كن الأول
في معرفة آخر الأخبار والتحقيقات والمقابلات

إشترك الآن لمتابعة آخر المستجدات
على مدار الساعة

زمان وحلا لبنان

"بيت بيروت" .. عندما تلملم الحرب ذكرياتها وتطلقها للحياة!

Sat,Apr 12, 2014

"بيت بيروت" .. عندما تلملم الحرب ذكرياتها وتطلقها للحياة!

زينة أرزوني


قهقهة بصوت عالٍ، دعسات ارجل متسارعة، يعقبها ظل شخص ضخم يحاول ابتلاعك على الحائط المعاكس لناظريك. تتسمر مكانك للحظات قبل ان ينفضك من على الأرض صوت رصاصة يغمض عينينك. وحدها رائحة البارود الممزوجة بالسجائر، تنبئك انك لا زلت على قيد الحياة، وأن الشخص الذي أُردي قتيلاً يسكن في الجهة المقابلة لك!

هذه الصورة تتشكل اجزاءها في ذاكرة اللبنانيين "المثقوبة"، لحظة دخولك ذاك "المبنى الأصفر" الواقع بين شقيّ مدينة هشّمت معالمها حرب أهلية، يمكنك معرفة عمرها، بمجرد احصائك لرصاصات القتل التي احدثت ثقوباً بجدران "مبنى بركات"، محولة اياه الى شاهد شهيد على صولات وجولات عنف، في اطار حرب لا يعرف أحداً كيف بدأت عام 75 وكيف انتهت بعد 15 عشرة عاماً.

"الحرب التي قسمت اللبنانيين بين "شرقية" و"غربية"، محت معالم صرح تاريخ، شاء القدر ان يشيده مالكوه عند خط تماس اخترعه المسلحون فيما بعد"، بحسب ايلي شويري، الذي يسكن في الأشرفية، واعتاد ان يمر كل يوم من امام المبنى المواجه لمركز عمله. في مرحلة المراهقة كان شويرييخاف من "المبنى الأصفر"، كما قال. كان يتخيل له وهو جالس في مكتبه "ان اشباحاً تلهو في داخله". وحديث أهله عن الحرب - عندما كان صغيراً – وعن القناصين الذين كانوا يسكنون المبنى، رسخ في عقله هذه الفكرة. "لم اتجرأ على دخول البيت الاصفر الا عندما بدأت عمليات الترميم بداخله"، اضاف مبتسماً.

الخط الذي اختاره المهندس المعماري ومالك البيت، كان يريد من خلاله ان يحضن بيروت من كل جوانبها، ولهذه الغاية كانت النوافذ والشرفات مفتوحة على الطرقات، لا يفصل بينهما الا انعكاس الشمس على زجاج النوافذ. الا ان التحفة المعمارية التي بناهها المهندس الشهير يوسف أفندي أفتيموس أوائل عام 1924، وزاد عليه المهندس فؤاد قزح طبقتين اضافيتين عام 32، ما لبثت ان تحولت طبقاته الاربعة التي تزينها أعمدة وقناطر مزخرفة ودرابزين مشغول، الى ثكنة عسكرية مع سقوط اول قذيفة "آر بي جيه" على سطحه عام 1975. ليتحول ذلك الفراغ الذي يتكأ عليه الجسر الممدود في الهواء، والملتف كحزام حول أعمدة القصر رابطاً شرقه بغربه بطريقة هندسية وتراثية فريدة، الى فاصل بين اللبنانيين.

فوقوعه على تقاطع نشط بين طريق الشام وشارع الاستقلال حوّله خلال الحرب الأهلية إلى خط تماس، ومن ثم مركز عسكري. كما لم يسلم البيت من الذين استغلوا هندسته المفتوحة على الخارج في لعبة القنص، فبنوا جدراناً عمقها متر و80 سنتمتراً، وأضافوا فوقها أكياس رمل، لحماية أنفسهم من الرصاص المضاد.

ومع انتهاء الحرب عام 1989، بدا "المبنى الأصفر" مختلفاً تماماً عن النموذج الذي كان يمثله في السابق، فقد اخترقته الأعيرة النارية والقذائف، وتحولت طبقاته إلى شهود عيان على شتى أنواع الأسلحة المستخدمة في حرب "قذرة"، نعيش تداعياتها حتى اليوم.

