه «سوق المتنبي»... الساحة صندوق فرجة وتمتع وتبضع، ومكان التفاعل الأمثل، من دون اللجوء إلى استعمال تفاهة «العيش المشترك».

IV ـ موطن الصحافة والإبداع
والساحة، قلب المدينة وموطن صحافتها، من الساحة وما حولها ولدت صحف استولدت يومياً «مانشيتات» كان بائعو الصحف يجوّدونها بأصواتهم. وعندما كانت تعز الربع ليرة على الطلاب والتلامذة، كانوا يتحلقون حول الشجرة الظليلة التي تتوسط ساحة الدباس، حيث كان بائع الصحف يعلقها على أمراس، كي يقرأها المارة والعابرون وليشتروا نسخهم. من كان بلا ربع ليرة، كان يسترق العين ويتسلل لقراءة الخبر كاملاً على الصفحة الأولى، قبل أن يرمقه البائع بنظرة رقيب غير قاسٍ.

يذكر الكاتب محمد دكروب كيف كانت تروج الأصوات لعناوين الصحف، ويروي كيف حمل عنوان جريدة «التلغراف» مانشيت من كلمتين: «قصيدة الجواهري»، تلك القصيدة التي ألقاها الشاعر في حفل تأبين عبد الحميد كرامي بحضور رئيس الحكومة رياض الصلح والتي قال فيها الشاعر، ما أساء إلى مقام الصلح، ومنها المطلع:
«باقٍ، وأعمار الطغاة قصارُ».
في الساحة وما حولها ولدت وكبرت جرائد ومجلات ومنتديات: الطيار والتلغراف (نسيب المتني)، الكفاح والأحد، (رياض طه)، الحياة والدايلي ستار (كامل مروه، في الخندق الغميق)، النهار (جبران تويني الجد وابنه غسان) الجريدة والأوريان (جورج نقاش) الأحرار، لسان الحال (جبران حايك) الأحرار (كميل يوسف شمعون).

والساحة كتاب المدينة وكتّابها، لوحة المدينة ورساموها، أغنية المدينة وملحنوها. في مقاهيها وعلى أرصفتها كان يتجوّل ويجتمع الكتاب والشعراء والفنانون والسينمائيون. في الساحة، كان يلتقي العابرون الشغوفون بالإبداع، برواد الثقافة المياومين على الحضور، من هؤلاء، زكي ناصيف والأخوان رحباني بصحبة فيروز. من هناك، مرت وعبرت الأغنيات اللبنانية الجديدة. ساحة البرج، لها أذن موسيقية مختلفة، وذائقة فنية متجددة.

أسماء المقاهي ارتبطت بأسماء الكبار من الكتاب والشعراء والفنانين والسياسيين. ساحة البرج عميقة الغور، تتألف من طبقات تعلوها طبقات، وفي كل طبقة كنز وفتح. من مقاهيها خرجت إبداعات بحلل جديدة. «قهوة القزاز» كانت مربط خيل قراء الصحف وحوارات السياسة على إيقاع السبّحات. مقهى «المارسيلياز»، كان رواده مختلفين. إفرنج ولبنانيون فرنكوفونيون. «مقهى النجار» قرب السرايا، لعلية القوم من أهل السياسة ومتتبعي أسرار الدولة. «الباريزيان»، ملتقى أهل الفن. «مقهى ويلياش»، من زبائنه جورج شحاده وسعيد أ. عقل وجان خليفة وميشال بصبوص. «مقهى لا باليت» و «لاروندا» حضنا انطلاقة الحداثة الأدبية والشعرية والفنية.

حفلت الساحة بوجوه عديدة، لم يعد يتذكرها أحد. أسماء برتب مختلفة واختصاصات متنوعة، التقت لتعطي لساحة البرج، نكهة عالمية. (بالطبع، لم تكن سويسرا الشرق) كانت مختبر المنطقة. عرفت من الأسماء، نصري المعلوف، عفيف الطيبي، رشدي المعلوف، صلاح ستيتيه، جميل جبر، ميشال أسمر، توفيق يوسف عواد، أمين الباشا، بول غيراغوسيان، كريستيان غازي، إيفيت أشقر، محمد سلمان، جوزف نجيم، جان خليفة، ريمون جباره، روجيه عساف و... بداية مجلة «شعر». ففي حقبة الستينيات ومع فورة الحداثة كان مقهى الـ «لاروندا»، حاضناً لانطلاق حركة الحداثة في الشعر مع يوسف الخال وكوكبة من الذين باتوا أعمدة مجلة «شعر» أمثال فؤاد رفقه وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج.

V ـ ... ويسألونك عن الوطن
مَن يتذكر اليوم خريطة ساحة البرج وعلاماتها الثقافية والفنية الفارقة؟ مَن يتذكر مسرح فاروق، ومسرح شوشو، وصالات السينما التي عرضت أهم نتاجات هذه الصناعة، من أميركا إلى فرنسا إلى مصر إلى الهند إلى...
لقد قضت مدافع الحرب وأسلحة الميليشيات على الساحة. تركتها خمسة عشر عاماً، للصوص القتل وكلاب النهش. بعد الحرب، استسلمت الساحة، بقرار من السلطة، لجرافات «سوليدير»، فانتهت إلى الأبد.

ويسألونك عن الوطن؟
بحّ!



نصري الصايغ- السفير

POST A COMMENT