 اليوم وبعد 39 عاماً مضت على الحرب الاهلية، وضع "منزل السوديكو" مجددا تحت الاضواء بكل ما يحمله من ذكريات وحكايات، حيث تعمل بلدية بيروت على تأهيله وانقاذه من خطر الهدم، وتحويله الى مبنى لكل اللبنانيين من خلال إعطائه إسم "بيت بيروت" للحفاظ على هوية وتراث بيروت وجعل المكان مركزا حضاريا وثقافيا ومدنياً مفتوحاً للجميع، تأكيداً على انتصار لغة الحوار.

القائمون على المشروع، يوضحون أن البيت بصورته الجديدة سيضم في طبقته الأرضية مكتبة وكافيتيريا ومحلا لبيع التذكارات، أما في الطبقة الأولى، من الجهة الشرقية، فسيُعاد تأسيس المكان الذي كان يشغله طبيب الاسنان الدكتور نجيب الشمالي، الذي سكن منذ عام 1943 في إحدى شقق الطبقة الأولى. سوف توضع اغراضه وادواته في مكانها بعدما جمعتها منى حلاق، المهندسة والمدافعة عن البيوت التراثية في التسعينيات.

اما الجهة الغربية للمنزل، فستخصص لذكرى القناصين والحروب والتركيز على الناحية الإنسانية للقتال، خصوصاً ان رصاصات ومتاريس القنّاصين ستبقى حاضرة لترسم معالم حقبة أساسيّة من تاريخ لبنان عايشها المنزل، وعمليات الترميم لن تمحو الصور والرسومات الموجودة على الجدران بل ستحافظ عليها، للسماح للمتجولين داخل المبنى بالتعرف على ما كان يحصل في تلك الفترة، وفتح المجال لمخيلتهم، اضافة الى ان هذه الرسوم هي بمثابة شاهد على الاجرام الذي كان يحصل في وقتها.

كما ستخصص الطبقة الثانية لتطور بيروت العمراني والاجتماعي ابتداءً من القرن التاسع عشر، أما الطبقة الثالثة فستزال غرفها كلها لتكون مساحة واسعة للفنون، وسيتحوّل سطح البيت إلى مطعم يساهم في تأمين دخل للمشروع.

المشروع الذي تبلغ تكلفته 18 مليون دولار من دون TVA و19 مليون دورلار أمريكي مع الضريبة المالية، تتولى تمويله بلدية بيروت، وتساهم بلدية باريس في توفير المساعدة التقنية له. ومن المفترض ان يتم افتتاحه امام الزوار في صيف العام المقبل، بحسب رئيس بلدية بيروت بلال حمد، الذي اوضح، في حديثه لـ "Checklebanon"، ان المبنى القديم انتهى العمل فيه تقريباً، والعمل حالياً جار على استكمال بناء المبنى الجانبي والمستحدث، مؤكداً ان عمليات "التشطيب" قد تنتهي منتصف العام المقبل.

وعن المشاكل والصعوبات التي واجهت البلدية او العاملين خلال فترة الترميم، يشير حمد الى ان "العمل كان طبيعياً ومنتظماً، ولم تواجهه اي عراقيل تقنية او لوجستية او مادية"، ولفت الى ان "قضية المياه الجوفية العالية الموجودة في المنطقة تحت المبنى هي الوحيدة التي كانت عائقاً امام عمليات الحفر لتشييد المبنى الجديد"، موضحاً ان "المهندسيين والخبراء استطاعوا تخطي هذه العقبة بنجاح".
وعن رؤيته المستقبلية لـ "بيت بيروت"، يؤكد حمد ان "المركز سيكون بمثابة نقطة تلاقي للبنانيين ومقصداً لأبناء بيروت وكافة المناطق، لاسترجاع ذاكرتهم والتعرف على محتويات المبنى"، متوقعاً ان "يكون يوم الافتتاح اقرب الى المهرجان، لانه سيستقطب الجميع".

ورغم نفض الغبار عن كاهل "متحف الذاكرة"، الا ان القلب الكبير والمدمى المرسوم على حائط احدى غرفه، سيبقى محفوراً في مكانه، كما حُفرت قلوب اللبنانيين بالآلام والأوجاع. والكتابات الساذجة للقناصين، ستبقى مطبوعة على الحائط، ليقف الزائر امامها مندهشاً في محاولة لفك رموزها وفهم معانيها...
علّ بها يُرسم لنا وطن بألوان الحياة، بعدما كانت قد رُسمت حكايته بالأبيض والأسود، وعاش أبطاله طفولتهم على خطوط التماس!

POST A COMMENT